الدرس في التعليق على أصول في التفسير 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بدأ نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بآيات سورة العلق، ثم فتر الوحي، ثم نزلت آيات سورة المدثر. هناك خلاف حول أول سورة نزلت كاملة.
نزل الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد فترة فتور، ويفسر نزول الآيات الأولى من سورة المدثر. يفرق بين النبوة والرسالة وأنواع نزول القرآن.
يشرح أسباب نزول القرآن الكريم وأنواع نزوله: السببي والابتدائي. يوضح أن النزول السببي يحدث نتيجة حادثة أو سؤال يحتاج إلى بيان.
أنهى الشيخ درسه مع الحمد لله رب العالمين، مشيرًا إلى نهاية الموضوع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: أول ما نزل من القرآن، قال: أول ما نزل من القرآن على وجه الإطلاق قطعًا الآيات الخمسة الأولى من سورة العلق، وهي قوله جل وعلا: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾. فهنا يذكر الشيخ رحمه الله أول ما نزل من القرآن عن ابتداء القرآن أو أول ما نزل، فذكر أنه لا خلاف على أن هذه الآيات هي أول ما نزل، وأول ما نبع بها نبي الله عليه الصلاة والسلام. أن أول ما جاءه جبريل فجاء بهذه الآيات، فلهذا لا شك في أنها أول ما نزل، لكن اختلف العلماء في أي سورة أول ما نزلت؛ لأن نزول هذه الآيات ليس كلها نزل معًا، إنما نزلت هذه الخمس الآيات أولًا، لكن كسورة كاملة سيذكر المؤلف الخلاف عند أهل العلم. قال: ثم فتر الوحي مدة، ثم نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة المدثر. أنا معلوم في السيرة، وجاء في صحيح مسلم وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه الملك في الغار وقال له اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، ثم قرأ عليه هذه الآيات، ثم ضمه ضمًا شديدًا حتى قال: بلغ مني الجهد، ففزع النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى خديجة زوجته وقال: زملوني، زملوني -أي غطوني-. فلهذا جاء بعد ذلك قال الله عز وجل: ﴿يا أيها المزمل﴾، قال: ﴿يا أيها المدثر﴾. فلهذا فتر الوحي فترة لم يأتيه جبريل، ثم جاءه كما جاء في حديث جابر، وهو في الطريق إلى مكة. أنا جاء من غار حراء وهو في الطريق إلى مكة، جاءه جبريل بصورته التي خلقها الله عز وجل عليه الصلاة والسلام، فرأيت الملك الذي رأيته في الغار جالسًا على كرسي قد سد الأفق. أنا سد الأفق أي الناظر إلى ذلك المكان يجد أنه لا فراغ فيه، معنى قد سده، فهاله أيضًا ذلك وأفزعه؛ لأنه لم يعتد النبي عليه الصلاة والسلام شيء من هذا. ولا شك أن الإنسان إذا رأى شيئًا من هذا الأمر يخاف، يحصل له شيء من الخوف، فخاف النبي عليه الصلاة والسلام وذهب إلى بيته وقال: دثروني، دثروني. ثم أنزل الله عز وجل: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر﴾. فلهذا قال بعض العلماء: أن أول ما نزل من السور هي سورة المدثر. وعلى ما نزل من الآيات فهي لا شك أن الآيات الأولى من العلق. قال: ثم نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة المدثر، وهي قوله جل وعلا: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر﴾. قال: ففي الصحيحين -صحيح البخاري ومسلم- عن عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي، قالت: حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ -يعني لست أعرف القراءة-. فذكر الحديث فيه، ثم قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الآيات إلى قوله * علم الإنسان ما لم يعلم﴾. قالوا: وفيه معًا جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال -وهو يحدث عن فترة الوحي-: بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، أنا قال: فنظرت فإذا هو الملك، قال: فذكر الحديث فيه، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر﴾ إلى قوله: ﴿والرجز فاهجر﴾. قال: وثمت آيات يقال فيها: أول ما نزل، والمراد أول ما نزل باعتبار شيء معين، فتكون أولوية مقيدة. مثل حديث جابر في الصحيحين: «إن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأله: أي القرآن أنزل أول؟ قال جابر: يا أيها المدثر. قال أبو سلمة: أنبئت أنه اقرأ باسم ربك الذي خلق. فقال جابر: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «جاورت في حراء، فلما قضيت جواري هبطت». أنا لما قضيت جواري، معنى جاورت أي جلست في حراء، يسمى مجاورة، مثلا الإنسان عندما يمكث في مكة يقال: جاورت البيت -جاورت البيت أي جلست في بيت الله الحرام- سمى مجاورة. فقال: جاورت أو قال: جاورت في حراء، قال: فذكر الحديث فيه، فأتيت خديجة فقلت: دثروني، وصبوا علي ماءً باردًا. وأنزل علي: ﴿يا أيها المدثر﴾ إلى قوله: ﴿والرجز فاهجر﴾. يقول الشيخنا: ذكر جابر بن عبد الله أن هذه الأولوية ليس المراد بها أنه أول ما نزل، وإنما باعتبار أول ما نزل بعد فترة الوحي. ولهذا جمع شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بين هذه الأقوال، فقال: نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر. فهذا جمع طيب. أنا نبئ أول ما جاءته النبوة: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، وأول ما أرسل أرسل بالمدثر؛ أنا لأنه قال له: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر﴾، وهذا معنى إرساله لأجل الرسالة. وأما الآيات الأولى ليس فيها رسالة، فلعل قصده أي قصد جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن أول ما نزل في شأن الرسالة. قال: باعتبار أول ما نزل بعد فترة الوحي. قال: وأول ما نزل في شأن الرسالة؛ لأن ما نزل من سورة اقرأ ثبتت به نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل من سورة المدثر ثبتت به الرسالة في قوله: ﴿قم فأنذر﴾. وهذا أيضًا ترجيح الشيخ مثل ما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الأصول الثلاثة: قال: نبوة بإقرأ وأرسل بالمدثر. قال: لهذا قال أهل العلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر. فخلاصة الأمر أن يقال: أن أول ما نزل من القرآن هو ما جاء في سورة العلق في بدايتها، فقد نبه بها النبي عليه الصلاة والسلام. وأول ما أرسل به من الآيات هو ما جاء في المدثر: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر﴾. قال: الثالث: نزول القرآن ابتدائي وسببي. ينقسم نزول القرآن إلى قسمين: الأول ابتدائي، وهو ما لم يتقدم نزوله سبب يقتضيه، وهو غالب آيات القرآن. معنى القرآن نزوله حسب الأحداث، وأحيانًا لأجل مثلًا موعظة أو شيء، فلهذا فقد يكون نزول القرآن سببي، قد يكون غير سببي -معنى بدون سبب-. قد يكون هناك نزول الآيات لسبب معين، مثلًا حادثة هذا سبب معين نزلت آيات، مثل غزوة أحد نزلت آيات غزوة أحد، هذا سبب. لكن أحيانًا آيات تنزل بدون سبب، يعني ليس هناك سبب ظاهر، فهذا يسمى ابتدائي -نزول ابتدائي-. وإذا كانت بسبب يسمى نزول سببي. قال: ابتدائي وهو ما لم يتقدم نزوله سبب يقتضيه، وهو غالب آيات القرآن. ومنه قوله جل وعلا: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾ الآيات، فإنها نزلت ابتداءً في بيان حال بعض المنافقين. وأما ما اشتهر من أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب في قصة طويلة ذكرها كثير من المفسرين، ووجه كثير من العاد فضعيف لا صحة له. أن القصة -حاطب بن ثعلبة- التي يذكرها بعض المفسرين كالثعلبي وغيره لا تصح. وهو أن حاطبًا حجر الناس وذهب إلى البدو وجاء بالرعي أو رعى الأغنام، ثم غفل وجاءه المتصدق لأجل أن يأخذ الزكاة فرفض، وغيره من هذا الكلام، على أنه معنى أنه ابتعد عن الإسلام بسبب بعده. فنزلت هذه الآيات: ﴿منهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾ على أساس أنه كان فقيرًا ثم أغناه الله وأعطاه أغنامًا وإبلًا وكذا، فذهب يرعى الغنم والإبل فنسي. لكن هذه القصة غير صحيحة، وإن كان مبناها صحيح. وقد يحصل، لكن على أنها في ثعلبة أو في حاطب بن ثعلبة غير صحيحة. بل ثبت أن حاطب بن ثعلبة من الصحابة الكرام الذين لم يثبت أنهم فارقوا النبي عليه الصلاة والسلام. لكن معنى الآية واضح: أن منهم من عاهد الله -يقول مثلًا-: لئن عطاني الله عز وجل مالًا لأجعل هذا المال في الصدقة، وأجعل هذا المال في طاعة الله وكذا. فلما يأتيه المال تجد أنه يبطر ويصرفه في غير مصارفه الصحيحة. قال الله عز وجل: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾ الآيات. قال: فإنها نزلت ابتداءً في بيان حال بعض المنافقين. وأما ما اشتهر من أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب في قصة طويلة ذكرها كثير من المفسرين، ووجه كثير من العاد فضعيف لا صحة له. وهذه القصة جاءت من طريق علي بن يزيد الألهاني عن أبي أمامة أو عن أبي عبد الرحمن القاسم عن أبي أمامة، وأعضاء حديث ضعيف. وخاصة كما قال ابن حبان: إذا اجتمع علي بن زحر وعلي بن يزيد الألهاني في حديث، فإنه مما صنعته أيديهم. قال: إما سؤال يجيب الله عنه، مثل: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس﴾. معنى يقول: أن نزول القرآن السببي. نزول القرآن السببي يقول: وهو ما تقدم نزول السبب يقتضيه. والسبب إما سؤال على هذا السبب، إما أن يكون سؤال يجيب الله عنه. عن أن يسألون النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء فيجيبهم الله عز وجل: ﴿يسألونك عن الأهلة الأهلة﴾ -معنى أوقات حساب القمر-: ﴿قل هي مواقيت للناس والحج﴾ -مواقيت يعرف بها أو هذه منازل يعرف بها المواقيت ويعرف بها وقت الحج-. قال: أو حادثة -يعني أيضًا هذا من الأسباب- أو حادثة وقعت تحتاج إلى بيان وتحذير. مثل: ﴿ولا إن سألتهم ليقولون إنما كنا نخوض ونلعب﴾ الآيتين، نزلتا في رجل من المنافقين. قال: في غزوة تبوك في مجلس، ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغبوا بطونا ولا أكذبوا ألسنا ولا أجبن عند اللقاء -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه-. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن، فجاء الرجل يعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيجيبه: ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون﴾. أن هذه الحادثة صحيحة جاءت بأسانيد صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر الإمام الطبري عدة روايات، وجاء من حديث ابن عمر أن جماعة كانوا في تبوك جلسوا، فقال أحدهم: ما رأينا مثل قرائنا -يريد النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة؛ لأنه كان يسمون العلماء قراء-. فقال: ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطونا، وعجبنا عند اللقاء. انظر إلى هذه الكلمة الخطيرة التي لم يصدق فيها بل كذب عن الصحابة رضي الله عنهم، ضربوا المثل الذي لم يضربه أحد في شجاعتهم، وكذلك في تفانيهم. فيأتي هذا المنافق يأتي بمثل هذا الكلام. فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فسبقت هذه الآيات المخبر. ولأن سألتهم: ﴿ليقولون إنما كنا نخوض ونلعب﴾، لما سألهم النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إنما أنا مجلس الراكب -أنا نسلي أنفسنا- نسلي أنفسنا في هذه المجالس، وأن نعبر الوقت بهذا كما يقولون. فلم يعذرهم الله عز وجل. طيب مثل الآن يقول لك الآن بعض الناس يستهزئ في المجالس ويأتي بنكتة قد أيضًا تضر الدين وتستهزئ بالدين وكذا، ويقول لك: إنما نريد أن نجزع الوقت. طيب تجزع الوقت ما جاء إلا في الطعن في دين الله أو الطعن في أولياء الله وعلماء الله وعلماء الدين، فلماذا لا تجعل وقتك في شيء آخر؟ فهذا الرجل وأصحابه كانوا كذلك، ولهذا لم يعذرهم الله عز وجل. كانوا جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون﴾، أي ما وجدتم إلا هذه الأشياء تستهزئون بها. قال: أيضًا هذا سبب من الأسباب التي ينزل بها القرآن. قال: فعل واقع يحتاج إلى معرفة حكمة. مثل: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾. فهذه ثلاثة أسباب يعرف بها السبب أن هذا نزول سببي -نزول سببي-. أو إذا لم يكن شيء من هذه الأسباب فيكون نزول ابتدائي. طيب إن شاء الله نكتفي بهذا، الحمد لله رب العالمين.