الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 121، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
شاور خالد بن الوليد أصحابه وقرر النزول بعقربا، حيث رتب الجيش ووزع الرايات على المهاجرين والأنصار وعين القادة على الميمنة والميسرة والخيل. بهذا الاستعداد استعد المسلمون لملاقاة بني حنيفة الذين سلوا سيوفهم.
بدأت معركة اليمامة بتبادل الترهيب النفسي ثم اشتد القتال حتى كاد المسلمون يفنون، فبرز زيد بن الخطاب وسالم مولى أبي حذيفة وثابت بن قيس بثبات أسطوري حفر كل منهم قدميه رافعين الراية. كان ثباتهم سبباً في تماسك الجيش المسلم واستمراره في القتال.
أبرز المقطع حكمة نصب الراية لتجميع صفوف المسلمين ودور ثابت بن قيس وعباد بن بشر في حث الأنصار على الثبات واقتحام حديقة الموت. طارد المسلمون بني حنيفة حتى لجأوا إلى الحديقة ففتح الله لهم بابها واقتحموها محققين النصر الحاسم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا يزال المؤلف رحمه الله تعالى بذكر أحداث حرب الردة، وقتال المسلمين لمسيلمة وأتباعه من بني حنيفة. وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله: قال عبيد الله بن عبد الله: لما أشرف خالد، وأجمع أن ينزل عقرباً، وعقرباً هي موضع قبل اليمامة، ودفع الطلائع أمامه، يعني دفع بعض الجند أمامه. قال: فرجعوا إليه فأخبروه أن مسيلمة ومن معه قد نزلوا عقرباً، يعني سبق قوم مسيلمة إلى هذا الموضع. قال: فشاور أصحابه أن يمضي إلى اليمامة أو ينتهي إلى عقرباً، يعني هل يذهب إلى اليمامة وهو موضع، وهو موضع مسيلمة وأصحابه، أو أنه ينزل في هذا الموضع الذي قد نزل فيه مسيلمة وقومه؟ قال: فأجمعوا أن ينتهي إلى عقرباً. وكما تقدم، هذا فيه مشاورة القائد لجنده، فالمشاورة فيها نفع عظيم، وفيها إصابة بإذن الله عز وجل للحق والصواب، مهما بلغ الإنسان من المنزلة ومن السؤدد، ومن كذلك المنزلة، فلا يستغني عن مشاورة إخوانه، فالله عز وجل ﴿وشاورهم في الأمر﴾، فكان عليه الصلاة والسلام يشاور أصحابه، وهكذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهكذا خالد في هذا الموضع، وفي غيرها من المواضع التي مرت معنا، كان يشاور أصحابه، ولم ينفرد بالرأي، ولم ينفرد كذلك بالأمر. قال: فشاور أصحابه أن يمضي إلى اليمامة وينتهي إلى عقربا، فأجمعوا أن ينتهي إلى عقربا، فزحف خالد بالمسلمين إليها. وكان المسلمون يسألون عن الرجال بن عنفوة، فإذا الرجل على مقدمة مسيلمة، لأن الرجال كان من أشد ومن أقرب الناس إلى مسيلمة، فإذا هو مع مسيلمة في المقدمة. قال: فلعنوه وشتموه. فلما فرغ خالد من ضرب عسكره، ومعنى ضرب عسكره أي تهيئته وترتيبه ونحو ذلك، وبنو حنيفة تسوي صفوفها، نهض خالد إلى صفوفه فصفها، وقدم رايته مع زيد بن الخطاب، يعني راية المهاجرين، ودفع راية الأنصار إلى ثابت بن قيس بن شماس، فتقدم بها، وجعل على ميمنته أبا حذيفة بن عتبة، وعلى ميسرته شجاع بن وهب. وهذا كله من الترتيب، ومن اتخاذ الأسباب، ومن الفنون في الحروب، أن يقسم الجيش بهذا التقسيم، فإنه أدعى للترتيب، ولإثخان في العدو. قال: فتقدم بها. قال: واستعمل على الخيل البراء بن مالك، ثم عزله، واستعمل أسامة بن زيد. فأقبل بنو حنيفة وقد سلوا السيوف، يعني أخرجوها من غمدانها. فقال خالد: يا معشر المسلمين، أبشروا، فقد كفاكم الله أمر عدوكم، ما سلوا السيوف من بعد إلا ليرهبوا، يعني إلا لأنهم خائفون، وإلا فالمقاتل لا ينزع سيفه إلا إذا قرب من عدوه، فلماذا سلوا سيوفهم وهم عن بعد؟ ففسر خالد ذلك بخوفهم ورعبهم، فلذلك فعلوا ذلك قبل أن يقربوا من عدوهم. فقال مجاعة: كلا، يعني في صفوف مسيلمة. مجاعة فقال: كلا يا أبا سفيان، ولكنها الهندوانية، خشو تحطمها، يعني أن هذه السيوف من النوع الهندي، يقال لها الهندوانية. قال: خشو تحطمها، وهي غداة باردة، يعني خشوا أن تتكسر لأنها باردة، مع البرودة ربما تتشقق وتتكسر، فأبرزوها للشمس لتسخن متونها، يعني من أجل أن تتقوى بإصابة الحرارة لها. قال: فلما دنوا من المسلمين نادوا: إنا نعتذر إليكم من سلنا سيوفنا، والله ما سللناها ترهيباً، ولكن غداة باردة، يعني غدت باردة، فخشينا تحطمها، فأردنا أن تسخن متونها إلى أن نلقاكم، فسترون. هكذا ينادي أصحاب مسيلمة المسلمين، ويهددونهم بالحرب والقتال. قال: فاقتتلوا قتالاً شديداً، أي المسلمون وأصحاب مسيلمة، وصبر الفريقان صبراً طويلاً، حتى كثر القتل والجراح في الفريقين، واستحر القتل في المسلمين، وحملة القرآن، استحر يعني اشتد وصار حاراً شديداً، حتى فنوا إلا قليلاً. واستحر القتل في المسلمين، وحملة القرآن حتى فنوا إلا قليلاً، يعني قتل من المسلمين وحملة القرآن الكثير، وما بقي إلا القليل. قال: وهزم كل من الفريقين، حتى دخل المسلمون عسكر المشركين، والمشركون عسكر المسلمين مراراً، يعني صارت حرب شديدة، كل يثخن في الآخر، ويقتل في الآخر، ويدخل إلى موقع الآخر، وهكذا. وجعل زيد بن الخطاب ومعه الراية يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به مسيلمة، وأعتذر إليك من فرار أصحابي، وجعل يشتد بالراية في نحور العدو، ثم ضارب بسيفه حتى قتل، رحمه الله ورضي عنه، هذا زيد بن الخطاب. فأخذ الراية سالم مولى أبي حذيفة، فقال المسلمون: إنا نخاف أن نؤتى من قبلك. قال: بئس حامل القرآن أنا إذا أتيتم من قبلي. ونادى الأنصار ثابت بن قيس ومعه رايتهم: إلزمها، فإنها ملاك القوم. فتقدم سالم، فحفر لرجليه حتى بلغ أنصاف ساقيه، وحفر ثابت لرجليه مثل ذلك، ثم لزمها، ثم لزما رايتيهما. ولقد كان الناس يتفرقون في كل وجهة، وإن سالماً وثابتاً لقائمان. وهذا من فوائد نصب الراية، حتى يجتمع المسلمون في موقع واحد، فاجتماعهم، وكذلك قربهم من بعض، يكون سبباً في الإثخان في العدو، فعلى ذلك حتى لا يتحرك يميناً ولا شمالاً، فإذا رأى المسلمون الرايتين اجتمعوا حول الرايتين، فهذه الحكمة من فعلهما ذلك. قال: ولقد كان الناس يتفرقون في كل وجهة، وإن سالماً وثابتاً لقائمان، حتى قتل سالم، وقتل أبو حذيفة مولاه. قال وحشي بن حرب: اقتتلنا قتالاً شديداً، حتى رأيت شهب النار تخرج من خلال السيوف، لما يرتضم السيف بالآخر تخرج منه الشرر، أو يخرج منه الشرر. فيقول وحشي بن حرب: حتى رأيت شهب النار تخرج من خلال السيوف، يعني من بين السيوف. قال: حتى سمعت لها صوتاً كالأجراس، يعني من شدة ضرب بعضها ببعض صدر لها صوتاً كالأجراس، كالأجراس عندما تدق يكون لها صوت، وهكذا هذه السيوف عند ارتضامها وعند ضربها ببعض. وقال ضمرة بن سعيد المازني، وذكر ردة بني حنيفة، وذكر ردة بني حنيفة: قال: لم يلقَ المسلمون عدواً أشد نكاية منهم، لقوهم بالموت الناقع، والسيوف قد أصطلوها قبل النبل وقبل الرماح، فكان المعول يومئذ على أهل السوابق، يعني ممن له خبرة في الحرب وفي المسايفة، لأنهم بدأوا مباشرة بالمواجهة والقتال بالسيف، ما استخدموا النبال التي تكون عن بعد، ولا كذلك الرماح التي تكون عن بعد، وإنما مباشرة اختلط الفريقان وتسايف الفريقان. وقال ثابت بن قيس يومئذ: يا معشر الأنصار، الله الله في دينكم، علمنا هؤلاء أمراً ما كنا نحسنه. ثم أقبل على المسلمين وقال: افعلوا لكم ولما تصنعون. ثم قال: خلوا بيننا وبينهم، أخلصونا. فأقبلت الأنصار، ثم لم تكن لهم ناهية، حتى انتهوا إلى محكم بن الطفيل فقتلوه، وهو من أتباع مسيلمة. ثم انتهوا إلى الحديقة فدخلوها، وهو الموقع التي عسكر فيه مسيلمة وأصحابه. قال: فقاتلوا أشد القتال حتى اختلطوا فيها، ثم صاح ثابت صيحة: يا أصحاب سورة البقرة. وهذا فيه تهييج لهم، وأيضاً تذكير لهم بسابقتهم، وبكذلك حفظهم وعلمهم الذي يوجب عليهم الصبر والثبات والقتال. يا أصحاب سورة البقرة. وأوفى عباد بن بشر على نشز، أي على مكان مرتفع من الأرض، فصاح بأعلى صوته: أنا عباد بن بشر، يا للأنصار، أنا عباد، إليّ إليّ. فأجابوه: لبيك لبيك، حتى توافوا عنده، اجتمعوا. فقال: أفداكم أبي وأمي، حطموا جفون السيوف، أي القراب، قراب السيوف. ثم حطم جفن سيفه فألقاه، وحطمت الأنصار جفون سيوفها. ثم قال: حملة صادقة، اتبعوني. فخرج أمامهم حتى ساقوا بني حنيفة منهزمين، حتى انتهوا إلى الحديقة، فأغلق عليهم. ثم إن الله فتح الحديقة، فاقتحم عليهم المسلمون، أي أن النصر في آخر الأمر كان للمسلمين، كان للمسلمين. وبقي التفاصيل وأشياء سيذكرها المؤلف، إن شاء الله نأخذها في درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.