التعليق على الجواب الكافي 85

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 85، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خطورة اللسان ودور الشيطان في إفساده

يُحذر ابن القيم من خطورة اللسان ويبين كيف يستخدم الشيطان هذا الثغر للوصول إلى القلب، مشيرًا إلى أهمية التكلم بالحق أو الإمساك عن الباطل.

وسائل الشيطان لإغواء الإنسان وتحسين المعاصي

يشرح المقطع وسائل الشيطان المختلفة لإغواء الإنسان، مثل بث الخوف وتحسين الكلام الفاحش والتعاون مع بعض الناس، كما يُظهر كيف يجلس الشيطان في طرق الخير ويزين المعاصي.

التحذير من فلتات اللسان ووسائل إضلال الشيطان

يتم التحذير من فلتات اللسان وما يمليه الشيطان على بني آدم، مشيرًا إلى دور الشيطان في إضلال الناس بوسائل مختلفة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: فصل في تغر اللسان. قال: ثم يقول قوم على تغر اللسان، فإنه الثغر الأعظم. قال: لا زال الإمام ابن القيم يذكر الحرب التي تكون بين الإنسان والشيطان، وكيف يدخل عليه الشيطان من المداخل، ومثلها كأنها حرب بينه وبين الإنسان، عنه وجنوده يأمر جنوده بأن يدخلوا هذه الثغور ليعجل أن يتمكنوا من الدخول إلى القلب. قال: ثم يقول قوموا على تغر اللسان، فإنه الثغر الأعظم، وهو قبالة الملك، فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه. وقد جاء في الحديث أن اللسان هو مدخل القلب. قال: وابذلوا أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله تعالى، واستغفاره، وتلاوة كتابه، ونصيحة عباده، والتكلم بالعلم النافع. ويكون لكم في هذا الثغر أمران عظيمان، لا تبالون بأيهما ظفرتم: أن أولًا تمنعوا هذا الثغر من ذكر الله سبحانه وتعالى، إما بمعنى أشغلوه بشيء من الأمور حتى يلتهي عن ذكر الله، وعن كتاب الله، وعن الصلاة، وكذلك إشغاله عن العلم النافع، ولو بالعلم الضار، بعلم الدنيا. ثم قال: ويكون لكم في هذا الثغر أمران عظيمان، لا تبالون بأيهما ظفرتم، أحدهما التكلم بالباطل، فإن المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم، ومن أكبر جندكم وأعوانكم. والثاني السكوت عن الحق، فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس، كما أن الأول أخ لكم ناطق. وربما كان الأخ الثاني أنفع لكم. أما سمعتم قول ناصح: المتكلم بالباطل شيطان ناطق، والساكت عن الحق شيطان أخرس. وهذه العبارة جاءت عن أبي علي الدقاق الصوفي، تلميذ القشيري، صاحب الرسالة. أقصد أنه شيخ شيخ القشيري، هو أبو علي الدقاق، وأيضًا هو من تلاميذ الجنيد. قال: فالرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق أو يمسك عن باطل. وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق، وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق، أن يجعل الكلام بالباطل فيه فسحة، لكن الكلام بالحق فيه مخاطر. فيلقي الرعب في قلب هذا المتكلم، فلا يتكلم بعد ذلك بالحق، ويحاول أن يسكت عن الحق ويتكلم بالباطل. وهذا من تسويل الشيطان لبعض الناس، يخوفه كثيرًا حتى أنه يسكت، ولو تكلم لما ضره شيء. لو تكلم بالحق ما ضره شيء، بل نصره الله وأيده الله. لكن الشيطان يلقي في النفس الخوف والجبن. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أخوف ما أخاف على الرجل»، وجاء في رواية: «أهل أخوف ما أخاف على الرجل: جبن خالع، أو شح هالع». والجبن الخالع الذي فيه خوف شديد، حتى يجبن عن الحق، يجبن عن قوله، ويجبن عن فعل الحق، فيصرف هذا الجبن إلى مثل هذه الأمور. فهذا جبن خالع يخلع قلبه، ويجعل قلبه خائفًا. قالوا: ووصيكم بوصية، فاحفظوها: لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة، ويكون الآخر على لسان السامع، فينطق باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها. وهذا أيضًا من تعاون الجن والإنس. فيأتي الإنس بكلام لا قيمة له، بل كلام خبيث، فيأتي أخوه الذي يسمعه، يساعده في استحسان هذه الكلمة، مثل استحسان الأغاني، وكذلك استحسان أيضًا ما يكون فيه تنقص في دين الله، أو فيه مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو كلام الفاحش. فالآن تجد كثيرًا من القنوات يتظاهرون بالكلام الفاحش والفعل الفاحش، وهذا يأتي به، وهذا يزينه، وكله من تزيين الشيطان للإنسان، وهو من الحرب التي يعلمها الشيطان على الناس. قال: ويكون الآخر على لسان السامع، فينطق باستحسانه وتعظيمه والتعجب منها، ويطلب من أخيه عادتها. كونوا عوانًا على الإنس بكل طريق، وادخلوا عليهم من كل باب، واقعدوا لهم كل مرصد. أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربي، حيث قلت: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ثم لآتيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ. أنا الشيطان حريص جدًا أن أغوي بني آدم. انظر إلى الحسد والحقد أين أصله، حتى أنه صار حريصًا. وأمره الشاغل أنه يغوي بني آدم، فيأتي له ويسول له من كل طريق. قال: أو ما تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها، فلا يفوتني من طريق إلا قعدت له بطريق غيره، حتى أصيب منه حاجتي أو بعضها. وقد حذرهم ذلك رسولهم صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: «إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه كلها». وقعد له بطريق الإسلام، فقال له: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ فخالفه وأسلم. فقعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ فخالفه وهاجر. فقعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد فتقتل، ويقسم المال، وتنكح النساء؟ فقال: فهو جاهد. وهذا الحديث حديث صحيح أو حسن، خرجه الإمام النسائي وأحمد من طريق موسى بن المسيب، عن سالم بن أبي الجعد، عن سبرة بن أبي فاكه -وهو ابن أبي الفاكه، ويقال: ابن أبي فاكه- فهو حديث حسن، لأن موسى بن المسيب تكلم فيه بعض العلماء في حفظه. قال: فهكذا فاقعدوا لهم بكل طرق الخير. فإذا أراد أحدهم أن يتصدق، فاقعدوا له على طريق الصدقة، وقولوا له في نفسه: أتخرج المال وتبقى مثل هذا السعيد؟ أنا إذا كان في الصدقة وتصير بمنزلته أنت وهو سواء. أو ما سمعتم ما ألقيته على لسان رجل سأله آخر أن يتصدق عليه، فقال: هي أموالنا، إذا أعطيناكم صرنا مثلكم. انظر إلى هذا الكلام الباطل. والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم، في حديث أبي هريرة، يقول: «ما نقص مال من صدقة». ما نقص مال من صدقات، لكن هذا أراد أن يبين أن المال ينقص. فإذا أعطى الغني الفقير صار مثله، فقيرًا. وهذا كلام باطل. قال: وقعد له بطريق الحج، فقال له: طريقه مخوفة، مشقة، يتعرض سالكها لتلف النفس والمال. قالوا: هكذا فقعدوا له على سائر طرق الخير بالتنفير منها، وذكر صعوباتها وآفاتها. ثم قعدوا لهم على طريق المعاصي، فحسنوها في أعين بني آدم، وزينوها في قلوبهم، وجعلوا أكبر أعوانكم على ذلك النساء، فهن أشد فتنة. فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، فهن حبائل الشيطان. قال: فمن أبوابهن فادخلوا عليهم، فنعم العون هن لكم. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن مسعود: «إذا خرجت المرأة استشرفها الشيطان». استشرفها، معنى: زين لها ما هي عليه. إذا خرجت المرأة استشرفها الشيطان، أن زينها في نفسها، حتى أنها إذا غلبها أظهرت محاسنها للرجال، وتعطرت، وفاح أثرها، حتى رائحتها يشمها الرجال. وهذا كله من تزيين شيطان لها. قال: ثم ألزموا ثغر اليدين والرجلين، فامنعوها أن تبطش بما يضركم، أو تمشي فيما يضركم. فهذا بعض الأشياء التي ذكرها في ثغر اللسان. وسيأتي إن شاء الله تعالى من كلام الإمام ابن القيم في التحذير من فلتات اللسان، وما يمليه على بني آدم. فهذا إن شاء الله تعالى ما يسرني ذكره، ونكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.