الدرس في التعليق على الجواب الكافي 80، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المعاصي تعمي بصيرة القلب وتضعف قوته، وتنكس الفطرة وتجعل الإنسان يبعد عن دين الله. بينما الطاعة تنور القلب وتقويه وتجعله كالمرآة الصافية.
نور القلب يبعد الشيطان، والقرآن الكريم يمثل هذا النور. الإعراض عن القرآن يؤدي إلى تسلط الشيطان على الإنسان، بينما القلب المملوء بالإيمان يخاف منه الشيطان.
القرناء يتبرأون من بعضهم يوم القيامة ويتألمون لاشتراكهم في العذاب، ويطلبون زيادة عذاب بعضهم البعض. الله منع عنهم الراحة التي تأتي من التأسي بمشتركين في المصاب.
المقطع ينهي الحديث عن عقوبة عدم تنفيذ الحق، ويؤكد على أهمية عمل القلب والبصيرة في تنفيذ الحق. المؤلف اكتفى بما ذكره ابن القيم في هذا السياق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، خذنا في الدرس الذي مضى في الجواب الكافي. ما ذكره المؤلف رحمه الله أن من عقوبات المعاصي أنها تعمي القلب، أي تعمي بصيرته وتضعفها. ولأن عمل قلب وضعفه يفوت عليه معرفة الهدى، وكذلك يفوت عليه قوته على تنفيذه في نفسه وفي غيره. ولهذا لما وصف الإمام ابن القيم أن الكمال الإنساني مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل وإيثاره عليه. فلهذا الله عز وجل ما ذكر الأنبياء، قال: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار﴾، عندهم قوة في تنفيذ الحق، وكذلك عندهم بصيرة. وهذه من أعطيها كان من قد كمل إنسانية وإيمان. ثم ذكر أن الناس في هذه الآية على أربعة أقسام وذكرها. ثم قال رحمه الله تعالى: وإذا كان من عدى هؤلاء خاسرا، فمعلوم أن المعاصي والذنوب تعمي بصيرة القلب، فلا يدرك الحق كما ينبغي، وتضعف قوته وعزيمته، فلا يصير عليه. بل قد يتوارد على القلب حتى ينعكس إدراكه، كما ينعكس سيره، فيدرك الباطل حقا والحق باطلا. وهذا تفسير لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا يعرفه معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه». فنحن ينقلب عندنا الوسط، وتنقلب الأمور، حتى يجعل الباطل حقا. الباطل الذي هو طاهره باطل، ويعرفه الإنسان البصير أنه باطل من بدايته، لكن هذا لا يدرك الباطل، بل يجعل الباطل حقا. قال: «لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا»، بل قال: «إلا ما أشرب من هواه». وإذا تشرب القلب البدع، كذلك ما هو أعظم من البدع كالشركيات، فإنه تنتكس فطرته، تنتكس عليه الفطرة، فيجعل المعروف منكرا. السنة التي كان عليها النبي عليه الصلاة والسلام عنده منكر، وتشدد وعنده أيضا كذلك دين جديد. وعنده من هذه الأمور التي تنعكس فيها الفطرة. وأما الشرك والبدع والمخالفات، فعنده أنها من الدين، وأنها صلب الدين. بل بعضهم لا يعرف من الدين إلا الحضارات والموالد وغيرها من هذه البدع. وأيضا أهل الشهوات هكذا تنتكس عنده الفطرة، تجد عنده الحرام موضة والحشيشة وغيرها حياة، وغيرها من هذه فتنقلب عنده الأمور. وعند أهل الفساد جميعا، فيسمون مثلا الربا يسمونه أرباح، ويسمون كذلك الخمر شراب الروحي. وهكذا تنقلب عندهم الفطر بسبب عدم البصيرة في الدين، أو أن القلب قد عم عليهم. وكذلك ليست عندهم قوة في تنفيذ الحق، تنفيذ هذا الذي يعرفون أنه حق، أو أنه اختلطت عليهم قلوبهم، فجعلوا الحق باطلا والباطل حقا. قال رحمه الله: ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة إلى سفره إلى مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا واطمأنت لها، وغفلت عن الله وآياته، وتركت الاستعداد للقاء. ولو لم يكن في عقوبة الذنوب إلا هذه العقوبة وحدها، لكانت داعية إلى تركها والبعد عنها، والله المستعان. لأنها تنكس الفطر، والإنسان إذا كان على فطرته يكون أقرب إلى دين الله جل وعلا وأقرب إلى الله. وأما إذا انتكست الفطرة، فتجده يبعد بقدر بعد انتكاسته التي انتكسها. قال: وهذا كما أن الطاعة تنور القلب وتجلوه وتسقله وتقويه وتثبته، حتى يصير كالمرآة المجلوة في جلائها عن المجلوة، أي الواضحة التي ليس فيها شيء يكدر في رؤيتها. قال: في جلائها وصفائها، فيمتلئ نورا. فإذا ذنى الشيطان منه، أصابه من نوره ما يصيب مسترق السمع من الشهب والثواقب. ولهذا كلما زاد نور القلب، بعد الشيطان، ما يستطيع الشيطان أن يقرب عنده. ولهذا حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: «ما سلكت فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجك». ابتعد وهكذا كل مؤمن، فإنه بإيمانه يبعد الشياطين عنه، يبعد الشياطين عنه، سواء كان شياطين الإنس أو شياطين الجن. قال: فإذا ذنب الشيطان منه، أصابه من نوره ما يصيب مسترق السمع من الشهب والثواقب. فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد يفرق، معناه يخاف. يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب من الأسد. ومن يعلم مثل هذه الأمور، أنا كيف يفرق ويخاف الذئب إذا جاء الأسد فيترك له الفريسة ويترك له كل شيء. قال: حتى إن صاحبه ليصرع الشيطان، فيخر صريعا. أنا لكثرة إيمانه ولقوة النور الذي في قلبه. قال: فيجتمع عليه الشياطين، فيقول بعضهم لبعض: ما شأنه؟ أي ما شأن هذا الشيطان الذي صرع. قال: فتقال: أصابه إنسي، وبه نظرة من الإنس. هذا الله أعلم، ذكره الإمام ابن القيم، لعله من حكايات أو من غير ذلك، الله أعلم. لكن قد يكون صوره على أنه جاء في النصوص العامة في طرد الشياطين، فهو يصور صورة كأنها حية، كأنها شيء يقع. قال: ثم قال: فيا نظرة من قلب حر منور، يكاد لها الشيطان بالنور يحرق. قال: فيستوي هذا القلب، وقلب مظلمة أرجاؤه مختلفة أهواؤه، قد اتخذه الشيطان وطنه وأعده مسكنه. إذا تصبح بطلعة حياه. وقال: فديت من قرين لا يفلح في دنياه ولا في آخراه. قد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن العبد إذا خرج من بيته، جاءه ملك وجاءه شيطان، فإن كان خرج إلى الخير خرج في لمة ملك، وإن كان خرج إلى الشر فيخرج إلى لمة شيطان، معناه يرافقه الشيطان. قال رحمه الله: قال قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها، فأنت قرين لي بكل مكان، فإن كنت في دار الشقاء، فإنني وأنت جميعا في شقا وهواني. قال الله عز وجل: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين﴾. ﴿وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون﴾. وهذه سكرة سكرة الشياطين، يحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا، قال: ﴿يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين﴾. ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾. فهذه الآية مثل الله عز وجل كيف يكون من يكون مع الشياطين، وتعشعش الشياطين على قلبه، فيظن أنه على خير، ويظن أنه على هدى، وهو على باطل، معنى الهدى على خلافه، لكنه يظن أنه على هدى. ﴿ويحسبون أنهم مهتدون﴾. قال: فأخبر سبحانه أن من أعرض عن ذكره، أعرض عن ذكره يبتعد وعمي قلبه. قال: وهو كتابه الذي أنزله على رسوله، فأعرض عنه وعمى عنه، وعميت بصيرته عن فهمه وتدبره ومعرفة مراد الله منه، قيض الله له شيطانا عقوبة له بإعراضه عن كتابه. ولهذا تجد أن الله عز وجل يوفق بعض عباده الصالحين أنهم يعلمون كتابه العظيم، ويفقهم في دينه، فهذه منة من الله وتوفيق من الله سبحانه وتعالى. وخاصة كتاب الله جل وعلا، من فهمه وتدبره، فهذه نعمة عظيمة. قال: فهو قرينه. وأما خلافه، ومن يعرض عن الله، فتجد أنه أبعد الناس عن كلام الله وعن فهمه. قال: فهو قرينه الذي لا يفارقه في الإقامة ولا في السير، ومولاه عشيره الذي هو بئس المولى وبئس العشير. رضي عن لبان ثدي أم تقاسم بأسحم داج عوض لا يتفرق. ثم أخبر سبحانه أن الشيطان يصد قرينه ووليه عن سبيله الموصل إليه وإلى جنته. وبحسب هذا الضال المصدود أنه على طريق هدى، حتى إذا جاء القرينان يوم القيامة، أي هذا الشيطان والذي تبعه من بني آدم، يقول أحدهم للآخر: ﴿يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين﴾، أي يا ليتني ما كنت معك، وكان بيننا وبينك بعدا عظيما. قال: يقول: ﴿فبئس القرين كنت لي في الدنيا أضللتني عن الهدى بعد إذ جاءني وصددتني عن الحق وأغويتني﴾. حتى هلكت، وبئس القرين أنت لي ليوم القيامة. ثم قال رحمه الله: ولما كان المصاب إذا شاركه غير في مصيبته، حصل له بالتأسي نوع تخفيف وتسلية. أكبر الله سبحانه أن هذا غير موجود وغير حاصل في حق المشتركين في العذاب. وأن القرين لا يجد راحة معنا، الواحد إذا كان في سجن أو في عذاب، قد يستأنس بمن هو عنده، لكن هذا جعله الله عز وجل منفيا في يوم القيامة، بل عذبهم وجعلهم يعذبون، أي جعل قرينه يعذبه، سواء كان بالكلام أو بالتبرء. قالوا: أن القرين لا يجد راحة ولا أدنى فرح بعذاب قرينه معه. وإن كانت المصائب في الدنيا إذا عمت، صارت مسلية. كما قالت الخنساء في أخيها صخر: «فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي». وما يبكون مثل أخي، ولكن أعزى النفس عنها أو عزل نفس عنه بالتأسي. معنى تقول: لولا كثرة الباكين حولي، معنى ليس أخي الذي مات، لكن هناك أناس أهلهم قد ماتوا، إخوانهم قد ماتوا، فهم يبكون عليهم. فتقول: فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي، معنى لو كنت وحدي أبكي فقط لقتلت نفسي، هذه تقول الخنساء فيما ذكر عن أخيها صخر، لما قتل صخر كانت ترثيه حتى صارت أشعارها أشعار عظيمة في الرثاء. ويقال: أنه مثل هذا البيت أو هذا البيت نفسه من أعظم الرثاء الذي قيل. قالته العرب: «فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي، وما يبكون مثل أخي، ولكن أعز النفس عنه بالتأسي». قال: فمنع الله سبحانه هذا السر من الراحة على أهل النار، يقول الآن هذه خنساء تقول: معنا تتأسى وتعزى نفسها بكثرة الباكين، لو كانت وحدها تبكي فقط على أخي لقتلت نفسها من البكاء أو لنتحرت. لكن لما ترى أن الناس يبكون أيضا على أهلهم وعلى إخوانهم، فيكون فيها عز لنفسها. لكن هذا منعه الله عز وجل على أهل النار، بل كل واحد يريد أن يزداد قرينه عذابا. وأيضا يلومه: ﴿فبئس القرين أنت لي اليوم﴾، وكنت قبل أيضا قد أضللت. وذكر الله عز وجل في سورة الزمر، وكذلك في ص، كيف أن الناس أو هؤلاء القرناء يتبرأ كل واحد منهم الآخر. وأيضا يدعو الله أن يزاد في عذابه، يعني يزيد في عذاب ذلك الذي أضله أو أغواه أو كان صاحبه. كما قال الله عز وجل: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم﴾، أو قال ربنا جل وعلا لما قال: ﴿فزدهم عذابا ضعفا من النار﴾ سورة الإعراف. فعلا يريدون أن يزيد الله عز وجل يضاعف لهم هذا العذاب. وقال الله عز وجل: ﴿وقال الذين في النار أو قال أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليذوقا أو قال تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين﴾. قال: فمنع الله سبحانه هذا القدر من الراحة على أهل النار، فقال: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾. فهذا آخر ما ذكره الإمام ابن القيم في هذه العقوبة، وهي عمل القلب والبصيرة وعدم تنفيذ الحق. فهذا ما ذكره، ونكتفي به، والله تعالى أعلم.