الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يجوز التعريض بخطبة المرأة التي توفي زوجها، بينما يحرم التعريض والتصريح معاً للمعتدة طلاقاً رجعياً لأنها لا تزال في عصمة زوجها. ويعتبر التعريض في هذه الحالة من التخبيب المنهي عنه شرعاً.
يجوز التعريض بالخطبة للمعتدة من وفاة أو المطلقة بائناً لانقطاع علاقة الزوجية، بشرط عدم التصريح بالرغبة في الزواج أثناء العدة. نهى الشرع عن المواعدة السرية، ومن عقد النكاح في العدة بطل عقده، لكن لو تواعدا ثم تزوجا بعد انقضاء العدة لم يفرق بينهما.
يحرم عقد النكاح أو الخطبة الصريحة للمرأة في عدتها، ويعتبر العقد باطلاً والعلاقة زنى. يجوز التعريض بالخطبة للمعتدة بائناً أو متوفى عنها زوجها بعد انقضاء العدة، بشرط عدم التواعد السري، كما دلّت الآية الكريمة وأثر ابن عباس وحديث سبيعة الأسلمية.
توفي زوج سبيعة الأسلمية فولدت بعد أسبوع أو أسبوعين، فأمرها ابن عمها بالجلوس أربعة أشهر وعشرة أيام لارتدائها ثوب زينة. استفتت النبي ﷺ فأخبرها بكذب ابن عمها وأفتاها بأن عدتها انتهت بوضعها الحمل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى. أما بعد، باب قول الله عز وجل، قال البخاري رحمه الله: باب قول الله عز وجل: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ إلى قوله جل وعلا: ﴿ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾. قال: «أكننتم» أي: أضمرتم في أنفسكم، وكل شيء صنته وأضمرته فهو مكنون، أن الكن هو من الإخفاء والإضمار. فقال جل وعلا: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾، أن خطبة النساء فيها تعريض، ﴿ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾، سيأتي الكلام على هذه الآية، لكن فسر البخاري قوله: «أكننتم»: «أكننتم» أي: أخفيتم وأضمرتم في أنفسكم، ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾، ﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾. وقال: «لي طلق»، وهذا يعتبر مما يسمونه معلقًا، علماء يسمونه معلقًا. «قال لي طلق»، طلق هو ابن غنام، وهو من مشايخه. قال: حدثنا زائدة، زائدة بن قدامة الكوفي، قال: عن منصور، وهو ابن المعتمر، قال: عن مجاهد، وهو ابن جبر، مجاهد بن جبر إمام المفسرين. قال سفيان الثوري: «إذا جاءك التفسير من مجاهد فحسبك به». قال: عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال المجاهد: «عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث مرات، ووقفه آية آية»، فيُعرض عليه القرآن فيقرأ عليه ويوقفه في الآيات حتى يفسرها له، ولهذا صار أكثر أصحاب ابن عباس أو أعلم أصحاب ابن عباس في التفسير. قال: عن مجاهد عن ابن عباس في ﴿ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾، يقول: «إني أريد التزويج، ووددت أنه يسر لامرأة صالحة». وهذا التعريض يكون عند المرأة المعتدة، معتدة الوفاة، المرأة التي تعتد عدة وفاة، فإنه يكون لها التعريض، ولا يجوز أن يصرح بالخطبة، أنه إذا كانت المرأة توفي زوجها وهي في العدة لا يجوز أن يصرح لها فيقول مثلاً: «أريد أن أتزوجك» أو «أخطبك الآن حتى إذا انتهت عدتك سأتزوجك»، هذا لا يجوز. وأما المعتدة في الطلاق، فإن كانت عدة رجعة فلا يجوز، لأنها لا تزال في عقد زوجها، فلا يجوز مثلاً: امرأة طلقها زوجها وهي في العدة، طلقها الطلقة الأولى أو الثانية وهي في العدة، لا يجوز لآخر أن يأتي ويقول لها: «أريد أن أخطبك» أو «أريد أن أتزوجك»، سواء كان خطبة أو زواج لا يجوز، حتى التعريض لا يجوز، المعتدة الرجعية حتى التعريض لا يجوز، بل هذا يعتبر من التخبيب، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «من خبب امرأة على زوجها فليس منا»، أو قال: «لعن الله من خبب امرأة على زوجها». فالتخبيب معناه: غشها أو أنه خدعها في زوجها، إما أنه يأتي بكلام على زوجها حتى يجعلها تصر على خلعه أو طلاق أو كذا، أو كذلك من الزوج يأتي رجل مثلاً أو امرأة ويعطي زوجة هذا الرجل كلاماً حتى يجعله يطلقها، فلذلك لا يجوز لرجل مثلاً أن يقول لامرأة وهي معتدة عدة رجعية: «أنا أريد أن أتزوج، ولعل الله عز وجل يسر لي امرأة صالحة مثلك»، هذا لا يجوز لأن هذا يعتبر تعريضاً. لكن يجوز في المعتدة من الوفاة، لأن زوجها قد مات، فيجوز أن يعرض عليها، ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾، فهذا كما قلنا في المعتدة عدة وفاة، وكذلك أيضاً المعتدة البائن، المعتدة البائن لأن زوجها لا يرجع إليها وليس له أن يرجع، فلذلك انتهت العلاقة بينه وبينها، فبمجرد ما يطلق طلقة ثالثة تنتهي العقد بين هذا الرجل وهذه المرأة، فلذلك يجوز للغير أن يعرض بالخطبة، يجوز له أن يعرض بالخطبة حتى تنتهي عدتها، فبعد ذلك يخطبها أو يتزوجها. قال: «فيقول: إني أريد التزويج، ووددت أنه يسر لامرأة صالحة». وقال القاسم: «يقول: إنك على كريمة الظهر»، القاسم هو ابن محمد، القاسم بن أبي بكر الصديق، وهو فقيه من فقهاء الإسلام ومن علماء المدينة. قال القاسم: «يقول: إنك على كريمة، وإني فيك لراغب، وإن الله لسائق إليك خيراً أو نحو هذا». وقال عطاء: «يعرض ولا يبوح»، معنى لا يصرح، يقول: «إن لي حاجة، وأبشري، وأنت بحمد الله نافقة». هذا كله تعريض على أنه يريد أن يتزوج بأي كلام، لكن لا يكون فيه تصريح، لا يقول لها: «أنا أريدك» أو «أريد أن أخطبك» أو مثلاً: «لو انتهت عدتك سأتزوجك»، لا، هذا خطأ ولا يجوز، وإنما يعرض بكلامه فقط، حتى مثلاً لو انتهت عدتها فبعد ذلك يخطبها من أهلها، فإن كانت لها به حاجة، إن كانت تريد، لا بأس أن ترسل إليه أن عدتها انتهت، ولكن لا تتواعد معه سراً كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾، حتى لو كان مثلاً بينهما لا يجوز أن يكون هذا الكلام سراً، وإنما ترسل إليه مثلاً أحداً من أهلها يكلمها، حتى الكلام في الهاتف لا يصلح أن يكون بمثل هذه الأشياء. وقال عطاء: «يعرض ولا يبوح»، يقول: «إن لي حاجة، وأبشري، وأنت بحمد الله نافقة». وتقول هي: «قد أسمعت ما تقول، ولا تعيد شيئاً»، فلا تقول: «خلاص، إن شاء الله إذا انتهت العدة أخبرك»، لا، ما يجوز، هذا لا يجوز لها أن تفعله لأن هذا تعتبر مواعدة، والله عز وجل نهى أن تواعده سراً، ولو كان بينها وبينه لا تقول له مثلاً: «إن انتهت العدة سأخبرك»، أو تقول له مثلاً: «إني راغب فيك أيضاً»، لا، هذا ما يصلح لأن هذا يعتبر تواعداً وأيضاً تصريحاً. ﴿ وَلَا تَعْقِدُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾، «ولا يواعد وليها بغير علمها»، وإن وعدت، معنى: «ولا يواعد وليها من غير علمها»، الولي لا يقول لهذا الرجل: «إذا انتهت عدتها نزوجك إياها»، لا. قالوا: «إن وعدت رجلاً في عدتها ثم نكحها بعد لم يفرق بينهما»، فإذا حصل أنها وعدت، كلمها، مثلاً يكون ابن عمها أو غير ذلك، فقال لها مثلاً: «أنا أرغب في الزواج، وزوجتي كذا»، أو مثلاً يقول لها: «أنا هذه الأيام أرغب أن أتزوج امرأة صالحة، امرأة مثلاً كذا»، يكون مثلاً يصف أشياء قد تكون فيها، فترسل إليه مثلاً أنها راغبة فيه، وأنها متى انتهت عدتها فستخبره حتى يتقدم لها، فهذا إذا كان بينهما تواعد هذا لا يجوز، لكن إذا حصل وتزوج لا يفرق بينهما، مما لا يكون هذا مما يخدش في العقد ويبطل العقد. لكن من عقد على امرأة معتدة فعقده باطل، من عقد على امرأة معتدة فعقده باطل. بعض الناس تجده مثلاً يريد أن يتزوج امرأة، مثلاً تزوجت ثم طلقت، أو ما تزوجها، فيجده يسرع في خطبتها، بل بعضهم يتزوج يريد أن يدرك هذه المرة حتى لا يأخذها عليه أحد لأنها قد فاتته من قبل، فهذا خطأ، الذي يتزوج في العدة فعقده باطل، وإذا جعل هذا العقد هو عقد النكاح فيعتبر ما بينهما زنى، يعتبر ما بينهما زنى، لا بد أن يأتي، إذا كان مثلاً جاهلاً أو أنه يريد أو حرصاً على هذه المرأة، فلا بد أن يعقد عقداً آخر، إذا عقد في العدة فهذا العقد يكون باطلاً، فإذا أراد أن يصحح وضعه لا بد أن يعقد عقداً صحيحاً في غير عدتها بعد أن تنتهي العدة. بعض الناس مثلاً يقول: «سأخطبها فقط حتى لا تفوت»، وكما يقال: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمان»، وهذه قاعدة خاصة في أمور التحريب، لكن أحياناً تقع في استعجال الإنسان. أذكر أن رجلاً هكذا كان يريد امرأة ففاتته، لكن طلقها زوجها هذا، فأسرع هذا الرجل يريد أن يخطبها، فاتصل وقال لي: «أريد أن أخطب امرأة وهي في العدة»، قلت له: «ما يجوز»، قال: «كيف ما يجوز؟ أنا سأخطبها فقط، ما سأتزوجها»، قلت له: «لا، ما يجوز، ما يجوز الخطبة لأنها لا تزال في عقد الأول، حتى التعريض ما يجوز»، كما قلنا: المعتدة الرجعية لا يجوز حتى التعريض لأنها متزوجة، لا تزال في عقد الأول. فمن ثم بعد ذلك انتهت عدتها، فأرادوا تتزوج، قالت: «وابنهم قالوا يؤخذ منك»، فقالت: «لا أريد زواج»، وأرم هذه المرأة، ما تزوجها بعد ذلك. فلذلك فمسألة التعريض كما قلنا يجوز في المعتدة البائن، وكذلك التي مات عنها زوجها، معتدة الوفاة، ولكن كما قلنا لا يجوز له أن يتواعد معها، يقول لها مثلاً: «متى انتهت عدتك أخبري»، هذا لا يجوز، لكن يجوز لمن يجوز لإنسان يريد مثلاً أن يخطبها لغيره، يكون وليها مثلاً، مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت قيس: قال لها: «إذا انتهت عدتك فآذنيني»، إذا انتهت عدتك فآذنيني، معنى: استأذنيني، أو أخبريني إذا انتهت عدتك. فلما انتهت عدتها أخبرت النبي عليه الصلاة والسلام بأن عدتها انتهت، وأن هناك من خطبها أبو جهم ومعاوية، فقال: «أما أبو جهم فرجل لا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له»، فقال لها: «أنكح أسامة بن زيد»، أنكح أسامة بن زيد، فنكحت وتزوجت أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما. طيب. قال: ﴿ وَلَا تَعْقِدُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾، «ولا يواعد وليها بغير علمها، وإن واعدت رجلاً في عدتها ثم نكحها بعد لم يفرق بينهما». وقال الحسن: ﴿ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ الزنى، هذا أيضاً داخل في الآية على ما ذكره ابن عباس، وما ذكره الحسن داخل، سواء كان هذا الوعد وعداً بالزواج أو وعداً بالزنى. ذكروا عن ابن عباس: ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾، انقضاء العدة، ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾، حتى تنقضي العدة. فهذا ذكر هنا أثر ابن عباس في تفسير هذه الآية: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾، أي: لا تعزموا عقدة النكاح، أي: لا تتزوجوا ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾، حتى إذا انتهت العدة لكم أن تتزوجوا، سواء كان عدة الوفاة إذا كانت حاملاً بالوضع، وإذا كانت مثلاً غير حامل: أربعة أشهر وعشرة، وهذا الذي دل عليه حديث سبيعة الأسلمية، سبيعة الأسلمية مات زوجها فولدت ذلك بعد أسبوع، وجاء في رواية بعد أسبوعين، فجاء ابن عمها وقد رآها في ثوب فيه شيء من الزينة، فجاء ابن عمها، أبو السنابل بن بعلبك، فقال لها: «ما لك؟ إنما لك أن تجلسي أربعة أشهر وعشرة»، قال لها: «لماذا؟ قد لبستي لباس الزينة، وإنما ينبغي أن تجلسي أربعة أشهر وعشرة»، فذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام واستفتته في ذلك، فقال: «كذب أبو السنابل، كذب»، معنى: أخطأ، وأفتاها النبي عليه الصلاة والسلام بأن عدتها انتهت بوضعها الحمل، انتهت عدتها بوضعها الحمل. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.