الدرس في شرح الأصول الستة 1، الدرس الأول ( بسم الله الرحمن الرحيم ... وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل ). ألقاها
يُقدم كتاب الأصول الستة للإمام محمد بن عبد الوهاب ويبرز أهميته ومكانة الإمام العلمية والدعوية. الكتاب يتميز بقلة الألفاظ وكثرة المعاني العظيمة ويحتوي على مسائل كبار يحتاجها كل مسلم.
يتناول دور أئمة السنة في توجيه الناس وتعليمهم حقوق الله والعباد، ويبرز أهمية دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في تجديد الدين. الكتاب يشرح ستة أصول أساسية للدعوة تشمل إخلاص الدين وطاعة ولاة الأمر.
المؤلف يبدأ كتابه بالبسملة اقتداءً بالقرآن وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ويشرح معنى البسملة واستخدامها في بداية الكتب والرسائل. ثم ينتقل إلى شرح العبارة الأولى في الكتاب 'من أعجب العجاب'.
يشرح كيف استخدم الشيخ مثال العامي ليدل على أن من هو أعلى درجة منه يجب أن يكون أكثر علمًا بالأمور الواضحة. يُنهي المقطع بالدعاء والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فمواصلة لما قد سبق، وهو أننا نأخذ بإذن الله عز وجل دروسًا مسلسلة في باب توحيد الله عز وجل، وقد انتهينا بحمد الله عز وجل إلى درسنا كتاب الأصول الثلاثة أو ثلاثة الأصول، واليوم نحن مع هذا الكتاب الذي هو ستة أصول أو يسميه البعض الآخر الأصول الستة، والخلاف في تسميته: هل هو الأصول الستة أو ستة الأصول؟ هو كالخلاف في تسمية الأصول الثلاثة بأصول الثلاثة أو الثلاثة الأصول، وهو من حيث اللغة سائغ أن يقال هذا أو يقال هذا، كما تقدم معنا في الأصول الثلاثة. ولن نذكر كذلك مقدمة أو ترجمة لإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وذلك لأنه قد تقدم نبذة مختصرة عن حياته رحمه الله تعالى وسيرته في الكلام على الأصول الثلاثة. ولكن نتكلم اليوم هاهنا بين يدي هذا الكتاب، نبذة سيرة مختصرة عن هذا الكتاب: كتاب الأصول الستة للإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي، عليه رحمة الله. هذا الكتاب، كغيره من كتب الإمام رحمه الله تعالى، مما قلت فيه الألفاظ والعبارات، وكثرت فيه المعاني العظام. فالمؤلف رحمه الله تعالى وهبه الله عز وجل ملكة عظيمة في هذا الباب، فهو يؤلف الكتب المختصرة، وهذه الكتب المختصرة الناظر فيها والمدقق في ألفاظها ومعانيها يجد فيها أمورًا عظامًا، ومسائل كبار يحتاجها كل مسلم، يحتاجها الصغير كما يحتاجها الكبير، ويحتاجها العالم كما يحتاجها الجاهل. وهذا من فضل الله عز وجل عليه، وعلى الناس أيضًا، أن يسأل الله عز وجل لهم منهم من كان هذا حاله، فكتب الشيخ رحمه الله تعالى هذا شأنها: قليلة الألفاظ والمباني، وكثيرة المعاني والمسائل. وقد مر معنا إشارات موجزة في كتاب الأصول الثلاثة، وستمر معنا أيضًا في هذا الكتاب كذلك إشارات إلى بعض هذه المسائل العظام، وفي غيرها أيضًا من الكتب التي ستأتي معنا بإذن الله عز وجل. وبها نعلم متانة علم الشيخ رحمه الله تعالى ومكانته العلمية، إلى جانب عظمة مكانته الدعوية، فهو رحمه الله تعالى يهتم في كتاباته بنصح الأمة وهدايتهم إلى الله عز وجل، وكتبه كما سمعتم: هادية إلى الله عز وجل بإذن الله عز وجل، دالة إلى الله عز وجل، مرشدة إليه. هذا شأن أئمة السنة رحمهم الله تعالى في كل زمان وفي كل مكان، تجدهم يدلون الناس ويرشدون الناس ويهدون الناس إلى الله رب العالمين، يربطون الناس بربهم وخالقهم ومولاهم، ويعلمون الناس حق الله عز وجل عليهم، ويعلمونهم كذلك حق العباد عليهم، بل يعلمونهم حق كل ذي حق عليهم، وهذا هو دين الله عز وجل أن الله عز وجل أعطى لكل ذي حق حقه، وأمر بأن يعطى أو أن يؤتى كل أحد ما له، أو أن يؤتى كل إنسان ما عليه. وكذلك أن له حقًا جعله الله عز وجل له، وهذا من كمال هذه الشريعة، وعلماء الأمة كما سمعتم في كل زمان يدلون على هذا. وما وصل الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى إلى منزلته العظيمة الكبيرة العالية، إلا لما اختاره الله عز وجل له من القيام بأعباء هذه الدعوة، وهذه الرسالة المحمدية، فهو قام بالدعوة إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى ما دعا إليه أصحابه من بعده، وإلى ما دعا إليه سلف هذه الأمة من التابعين وتابعيهم وأئمة الإسلام في كل زمان ومكان. فجدد الله عز وجل به هذا الدين، حتى صار أو وصل إلينا على هذه الحال. فهذه الدعوة المباركة في بلادنا هذه امتداد من دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وإخوانهم الذين كانوا في زمانه كالإمام محمد بن الأمير الصنعاني، ومن كان على حالهم وشأنهم من دعاة التوحيد والسنة، رحمهم الله تعالى وأجزل لهم الأجر والمثوبة. هذا الكتاب ذكر فيه الشيخ رحمه الله تعالى أصولًا ستة، وهي أصول عظيمة. نذكرها مختصرة، ثم يأتي الكلام عليها بما يسأل الله عز وجل في أثناء الشرح. الأصل الأول: إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله. الثاني: أمر الله أو قوله رحمه الله تعالى: أمر الله عز وجل بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق. الأصل الثالث: أنه ذكر رحمه الله تعالى إن من تمام الاجتماع طاعة ولاة الأمر. الرابع: بيان حال العلماء وفضلهم، ومن تشبه بهم وهو ليس منهم. والأصل الخامس: بيان أولياء الله عز وجل ومنهم، ومن تشبه بهم ممن هو ليس منهم. والأصل السادس: هو عبارة عن شبهة خذفها إبليس والعياذ بالله في نفوس الناس، فبيانها الشيخ رحمه الله تعالى، أي ذكر رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة. والناظر في هذه الأصول أول ما ينظر يرى أن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر أصولًا عظامًا لا يستغني عنها مؤمن، سواء كان عالما أو كان جاهلًا، سواء كان كبيرًا أو كان صغيرًا، فلا يستغني عنها أحد لعظمها ولمكانتها في الإيمان ولمكانتها في دين الله عز وجل. فكل مؤمن محتاج إلى هذه الأصول الستة معرفة وتعلمًا وعملًا، وكذلك دعوة إليها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. ابتدأ المؤلف رحمه الله تعالى كتابه هذا ورسالته هذه بالبسملة، أي بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا يعمله المصنفون في كتب الإسلام أنهم يبدأون كتبهم بالبسملة. وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في أول الفتح: أن هذا الأمر استقر عليه عمل المصنفين، بمعنى أنهم يفتتحون كتبهم بالبسملة. استقر عملهم على هذا، وكذلك هذا العمل: أي الابتداء في الكتب والرسائل بالبسملة اقتداء بكتاب الله عز وجل، فإن الله عز وجل افتتح جميع سور القرآن بالبسملة إلا سورة براءة. فجميع سور القرآن بدأت بالبسملة، ومعنى البسملة: بسم الله الرحمن الرحيم، وكذلك اقتداء بهدي سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إذ أنه كان يفتتح كتبه ورسائله إلى الملوك بالبسملة، كما فعل حينما كتب إلى عظيم الروم وإلى غيره من الأمراء والملوك وأكابر أقوامهم. كان يرسل إليهم الرسائل ويفتتحها ببسم الله الرحمن الرحيم. ومعنى بسم الله الرحمن الرحيم: معناه أستعين بالله الرحمن الرحيم، لأن الباء في قوله: بسم الله للإستعانة، فمعنى هذا الكلام: أستعين بالله الرحمن الرحيم على الآتي. قال رحمه الله تعالى: من أعجب العجاب. أعجب: أفعل تفضيل، فمعناها المبالغة في العجب، والعجب هو تعظيم للشيء لخروجه عن نظائره، وقد يكون لخفاء سببه. وهو كذلك على قسمين: يطلق العجب على الشيء المحمود، ويطلق على الشيء المذموم. فالشيخ رحمه الله تعالى ابتدأ قوله: من أعجب العجاب، وهو من هذا الباب: أي من الباب المذموم. أعجب العجاب لما سيأتي ذكره، أي كيف يحصل هذا؟ وقد ذكر بعض أهل العلم أن العجاب: مبالغ في العجب، فهو أعلى وأشد من مجرد العجب. فقول الشيخ رحمه الله تعالى: من أعجب العجاب، هو من هذا الباب، أي من الباب المذموم. فكأنه يقول رحمه الله تعالى: من أعظم وأعظم الشيء الذي يتعجب منه ما سيأتي ذكره. وفي هذا الكلام من الشيخ رحمه الله تعالى تعظيم وتفخيم لهذا الأمر الذي وقع فيه الناس. فقال رحمه الله تعالى: من أعجب العجاب وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب ستة أصول بينها الله تعالى بيانًا واضحًا للعوام فوق ما يظن الظانون. ثم بعد هذا غلط فيها كثير من أذكياء العالم وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل. هذا هو سبب تعظيم الشيخ رحمه الله تعالى لهذه الأمور. ما هو هذا الأمر؟ أنه قال رحمه الله تعالى: وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب ستة أصول. ما هي هذه الأصول الستة؟ هل هي خفية؟ يقول رحمه الله تعالى: بيانها الله تعالى أي في كتابه الكريم بيانًا واضحًا للعوام. فإذا بيانها بيانًا واضحًا للعوام، فغير العوام ممن هم أعلى منهم درجة - كمن جالس العلماء أو طلبة العلم - يكون في حقه الأمر أبين. فكيف بمن كان من طلبة العلم؟ فالأمر في حقه يكون أبين وأبين. فكيف بمن كان من أهل العلم؟ فالأمر فيه يكون في غاية البيان وفي غاية الوضوح. فالشيخ رحمه الله تعالى ضرب مثلًا بالأقل ليدل على ماذا؟ على الأكثر، بمعنى أن هذه الأمور إذا كان يعلمها العامي، فمن كان حاله أعلى درجة أعلى درجة من العامي، فمن باب أولى أن يعلم هذه الأمور علما واضحًا، وأن يعرفها معرفة جلية. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.