التعليق على الجواب الكافي 87

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 87، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عقوبات المعاصي ونسيان النفس

المعاصي تؤدي إلى نسيان العبد نفسه وإهمالها، ونسيان الله تعالى يؤدي إلى نسيان العبد لنفسه. هذا النسيان يسبب إهمال الله للعبد وهلاكه.

الخسران في تجارة الدنيا والآخرة

الذين يفضلون الدنيا على الآخرة يخسرون تجارتهم، بينما الرابحون يبيعون الفاني بالباقي. الآيات القرآنية والأحاديث النبوية توضح هذا الخسران.

قصر مدة الحياة الدنيا

مدة الحياة الدنيا قصيرة مقارنة بالآخرة، والآيات القرآنية تصف هذا القصر. هذا الإدراك يجعل الناس يفهمون قيمة التجارة مع الله.

الدعاء والشكر لله تعالى

المقطع ينتهي بدعاء الله بالتوفيق والعون، ويعبر عن شكر الله وحمده على نعمه. يُظهر التضرع إلى الله والاعتراف بفضله.

  • 11 جمادى الأولى 1442هـ - 25/12/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل، ومن عقوباتها - أي المعاصي والذنوب - أنها تنسي العبد نفسه، وإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها وأهلكها. فإن قيل: كيف ينسي العبد نفسه؟ وإذا نسي نفسه فأي شيء يذكر؟ وما معنى نسيان نفسه؟ قيل: نعم، ينسي نفسه أعظم نسيان. من عقوبات المعاصي أن العبد ينسي نفسه، يهملها ويفسدها. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. نسوا ذكر الله جل وعلا، فتركهم الله أحماله، ومن يهن الله فما له من مقرب. فنسيهم الله عز وجل، أي تركهم أحماله، فكانوا وكلا أنفسهم، فنسوا أنفسهم، أي بما يحييها من ذكر الله جل وعلا ومن الخير. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. فالحي هو الذي يذكر نفسه فيذكرها بذكر الله جل وعلا، مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر كمثل الحي والميت. فلهذا، الله يذكر نفسه بذكر الله، فإذا نسي ذكر الله ماتت نفسه ونسى نفسه، فأهملها، فهانت على الله عز وجل نفسه. فلهذا تجد أنه ينهمك في المعاصي وينهمك في الذنوب ولا يتوب ولا ينوب، بل لا يبالي بهذه المعاصي التي عصى الله عز وجل بها. قال رحمه الله: قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم، كما قال جل وعلا: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. فعاقب الله سبحانه من نسيه عقوبتين يهديهما: أنه سبحانه نسيه، أي تركه وأهمله، وأيضا ربنا جل وعلا لم يعينه لأنه نسى الله. فلهذا تركه الله لنفسه. ومعنى ذلك أنسى نفسه. قال: والثاني: أنه أنساه نفسه. ونسيانه سبحانه للعبد إهماله وتركه وتخلي عنه وإضاعته. فالهلاك أدنى إليه من اليد للفم، لأن العبد إذا لم يكن تحت إعانة الله جل وعلا فإنه يضيع وتغلبه نفسه. ولهذا من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين». ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين. جاء من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه فاطمة، وجاء أيضا كذلك من حديث أبي هريرة، وفيه ضعف، لكنه في الشواهد. قال: وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وما تكمل به ينسيه ذلك جميعا أن ينسي ربنا جل وعلا هذا العبد هذه الأشياء كلها، فلا ينظر إلى سعادتها ولا ينظر إلى فلاحها وصلاحها، وإنما نظره في شهواته وملذاته وإهلاك نفسه. قال: وما تكمل به ينسيه ذلك جميعا، فلا تخطره بباله ولا يجعله على ذكره ولا يصرف إليه همته، فيرغب فيه. فإنه لا يمر بباله حتى يقصده ويؤثره. وأيضا ينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها، فلا يخطر بباله إزالتها، أنه ليس حتى نفسه ليست لوامة لا تلومها على شيء، بل تدفعه إلى المعاصي دفعا، تأزه مع الشيطان أزا. قال: وعيضا ينسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها، فلا يخطر بقلبه مداواتها ولا السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تأول به إلى الفساد والهلاك. ولهذا تجد أن العبد إذا انهمك في المعاصي فلم يلوم نفسه، فمعنى ذلك أن الله عز وجل نسيه وأنساه نفسه فلم يصلحها ولم يحييها. قال: فهو مريض مدخن بالمرض، ومرضه مترام به إلى التلف، ولا يشعر بمرضه ولا يخطر بباله مداواته. وهذا من أعظم العقوبة العامة والخاصة. فأي عقوبة أعظم من عقوبة من أحمل نفسه وضيعها ونسى مصالحها ودائها ودوائها وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وحياتها الأبدية في النعيم المقيم؟ ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا الخلق قد نسوا أنفسهم حقيقة وضيعوها وأضاعوا حظها من الله وباعوها رخيصة بثمن بخس. بيع الغبن. وإنما يظهر لهم هذا عند الموت. فإن العبد إذا لم يتب إلى الله ولم يرجع، أو أنه يتوب ويرجع إلى الذنوب والمعاصي، فيعل على قلبه الراد. فإذا عل على قلبه الراد فإنه لا ينظر إلى مصلحة نفسه بعد ذلك ولا يؤوب ولا يعود، إلا أن يشاء الله. قال رحمه الله: يوم يظهر العبد أنه غبن في العقد الذي عقده لنفسه في هذه الدار. أنا متى؟ عند الموت، عند الاحتضار، حين لا ينفعه الندم. قالوا: التجارة التي اتجر فيها لمعاده. فإن كل أحد يتجر في هذه الدنيا لآخرة. والخاسرون الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسب اشتروا الحياة الدنيا وحظهم فيها، ولذاتهم بالآخرة وحظهم فيها. فأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا واستمتعوا بها وردوا بها، واتجر واتمعن إليها. وكان سعيهم لتحصيلها، فباعوا واشتروا واتجروا وباعوا آجلا بعاجل، ونسيئة بنقد، وغائبا بناجز. وقالوا: هذا هو الحزم. ويقول أحدهم: خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به. كما كانوا يقولون معناها: هؤلاء أهل الدنيا، دينار في اليد خير من ألف لا تراها عنها. يرون أنك خذ ما تراه من هذه الدنيا، وأما الآخرة فهي لا تراها. وهذا الذي أوقعهم في هذا. فهم باعوا آجلا بعاجل، معنى باعوا آخرتهم بدنياهم، اشتروا كما ذكر الله عز وجل معنى أنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة. فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين. لم تربح تجارتهم بل خسرت، لأنهم اشتروا آجلا بعاجل ونسيئة بنقد وغائبا بناجز. قال: فكيف أبيع حاضرا نقدا؟ يقول معنا بعضهم: فكيف أبيع حاضرا نقدا، نقدا مشاهدا في هذا الدار، بغائب نسيئة في دار أخرى غير هذا؟ ويضم إلى ذلك ضعف الإيمان، وقوة داع الشهوة، ومحبة العاجلة، والتشبه ببني الجنس. أن هذه كلها دواعي تجعله ينسي نفسه حتى ينسي نفسه التي بين جنبيه، فلا يصلحها بل يطغيها في هذه الأمور. ضعف الإيمان، قوة داع الشهوة، محبة العاجلة، محبة الدنيا، محبة الخلود فيها، والتشبه ببني الجنس. أنا يقول الناس كلهم يفعلون هذا، ليش أنا أخالفهم؟ قال: فأكثر الخلق في هذه التجارة الخاسرة التي قال الله سبحانه في أهلها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. وقال فيهم: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. فإذا كان يوم التغابن ظهر لهم الغبن في هذه التجارة، فتنقطع عليها النفوس حسرات. هناك يوم القيامة سماه الله عز وجل يوم التغابن، لأن كثيرا من الأمور مستخسر تشتري هذه الحياة الدنيا نقدا وعاجلا وتبيع الآخرة التي هي نسيئة كما يظنون، لكنها هي الحياة الحقيقية. فباعوا أو فاشتروا الفانية وباعوا الباقية. قال: وأما الرابحون فإنهم باعوا فانيا بباق، وخسيسا بنفيس، وحقيرا بعظيم. دنيا حقيرة متاع سماها الله عز وجل. وقالوا: ما مقدار هذه الدنيا من أولها إلى آخرها؟ وقدوتنا وحبيبنا عليه الصلاة والسلام قال: «ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم تركها». وفي الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر قال عليه الصلاة والسلام: «وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على كتفي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». هذا هو حقيقة الدنيا لمن عرفها كأنك غريب أو عابر سبيل. والغريب غالبا يأخذ حاجته ويمشي، وكذلك عابر السبيل. قال: فكيف بما ينال العبد منها في هذا الزمن القصير الذي هو في الحقيقة كغفوة حلم؟ أي بقاء الدنيا لا نسبة له إلى دار القرار البتة. قال الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾. إلا ساعة من النهار يتعارف بينهم. أن لما يأتون يوم القيامة ويقومون من قبورهم فإنهم يظنون أنهم بقوا في هذه الدنيا ساعة من نهار، لحظة. والساعة المراد بها اللحظة. وقال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَا أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. العشية معنى بين العصر إلى المغرب، أو ضحاها أي في وقت الضحى. وقال جل وعلا: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. مقارنة بالآخرة، فهذه تكون شيئا أو تكون لا شيء، وقتا يسيرا. قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾. هذا أمثلهم طريقة وأصوب أو أقربهم إلى الصواب. قال: فهذه حقيقة هذه الدنيا عند موافاة يوم القيامة. فلما علموا قلة لبثهم فيها وأن لهم دارا غير هذه الدار هي دار الحيوان ودار البقاء، رأوا من أعظم الغبن بيع دار البقاء بدار الفناء. فاتجروا تجارة الأكياس ولم يغتروا بتجارة السفهاء من الناس. فظهر لهم يوم التغابن ربح تجارتهم ومقدار مشتروهم. وكل أحد في هذه الدنيا بايع غير مشتر، متجر. وكما جاء في الحديث: حديث أبي هريرة أو حديث مالك، وأيضا جاء بالشك عن نبي مالك أو نبي الحارث الأشعري. وفي آخره قال: «كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو مبقها». هناك بايع نفسه، لكن إما أن يعتق نفسه وإما أن يبقها. فالناس كلهم في تجارة، لكن منهم من يكون تجارته رابحة ومنهم من يكون تجارته خاسرة. ويتبين ذلك في يوم التغابن. قال: فمعتقها ومبقها. إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن. فذكر لهم هذه التجارة. ومن أوفى بعهده من الله؟ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم. قال: فهذا أول نقد من ثمن هذه التجارة. فالتاجر أيها المفلسون، ويا من لا يقدر على هذا الثمن ههنا ثمن آخر. فإن كنت من أهل هذه التجارة فأعط هذا الثمن. التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله. «وبشر المؤمنين». أي هؤلاء الذين فازوا بهذه التجارة. «يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون». ثم قال رحمه الله في آخر هذه العقوبة وختمها بقوله رحمه الله: والمقصود أن الذنوب تنسي العبد حظه من هذه التجارة الرابحة وتشغله بالتجارة الخاسرة. وكفى بذلك عقوبة. والله المستعان. فهذا خلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله، لخصه في هذا المقصود. فالمراد أن من عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تنسي العبد حظه من الآخرة، من التجارة التي يتاجر بها مع الله عز وجل، وهي التجارة الرابحة. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا وأن يعيننا على طاعته. والحمد لله رب العالمين.