التعليق على الجواب الكافي 83

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 83، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وسائل الشيطان في غزو القلب وخطواته الأولى

يبدأ الشيطان بغزو القلب عبر مخادعة الأمراء والجنود، ويبدأ بالنظر فيما حرم الله، ويحول النظر من العبرة إلى التفرج والاستحسان والشهوة. يبذر بذرة الشهوة في القلب ثم يسقيها بماء الأمنية حتى تقوى عزيمة الإنسان على المعصية.

تحريم النظر ومداخل الشيطان في تبرير المعصية

الله عز وجل بدأ بتحريم النظر وأمر بالاستئذان لحفظ الشهوة، والشيطان يبرر النظر المحرم تحت ستار التفكر في خلق الله. بعض الظاهرية والتصوف ابتلوا بهذه الأمور وأجازوها مستدلين بحديث باطل.

مخاطر النظر المحرم والعقيدة الصحيحة

النظر المحرم يمكن أن يؤدي إلى أفكار منحرفة مثل الاتحاد والحلول، ويجب الحذر من الوقوع في هذه الأفكار والتشديد على أهمية العفة والعبادة والزهد في الدنيا.

أهمية حفظ النظر وتأثيره على القلب

يجب حفظ النظر وعدم التطلع إلى ما لا ينبغي، لأن كثرة النظر في الأشياء تضعف القلب والإيمان. الأعمى غالبا ما يكون على خير لأن بصره محفوظ من الفتن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فذكر الإمام ابن القيم رحمه الله فيما قرأنا ما صورته رحمه الله من الحرب التي تكون بين العبد وبين الشيطان، وأن الشيطان يغزوه من كل مكان. ويدخل أولا، يأمر أعوانه أن يدخلوا إلى قلب الإنسان. فإن وجد القلب في حصنه جالسا على كرسي مملكته، وأمره نافذ في أعوانه وجنده، قد حفوا به يقاتلون عنه ويدافعون عن حرمته، فلم يمكنهم الهجوم عليه إلا بمخادعة بعض أمرائه وجندي. مخادعتهم معنى مخادعتهم، فهذا معنى يفعله مثلا الأعداء، تجد أنهم إذا رأوا أن الملك محروس وأنهم حاصر ولا يستطيعون أن يأتوا إليه، يمرون أو يأتون من عبر جنوده وأمرائه. فلهذا الشيطان يفعل هكذا، معنى هذا من فعل الشيطان، فيخادعون الأمراء حتى يصلوا إلى الملك. فذكر الإمام ابن القيم رحمه الله قال: فصل. ثغر العين، أنه أول ما يستولون عليه ويحاولون فيه العين، لأن العين مدخل أساسي للقلب وقريب من القلب. فلهذا أول ما تأتي الشياطين إلى النظر، استراق النظر فيما حرم الله. قال رحمه الله: فإذا استوليتم على هذه الثغور، فامنعوا ثغر العين أن يكون النظر اختيارا أو اعتبارا، معنى أن الله عز وجل جعل النظر في الإنسان أنه ينظر ويتفكر في مخلوقات الله جل وعلا، ويعتبر بها ويعتبر بما يراه ويشاهده في هذه الحياة، سواء كان من شيء حسن أو سواء كان من شيء سيء، فيدرك بهذه العين هذه الأشياء. فما كان جميلا منها أحبه وعمل به، وما كان سيئا تركه واعتبر به. قال: بل اجعل نظره تفرجا واستحسانا وتلهيا، اجعل النظر فقط للتفرج، وأيضا لأجل استحسان بعض الأشياء، فينظر فيها ويتلذى بها ويتمتع بها على زعمه. قال: فإن استرق نظره عبرة، ففسدوها عليه بنظرة الغفلة والاستحسان والشهوة، فإنه أقرب إليه وأعلق بنفسه وأوقعا عليه. فأنا حاول أن تصرفوه بالنظر، فيجعل نظره فيما يغضب الله جل وعلا. قال: قالوا: دونكم ثغر العين، فإن منه تنالون بغيتكم، فإني ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر، فإني أبذر به في القلب بذرة شهوة. والنبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن نظر الفجاءة، قال: اصرف بصرك حتى لا تفسد بصرك بهذا النظر. وما جاء في الحديث كما سيذكر المؤلف أن النظر سهم من سهام إبليس، فهو لا يصح، لكن معناه صحيحا كما سيقرره الإمام ابن القيم رحمه الله. قال: ثم أسقيه بماء الأمنية، ثم قال: فإني أبذر به في القلب بذرة الشهوة، لما نظرت العين وتفكرت في ما يغضب الله وما يكون شهوة لها، فهذا معنى أنه بذر في القلب. العين مدخل من مداخل القلب، فإذا استمتعت العين بهذه الشهوة، فإنها تدخل إلى القلب. قال: ثم أسقيه بماء الأمنية، يتمنى أن تكون هذه مثلا المرأة له، أن يكون هذا الشيء ويتمتع به. قال: ثم لا أزال أعد وأمنيه حتى أقوي عزيمته، مثل ما ذكر الله عز وجل يعيدهم ويمنيهم، وما يعيدهم الشيطان إلا غرورا. قال: وأقوده بزمام الشهوة إلى الخلاع من العصمة، فلا تهمل أمر هذا الثغر، أنا حافظ على العين. ولهذا الله عز وجل لما ذكر أمر الشهوات، ذكر أولا أمر النظر، فذكر أول الاستئذان: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا دخلتم بيوتا فاستأذنوا على أهلها﴾، فلابد من الاستئذان. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الذي في صحيح البخاري: «إنما جعل الاستئذان من أجل النظر»، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر. فأول شيء يحفظ لحفظ الشهوة هو النظر، إذا أطلق الرجل زمام النظر فإنه سيمرض قلبه. فلهذا الله عز وجل أول ما بدأ في تحريم النظر، بدأ تحريم أولا أمر بالاستئذان. قال: وسيأتي إن شاء الله وتعالى الكلام على مسألة النظر المحرم وغيره. قال: وأفسدوه وأفسدوه بحسب استطاعتكم، وهوّنوا عليه أمره، وقولوا له: مقدار نظرة تدعوك إلى تسبيح الخالق. وهذا الذي ابتلي به بعض أهل التصوف، فجعلوا النظر إلى المردان من التفكر في خلق الله، وجعلوه من العبادة. فقالوا: مقدار نظرة تدعوك إلى تسبيح الخالق، معنى أنك إذا نظرت إلى هذه المرأة الجميلة مثلا أو نظرت إلى هذا الأمر، فمعنى أنك تسبح الله. لماذا؟ لأنك تستعظم خلق الله، انظر إلى خلق الله فتقول: سبحان الله. معنى هذا مدخل من مداخل الشيطان. فتنظر إلى جمال هذه المرأة، ليس أنت تظن أنك ليس للشهوة وإنما لتتفكر في هذا الجمال العظيم الذي أعطيته هذه المرأة أو غيرها. فقالوا: مقدار نظرة تدعوك إلى تسبيح الخالق، وهذا من مداخل الشيطان العظيمة التي أضلت كثيرا منهم للتصوف وغيره. قال: والتأمل لبديع صنيعه وحسن هذه الصورة التي إنما خلقت يستدل بها الناظر عليه. بل بعض الظاهرية يكرر هذا الأمر، أنه وجد من الظاهرية من يكرر هذا الأمر ويراه، ويراه جائز أنك إذا نظرت إلى هذا الجمال وتفكرت في خلق الله، فهو جائز. لأن هذا يدعوك إلى التفكر بخلق الله جل وعلا، والتفكر في هذه الصور. وهذا من المداخل التي أدخلت على بعض الظاهرية كابن أبي داود وغيره. فلهذا ونسب قصة لإمامنا إمام الحديث، لا تصح أبدا وليس لها أثر. نسب قصة لأبي زكريا يحيى بن معين، وأنه قال مثل هذا الكلام، وهذا باطل والقصة باطلة، وإنما هي من تواليف الظاهرية. وكذلك بعض التصوف أيضا، ابتلاهم الله هؤلاء كثير من الظاهرية الذين أجازوا مثل هذه الأمور، فابتلاهم الله عز وجل بهذه الأمور التي كان العلماء يحذرون منها، حتى مات بعضهم بسبب هذه الشهوة والنظر في المردان وغيره. ويستدلون كما سيأتي بحديث: «من عشق فعف فكتم فمات مات شهيدا»، وهذا حديث باطل، حدث به سويد بن سعيد، وهو حديث باطل. حتى أن الإمام أبا زكريا يحيى بن معين لما سمع هذا الحديث، وأن سويدا كان يحدث به، قال: لو كان لي رمحا وخيلا لغزوت سويدا، لو كان لي خيلا ورمحا لغزوت سويدا، وغضب لأنه يحدث بهذا الحديث، لأن هذا الحديث أفسد كثيرا من الناس، وظلوا أن العشق جائز بكل صوره، وإنما فقط الذي يعشق ويعف ويكتم فهو، وإن كان عشق فهو معنى أنه على عمل صحيح وعمل صالح، وهذا باطل. وقد أوقع كثيرا من الشباب، سواء كان منتظما أو غيره، إلا من عصمه الله من هذه الأمور، في مثل هذا الأمر الذي هو من حبائل الشيطان. فالعشق يكون عشق الزوجة، أما غيرها فلا يجوز، ويصرف الإنسان بصره عن هذه المحرمات. قال رحمه الله: وحسن هذه الصورة التي إنما خلقت لاستدلال بها الناظر عليه، وما خلق الله لك العينين سدى، وما خلق الله هذه الصورة ليحجبها عن النظر، معنى هذا كله من تسويل الشيطان. وإن ضفرتم به قليل العلم، فاسد العقل، فقولوا له: هذه الصورة مظهر من مظاهر الحق، ومجلى من مجاليه، فادعوه. فادعوه إلى القول بالاتحاد، أنا كأنه ينظر إلى الله، أنا هذا الجمال الذي ينظر إليه كأنه ينظر إلى الله، وهذا قول الاتحادية الذين انهمكوا في هذا الفساد بسبب هذا القول. قال: فإن لم يقبل، فالقول بالحلول العام والخاص، أنا وحدة الوجود، وأن كل شيء هو الله، ولا تقنعوا منه بدون ذلك. أنا الحلول الخاص هم الذين اعتقدوا بأن الله يحل في أجسامهم، وأما الحلول العام فهو وحدة الوجود، معنى أن الله يحل في كل شيء. لكن هؤلاء أيضا يخصونه بأن الله يحل في الصور الجميلة، وهذا وجد أيضا من الفلاسفة والباطنية وغلاة التصوف من يقول بهذا القول، أن الله عز وجل حاشا ربنا سبحانه وتعالى عن قول هؤلاء، قالوا: يحل في الصور الجميلة، وهذا معنى هذا القول جاء للشهوة، عن قول ولدته الشهوة. قالوا: لا تقنعوا منه بذلك، فإنه يصير به من إخوان النصارى، أنا يصير بهذا يترك دين الله عز وجل ويقول بقول النصارى من الحلول والاتحاد. قال: فمروا حينئذ بالعفة والصيانة والعبادة والزهد في الدنيا، لأن النصارى من اعتقاداتهم أنهم يعتقدون أن الله يحل في القسيس أو الراهب. فلهذا الراهب يتعفف حتى أنه لا يتزوج، ويزهد في الدنيا ويفعل ويفعل، لكنه لا يزهد في النظر فيما يغضب الله جل وعلا. وكما قال الشعر: «وكل الحوادث مبدأها من النظر، ومستصغر الشرر من مستصغر الشرر». قال: فإنه يصير به من إخوان النصارى، فمروه حينئذ بالعفة والصيانة والعبادة والزهد في الدنيا. واصطاد عليه وبه الجهال، فهذا من أكبر خلفائه وأكبر جندي، بل أنا من جنده وأعوانه، أنا الشيطان. بعد ذلك يصير من جنده ومن أعوانه لكثرة خبثه، أنا يتطور الخبث الذي عنده، فيأتي بحيل حتى يأتي لشهوته، فيأتي بهذه الحيل كما يفعل النصارى. وذكر بعضهم وهم يذكرونها في كتبهم، ذكرها عبدالوهاب الشعراني عن سعيد الوحيشي، أنه كان ما يترك امرأة إلا وأخذ بثديها، يعني يقول: هذه بركة عمكم سعيد، يعني ما يجد امرأة إلا ويركض خلفها حتى يمس ثديها. قال: هذه بركة عمكم سعيد، بل وجد أنه مع امرأة في لحاف واحد كما ذكروه، ثم وجدوه مجبوبا كما ذكروا، وهذا كله من الباطن وغيرها من الأشياء والخزائل التي يذكرونها. فكما قال المؤلف هنا: على أن الشيطان يقول: بل أنا من جنده وأعوانه، أنا يأتون بطرق ويبتكرون طرقا لأجل شهوتهم، وهذا من تسويل الشيطان لهم، بل أنهم صاروا من الشياطين. فهذا ما ذكره المؤلف في ثغر العين، وأن المسلم ينبغي أن يحفظ هذا الثغر، لأنه أقرب المداخل إلى القلب. أن هذا ما حققه الإمام ابن القيم، وهو الصحيح أن أقرب المداخل إلى القلب هي العين. فلهذا يحفظ الإنسان عينه، وغالبا تجد الأعمى يكون على خير، الأعمى غالبا يكون على خير، لأن بصره محفوظ. فالتقليب النظر في الأشياء هو الذي يردي القلب ويضعفه ويضعف الإيمان فيه. فلهذا المسلم الملتزم يحافظ على نظره.