الدرس في التعليق على الجواب الكافي 81، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الإمام ابن القيم الحرب المستمرة بين الإنسان والشيطان، وكيف يدخل الشيطان إلى الإنسان عبر ثغرات معينة مثل القلب والعين والأذن واللسان.
يُبيّن كيف تكون المعاصي والذنوب وسيلة لعدو الإنسان، الشيطان، لمهاجمته ومحاربته، وكيف أن كيد الشيطان ضعيف أمام المؤمنين.
يشرح جهاد المؤمنين ضد الشيطان وأوليائه، ويبين أن الله قد أمدهم بجنود لمساعدتهم في هذا الجهاد، كما اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم مقابل الجنة.
يُظهر أهمية الجهاد وأنه أحب شيء إلى الله، ويبين كيف يعين الله المؤمنين في حربهم ضد الشيطان بقوى ظاهرية وباطنية وملائكة وحي من الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصلنا من عقوباتها أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه عليه، وجيش يقويه به على حربه. أن هذه خذناها، لكن نعيدها، خذنا بعضها. فيقول الإمام ابن القيم رحمه الله: إن المعاصي والذنوب تكون مددًا من الإنسان يمد به عدوه عليه، كأنه يعطي عدوه سلاحًا لكي يحاربه به. وهذه الذنوب والمعاصي يستخدمها عدوه، وهو الشيطان، في حربه. قال: وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الإنسان بعدو لا يفارقه طرفة عين، متربص له، ويراه. إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونه، وجعله الله عز وجل قرينًا يقارنه في مجلسه، وفي ممشاه، وفي قيامه، وفي شؤونه. فهذا من ابتلاء الله عز وجل للإنسان. قال: ولا ينام عنه ولا يغفل عنه، يراه هو وقبيله من حيث لا يراه، يبذل جهده في معاداته في كل حال. وقد أقسم بالله: ﴿وَعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أقسم بالله أنه يغوي بني آدم. قال: ولا يدع أمرًا يفيده به يقدر على إيصاله إليه إلا أوصله إليه. وسيأتي معنى أن ذكر المؤلف رحمه الله أن الشيطان يأتي ابن آدم على سبعة أبواب، فإن فاته من باب أتاه من باب آخر. قال: واستعين عليه ببني جنسه من شياطين الجن وغيرهم من شياطين الإنس. معنى هذه: حرب بين الإنسان وبين الشيطان، لكن أهل الإيمان اتقوا عليه لأن كيده ضعيف. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ قال: فقد نصب له الحبائل وبغى له الغوائل، ومد حوله الأشراك -أو لعلها الأشباك- ونصب له الفخاخ والشباك. وقال لأعوانه: «دونكم عدوكم وعدو أبيكم، لا يفوتكم». «عدو أبيكم» أي إبليس. قال: ﴿وَلَا يَكُنْ حَظُّهُ الْجَنَّةُ وَحَظُّكُمُ النَّارُ﴾ وهذا يدل على الحقد الدفين الذي ملأ قلب هذا الشيطان. يريد كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الغرور هو الشيطان. قال: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ فالله عز وجل حذر من هذا الشيطان، وأيضًا حذر مما يبثه من الشبهات ليغر الإنسان. قال: ﴿وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّمَا جَرَى عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ مِنَ الْخِزْيِ وَاللَّعْنِ وَالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ﴾ كأنه يخاطب أولياء الله، ويحذرهم من آدم، وكذلك يعلن الحرب عليه وعلى بني آدم. قال: ﴿فَابْذُلُوا جُهْدَكُمْ أَنْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ فِي هَذِهِ الْبَلِيَّةِ حَتَّى يَكُونُوا﴾ إنما يريد الشيطان أن يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، هذا هو غايته أن الناس كلهم يقعون في النار مثل ما وقع. قال: ﴿إِذْ فَاتَتْنَا شَرِكَةُ صَالِحِيهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَقَدْ أَعْلَمْنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ عَدُوِّنَا وَأَمَرَنَا أَنْ نَأْخُذَ لَهُ أُهْبَتَهُ وَنَعِدَّ لَهُ عُدَّتَهُ﴾ قال: ولما علم سبحانه أن آدم وبنيه قد قلوا بهذا العدو، وأنه قد سلط عليهم، أمدهم بعساكر وجند يلقونه بها. أن الله عز وجل لم يترك بني آدم هكذا، بل أمدهم بجنود. قال: وأمد عدوهم أيضًا بجند وعساكر يلقاهم بها، وأقام سوق الجهاد في هذه الدار في مدة العمر. الجهاد معنى العام: جهاد الشيطان وأولياء الله، فيجاهد الشيطان، إما بمعنى جهاد النفس، فلا يجعل الشيطان له سبيل عليه، أو يدفع أيضًا معنى يقاتل أولياء الله في الدنيا من الإنس. قال: ﴿الَّتِي هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَنْفَاسِهَا﴾ واشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويقتلون. وأخبر أن ذلك وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه، وهي التوراة والإنجيل والقرآن. قال: وأخبر أنه لا وفاء بعده منه سبحانه، ثم أمرهم أن يستبشروا بهذه الصفقة، فاستبشروا ببيعهم الذي بايعوا به. قال: التي من أراد أن يعرف قدرها فلينظر إلى المشتري من هو؟ الرب الجليل العظيم سبحانه وتعالى هو الذي اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، والجزاء بأن لهم الجنة. وإلى الثمن المبدول في هذه السلعة، وإلى من جرى على يديه هذا العقل. فأي فوز أعظم من هذا؟ وأي تجارة أربح منه؟ قال: ثم أكد سبحانه هذا الأمر بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: لم يسلط الله عز وجل على المؤمنين عدوا حتى يجاهدوا. فيقول الإمام ابن القيم: دل هذا على أن الجهاد أحب شيء إلى الله جل وعلا، أن يجاهد عدوه. قال: إلا لأن الجهاد أحب شيء إليه، وأهله أرفع الخلق عنده درجات، وأقربهم إليه وسيلة، لأنهم يقدمون أنفسهم لله، وهذا أعظم الأشياء أن يقدم العبد نفسه لله. قال: فعقد سبحانه لواء هذه الحرب لخلاصة مخلوقاته، وهو القلب الذي هو محل معرفته ومحبته وعبوديته والإخلاص له والتوكل عليه والإنابة إليه. فولاه أمر هذه الحرب، وأيده بجند من الملائكة لا يفارقونه. له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، يعقب بعضهم بعضًا، يخلف بعضهم بعضًا، كلما ذهب بعض جاء بعض آخر، يثبتونه ويأمرونه بالخير ويحضونه عليه، ويعدونه بكرامة الله، ويصبرونه. قال: ثم أمده سبحانه بجند آخر من وحيه وكلامه. فأرسل إليه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنزل إليه كتابه، فازداد قوة إلى قوته، ومددًا إلى مدده، وعدة إلى عدته. وأيده مع ذلك بالعقل وزيرًا له ومدبرًا، وبالمعرفة مشيرًا عليه ناصحًا له، وبالإيمان مثبتًا له ومؤيدًا وناصرًا، وباليقين كاشفًا له عن حقيقة الأمر، حتى كأنه يعاين ما وعد الله بأوليائه وحزبه على جهاد أعدائه. قال: فالعقل يدبر أمر جيشه، والمعرفة تصنع له أمور الحرب وأسبابها ومواضعها اللائقة بها، والإيمان يمد يثبته ويقويه ويصبره، واليقين يقدم به ويحمل به الحملات الصادقة. كل هذا لأن يتجهز العبد على حرب بينه وبين الشيطان، وكذلك يعلم أنه متى ما كان مع الله كان هذا الشيطان ضعيفًا عنده. قال: ثم أمد سبحانه القائم بهذا الحرب بالقوى الظاهرة والباطنة، فجعل العين طليعته، والأذن صاحب خبره، واللسان ترجمانه، واليدين والرجلين أعوانه. وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له ويسألون له أن يقيه السيئات ويدخله الجنات. قال: وتولى سبحانه الدفع والدفاع عنه بنفسه. وقال: «هؤلاء حزبي وحزب الله هم المفلحون». قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قالوا: «هؤلاء الجند، وإن جندنا لهم الغالبون». ثم ذكر بقية كلام ابن القيم رحمه الله، وسيبين أن الإنسان ينبغي أن يستعد لهذه الحرب، فهو يقود حربًا بينه وبين الشيطان، وأيضًا الشيطان يحاول أن يغزوه في كل مكان. فلهذا جعل الإمام ابن القيم في كلامه هذا أن الإنسان بينه وبين الشيطان حرب حقيقية، ثم يذكر الثغور التي يدخل منها الشيطان، فسيذكر أولًا القلب، ثم العين، ثم الأذن، ثم اللسان، وهكذا. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر هذا.