الدرس في شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يروي المقطع موقفين من سيرة ابن المبارك حيث برز في القتال وقتل عددًا من الأعداء، ثم سارع إلى تغطية وجهه والاختفاء حتى لا يُعرف، معللًا ذلك بأنه لا يريد الشهرة بل يريد العمل خالصًا لوجه الله تعالى. كما يسرد قصصًا عن سلف الأمة مثل عمر بن الخطاب توضح حرصهم على إخفاء أعمالهم الصالحة خوفًا من الرياء، مؤكدًا أن قبول العمل يظهر في سلب رؤية حسناته من قلب العبد وانشغاله بذنوبه.
يختم المتحدث مبحث الإخلاص ببيان فضله في العصمة من الفتن والشدائد، مستدلاً بقصة يوسف عليه السلام الذي نجاه الله من فتنة امرأة العزيز لإخلاصه، وحديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فنجوا بدعائهم الله بصالح أعمالهم الخالصة. ويؤكد على ضرورة تجديد النية والإخلاص في العمل اقتداءً بالسلف الصالح كسفيان الثوري.
يختتم الدرس بدعاء التوفيق والإشارة إلى استمرار أسباب تزكية النفوس في الدرس القادم، مع تذكير الحضور بأهمية المواظبة على الإخلاص في جميع الأعمال.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فما زلنا في ذكر بعض النماذج من حياة سلفنا الصالح في إخفائهم للعمل، وفي بعدهم عن الرياء والشهرة، وهذا هو الإخلاص الذي به غفر الله لهم سبحانه وتعالى. وفي هذا المجلس نأخذ نموذجًا آخر من تلك النماذج، وهو الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى. هذا العالم الذي جمعت فيه خصال الخير كلها، فهو العالم العابد الزاهد الشجاع المجاهد، حتى أن قيل فيه: ما سبقه الصحابة إلا بشرف الصحبة، لما كان عليه من جمع خصال الخير، ومن ذلك الإخلاص لله عز وجل وإخفاء العمل، مع أن الأعمال التي يقوم بها أعمال عظيمة وجليلة. فمن ذلك ما ذكر في سيرته عن عبدة بن سليمان المروزي رحمه الله تعالى قال: كنا في سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم. قال: فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان -بمعنى تواجه الصفان، صف المسلمين وصف الكفار من الروم- خرج رجل من العدو بين الصفين ودعا إلى المبارزة، يعني إلى المسايفة، دعا المسلمين إلى ذلك. قال: فخرج إليه رجل -يعني من المسلمين- فقتله، أي المسلم قتل هذا الكافر في المبارزة. قال: ثم آخر خرج من الكفار فقتله، ثم خرج ثالث فقتله، ثم خرج رابع فطارده المسلم ساعة فطعنه فقتله، يعني هذا الرجل قتل قرابة ثلاثة أو أربعة. قال: فازدحم إليه الناس: من هذا الشجاع؟ من هذا البطل؟ من هذا البطل؟ من هذا الذي أثخن في العدو وقتل من هؤلاء المسلمين؟ وقتل من هؤلاء المسلمين. قال عبدة بن سليمان: فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكفه، يعني يستر وجهه بكفه، يخفي وجهه. قال: فأخذت بطرف كمه، يعني نزع يده يريد أن يستثبت هل هو عبد الله بن المبارك أو غيره. قال: فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو ابن المبارك. فقال عبد الله بن المبارك لهذا الرجل: هذا، قال له: وأنت يا أبا عمر ممن يشنع علينا. فجعل هذا الفعل من هذا الرجل تشنيعًا. لماذا فعل ذلك ابن المبارك؟ حتى لا يعرف، يريد ذلك سرًا بينه وبين الله، يريد ذلك خالصًا لوجه الله سبحانه وتعالى. وكذلك مما ذكر في سيرته حدث آخر يشبه هذا الحدث، وهو ما جاء عن عبد الله بن سينان قال: كنت مع ابن المبارك والمعتمر بن سليمان بطرسوس، فصاح الناس: النفير، النفير، يعني دعوا إلى الخروج والجهاد في سبيل الله. قال: فخرج ابن المبارك والناس، فلما اصطف المسلمون والعدو، صار كل صف يقابل الآخر. قال: خرج رومي وطلب المبارزة، خرج العدو من الروم وطلب المبارزة من المسلمين. قال: فخرج إليه رجل، فشد العلج على المسلم فقتله، يعني قتل الكافر المسلم، حتى قتل ستة من المسلمين. هذا العلج قتل ستة من المسلمين، وجعل يتبختر بين الصفين يطلب المبارزة، يتبختر يتكبر، ولا يخرج إليه أحد. قال: فالتفت -يقول عبد الله بن سينان- فالتفت إلي ابن المبارك، نظر إليه ابن المبارك وقال له: يا فلان، إن حدث بي الموت فافعل كذا وكذا، أوصاه. قال: وأنا سأخرج للمبارزة، فإن قتلت أوصيك بكذا وكذا وكذا. قال: وحرك دابته وبارز العلج، فعالج معه ساعة، يعني وهو يتبارز معه ساعة من الزمان. قال: فقتله، أي قتل ابن المبارك هذا العلج. قال: وطلب المبارزة، أي ابن المبارك طلب المبارزة حتى يذل العدو. قال: فبرز إليه علج آخر فقتله، أي ابن المبارك قتل هذا العلج، حتى قتل ستة علوج، حتى قتل ابن المبارك ستة من هؤلاء، وطلب المبارزة، تحدى الكفار. قال: فكأنهم عاكوا عنه، يعني لم يستجب منهم أحد، وخافوا، يعني شد أو شق عليهم ذلك، فلم يخرج إليه أحد. فضرب دابته، قال: وطرد بين الصفين وغاب، غاب مباشرة، ولم يشعر أحد أين ذهب، لم يشعر أحد أين ذهب. قال: فلم نشعر بشيء، إذ أنا بابن المبارك في الموضع الذي كان، رجع إلى نفس الموضع الذي خرج منه في الصف، ولم يعلم به أحد. قال: فقال لي -يعني قال ابن المبارك لعبد الله بن سنان-: يا عبد الله، لا تحدث بهذا أحدًا وأنا حي. لأن عبد الله بن سنان يعلم أن ابن المبارك هو المبارز، هو الذي بارز العدو لأنه خرج من جانبه، لكن غيره من المسلمين لا يعلمون بذلك، وكأنه كذلك -والله أعلم- كان متلثما، وإن لم يذكر في هذه القصة، لكن هذا ظاهر القصة؛ لأنه لم يعلم به أحد، لم يعلم به أحد. ولذلك قال لعبد الله بن سنان: لا تحدث بهذا أحدًا وأنا حي. أما بعد أن يموت فزال أمر الرياء أو الفتنة بهذا المدح ونحو ذلك، وطالما أنه حي فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، فلذلك أمر عبد الله بن سنان ألا يخبر بهذا أحدًا ما دام حيًا، ما دام حيًا. فهذه النماذج تبين لنا حرص سلفنا الصالح على الإخلاص، وعلى إخفاء العمل، وعلى العمل لله سبحانه وتعالى لا للرياء ولا للمدح والثناء، ولا للضجيج والظهور والشهرة، وإنما كانوا يعملون من أجل الله سبحانه وتعالى. ونذكر أيضًا أثرًا آخر جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه في خفاء الأعمال الصالحة. فعن عوف بن مدرك قال: كنت عند عمر إذ جاءه رسول النعمان بن مقرن، قائد الإسلام في الفتوحات، وذلك في غزوة نهاوند. فجاء هذا الرسول، رسول النعمان بن مقرن، قائد الإسلام في الفتوحات، فسأله عمر عن الناس: كيف كانوا في هذه الغزوة؟ وكيف واجهوا العدو؟ سأله عن الناس، فقال هذا الرجل: أصيب فلان، أي قتل فلان، وأصيب فلان. قال له: وآخرون من أفناد الناس لا أعرفهم. فقال عمر حينئذ، بعد أن جعل يبكي رضي الله تعالى عنه، وهو يقول: ما ضرهم ألا يعرفهم عمر، لكن الله يعرفهم، وقد أكرمهم بالشهادة. ما يصنعون بمعرفة عمر؟ ماذا سيفعل لهم عمر؟ هل سيجازيهم بشيء؟ هل سيثيبهم؟ الذي يجازي العباد على أعمالهم الصالحة هو الرب سبحانه وتعالى، أما الخلق فليس لهم ثواب ولا جزاء إلا ما يكون من حطام هذه الدنيا، أما في الآخرة فلا يثيب الإنسان على عمله إلا ربه سبحانه وتعالى. فلتكن هذه قاعدة في أعمالك: إذا دعتك نفسك إلى أن يطلع الناس على أعمالك، فخاطبها بهذا الخطاب، قل لهذه النفس: ما يصنع فلان، أو ما أصنع بمعرفة الناس لعملي؟ نعم، فإنهم لا يضرون ولا ينفعون، ولا ينفعون. فهذه قاعدة عظيمة تدفع عن المسلم الوقوع في الرياء والسمعة والشهرة، أن تعلم أن الذي يجازي على أعمالك هو الله سبحانه وتعالى، أما الخلق فإن جازوك فبأمر من أمور الدنيا، وليس لك في الآخرة من نصيب، وليس لك في الآخرة من نصيب. ومن عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه. وهنا أثر جليل عظيم عن ابن القيم رحمه الله تعالى يبين فيه فضل ستر الأعمال وخفاء الأعمال والحرص على ذلك، فقال رحمه الله تعالى: «إن الله إذا أراد بعبده خيرًا سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه، والإخبار بها من لسانه، وشغله برؤية ذنبه، فلا يزال نصب عينيه حتى يدخل الجنة. فإن ما تقبل من الأعمال رفع من القلب رؤيته، ومن اللسان ذكره». كلام جليل: إذا عملت عملًا لا تحرص على أن تظهر هذا العمل، تظهر هذا العمل، فلا ترى هذا العمل شيئًا حتى تظهره للناس. وهذا معنى قوله: سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه، يعني ما يراها حسنة، لا يراها حسنة حتى يخبر بها الناس، حتى يخبر بها الناس. وكذلك سلب عنه الإخبار بها من لسانه، فلا يخبر بأعماله: فعلت وفعلت، وتصدقت وقدمت، وفعلت وفعلت، لا يخبر بأعماله، وإنما يشتغل بماذا؟ برؤية ذنبه، يتذكر دائمًا ذنوبه، ويخاف أن تكون سببًا في خذلانه، فلا يزال منشغلًا برؤية ذنبه. وهذا الاشتغال يدعوه إلى الاستمرار في التوبة والندم، وأما الأعمال الحسنة فإنه يخفيها، فلا يعني يراها عظيمة في قلبه، ولا يخبر بها بلسانه. هذا معنى كلام ابن القيم عليه رحمة الله. وهكذا لا بد أن نعلم عباد الله، وهذا ما نختم به أمر مبحث الإخلاص، وقد أطلنا فيه لأهميته في تزكية النفوس، وهذا هو المبحث الأخير في هذا الأمر. نريد أن ننبه على أن من فضائل الإخلاص أنه سبب للنجاة من الشدائد والفتن والمحن. فإذا علم ربنا سبحانه وتعالى من عبده الصدق والإخلاص، فإن الله سبحانه وتعالى يوفقه للعصمة من الفتن، العصمة من الفتن. وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في شأن قصة نبي الله يوسف عليه السلام: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: هذه الآية قرئت بروايتين، بكسر اللام وفتحها: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، ومن عبادنا المخلصين. فعلى قراءة المخلصين ففيه شاهد لما أردنا، وهو أنه بسبب إخلاصه نجاه الله سبحانه وتعالى من فتنة هذه المرأة التي هي ذات منصب وذات جمال، لأن الملوك في الغالب لا يتزوجون إلا الحسنوات من النساء، وهي المراودة له، وقد هيأت أسباب فعلها ذلك بغلق الأبواب، بغلق الأبواب، ومع هذا عصمه الله سبحانه وتعالى، فاستبق الباب وهرب من هذه الفتنة، فنجاه الله سبحانه وتعالى، ودخل من دخل عليهم وعرف صدقه وإخلاصه وعدم وقوعه في شيء من هذه الرذائل. وتعلمون أيضًا حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، وقعوا في شدة عظيمة. لك أن تتصور هذه الشدة: ثلاثة كانوا يمشون في سفر، فأدركهم المبيت في غار، فتحه في جبل، فجاءت صخرة عظيمة وسقطت على باب هذا الغار، فسدت عليهم باب الغار، صخرة عظيمة في مكان بعيد، ما يراهم أحد، ولم يطلع على أمرهم أحد، كم سيجلسون في هذا الغار؟ وما يستطيعون زحزحة هذه الصخرة، شدة عظيمة، إنه الهلاك المحقق لولا لطف الله سبحانه وتعالى. وكذلك نجاة الله عز وجل لعباده المخلصين، فقال قائلهم: إنه لا -إنكم لا تنجون، أو إنه لا يخلصكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، يعني بالأعمال التي ترون أنكم أخلصتم فيها لله. فدعا الأول: اللهم إنه كانت لي -أو كان لأبوي- شيخان كبيران، إلى آخر ما ذكر من بره بوالديه ورعايته لهما وإحسانه إليهما، ثم قال في آخر ذلك: اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك. إيش معنى ابتغاء مرضاتك؟ يعني فعلت ذلك خالصًا لك، رجاء لثوابك، لا لأمر آخر. إن كنت تعلم أنني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه. فتحركت الصخرة شيئًا، غير أنهم لا يستطيعون الخروج. وأما الآخر فدعا: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها أشد ما يحب الرجال النساء، إلى آخر ما ذكر، وأنها احتاجت ذات مرة فأعطاها مائة وعشرين درهمًا على أن تخلي بينه وبينها، فلما جلست منها مجلس الرجل من أهله قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. قال: فتركتها وتركت لها المائة والعشرين دينارًا، أو كما قال. ثم قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه. فتحركت الصخرة شيئًا، غير أنهم لا يستطيعون الخروج. ثم قال الثالث: اللهم إني استأجرت أجيرًا -إلا إني استأجرت أجرًا- فأعطيت كل أجير أجرته إلا رجلًا ذهب وترك ماله، فثمر هذا الرجل هذا المال حتى أنتج وتكاثرا، فجاء الرجل بعد فترة يطلب أجرته، فقال له: كل ما ترى من أجرك. قال: لا تستهزئ بي. قال: لا أستهزئ بك، فساق أغنامه، أو ساق كل ذلك وأخذه. ثم قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عما نحن فيه. فتحركت الصخرة وأزيحت عن باب الغار، فخرجوا يمشون، خرجوا يمشون. انظروا إلى فضل الإخلاص في الأعمال الصالحة، وأنه سبب لأن ينجي من الشدائد والمحن والفتن. فعلينا معاشر المسلمين أن نجدد نياتنا وأن نخلص في أعمالنا، فهذا ما كان عليه سلفكم الصالح. وقد مر معنا أثر سفيان الثوري رحمه الله تعالى حيث قال: ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي، فكان دائمًا يتعاهد نيته، وكذلك يجاهد نفسه على أن يخلص في الأعمال لله سبحانه وتعالى. وفقنا الله لما يحب ويرضى، وفي الدرس القادم إن شاء الله نأخذ سببًا آخر من أسباب تزكية النفوس. إلى هنا والله تعالى أعلم.