شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 7

شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 7

الدرس في شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

القرآن سبب لتزكية النفوس وشفاء القلوب والأبدان عند ابن عثيمين

يوضح المقطع أن الاعتناء بالقرآن تلاوة وتدبراً من أعظم أسباب تزكية النفوس، مستدلاً بآيات تصفه بالشفاء والهدى والرحمة، وينقل عن ابن عثيمين تقسيم الشفاء إلى معنوي لأمراض القلوب وحسي للأبدان، مؤكداً أن القرآن مطهر للقلوب ومبرأ للأجساد بإذن الله.

القرآن شفاء للقلوب والأبدان وأثر تدبره عند ابن القيم

يؤكد ابن القيم أن القرآن شفاء تام لأمراض القلوب والأبدان بشرط التداوي به بصدق وإيمان، وأن من استوفى شروط الاستشفاء لم يقاومه داء، ويبين أن تدبر آياته أنفع للقلب من مجرد القراءة فيورث المحبة والخوف والتوكل ويزيل القساوة والهم داعياً للإقبال عليه.

خاتمة الدرس والإشارة لاستكمال آثار القرآن في الشفاء

أشار المحاضر إلى وجود آثار أخرى للقرآن تتعلق بالشفاء وتزكية النفوس، لكن انتهى الوقت المخصص للدرس، وسيتم استكمال هذا الموضوع في درس قادم إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فنواصل دروسنا إن شاء الله تعالى في ذكر بعض أسباب تزكية النفوس. وقد تقدم معنا في دروس ماضية أهمية تزكية النفس، وذكر سبب من أسباب ذلك وهو الإخلاص لله سبحانه وتعالى. وها نحن اليوم بإذن الله عز وجل نأخذ سببًا آخر من تلك الأسباب. فمن أسباب تزكية النفوس: الاعتناء بالقرآن تلاوةً وتدبرًا وتفهمًا واستشفاءً. فإن من أعظم ما يطهر القلوب ويزكي النفوس قراءة القرآن بتدبر وتفهم. وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾. وما هو الذي في الصدور؟ القلب. فالقرآن شفاء لما في صدورنا من جميع أمراضها وأدوائها. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾. فقوله: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ ﴾ أي: للأبدان، للقلوب، وللأجساد أيضًا. ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾. ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾. فالمؤمن ينتفع بهذا القرآن انتفاعًا عظيمًا في تزكية نفسه، وفي ذهاب أمراضه وأدوائه. يقول العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله: "والشفاء الحاصل بالقرآن نوعان: النوع الأول شفاء معنوي، والنوع الثاني شفاء حسي". قال: "أما الشفاء المعنوي فهو الشفاء من أمراض القلوب من الشبهات والشهوات، فالقرآن الكريم به العلم الذي هو شفاء من الشبهة، وبه الإخلاص الذي هو شفاء من الشهوة". قال: "وهذا من بركته"، أي: من بركة القرآن. فالله عز وجل وصف القرآن بالبركة: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. فيقول الشيخ ابن عثيمين: "وهذا من بركته". ثم قال: "وكم من إنسان صلح قلبه بقراءة القرآن، إما بنفسه -يعني هو يقرأ بنفسه- وإما بسماعه من غيره، أن يستمع إلى غيره". قال: "وأما الشفاء الحسي فمن بركته أنه شفاء للأمراض الحسية، أمراض البدن، وهذا شيء مشاهد مجرب. فكم من إنسان مريض عجز عنه الأطباء، شفاه الله بالقرآن الكريم". فيتلخص لنا من ذلك أن القرآن الكريم أولاً: شفاء لأمراض القلوب، فهو يطهرها وينقيها ويصفيها بإذن الله سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء، فقال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾. قال: فالقرآن كله شفاء، فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب. فلم يزل الله سبحانه وتعالى من السماء شفاء قط أعظم ولا أنفع ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن". ذكر ذلك في كتابه "الداء والدواء". وقال رحمه الله تعالى في كتابه "زاد المعاد": "فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة". ثم قال رحمه الله تعالى: "وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به. وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم، واستوفى شروطه، لم يقاومه الداء، لم يقاومه الداء أبدًا. وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء، الذي لو نزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها؟ قال: فما من مرض، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه، لمن رزقه الله فهما في كتابه". قال الله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾. فمن اكتفى بالقرآن كفاه الله عز وجل به، وجعله -أي جعل الله عز وجل- هذا القرآن رحمة وشفاءً وهداية لهذا القارئ والمقبل على كتاب الله سبحانه وتعالى. وهكذا يقول العلامة ابن القيم، وله كلام كثير بديع ودرر غالية نفيسة في هذا الأمر، وهو الانتفاع بالقرآن والشفاء بالقرآن. قال: "وقال تبارك من جعل كلامه شفاء لصدور المؤمنين، وحياة لقلوبهم، ونورًا لبصائرهم، وغذاء لقلوبهم، ودواء لأسقامهم، وقرة لعيونهم، وفتح به منهم أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا. فأشرقت به الوجوه -أي بالقرآن- واستنارت به القلوب". انتهى كلامه من كتابه "الكلام على مسألة السماع". وقال رحمه الله تعالى: "جعل الله كتابه شفاء الصدور من أدوائها وجواها، وحياة القلوب ولذة النفوس، ورياض القلوب، وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، والمنادي بالمساء والصباح: يا أهل الفلاح حي على الفلاح". فالقرآن فيه فلاحنا، وفيه فوزنا. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾. فالقرآن فيه هدايتنا، وفيه سعادتنا، وفيه تزكية نفوسنا وتطهير قلوبنا. فالواجب علينا معاشر المسلمين أن نقبل على هذا الكتاب، وأن نجعله من أولويات حياتنا. فلا بد للمسلم أن يكون له حظ وورد من كتاب الله سبحانه وتعالى في يومه وليلته. وهكذا يقول العلامة ابن القيم كما في "مفتاح دار السعادة": "كتاب الله هو الشفاء النافع، وهو أعظم الشفاء". ثم قال: "وما أقل المستشفين به! بل لا يزيد الطباع الردية إلا رداءة، ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا". وكذلك ذكر الله، والإقبال عليه، والإنابة إليه، والفزع إلى الصلاة: كم شفي به من عليل، وكم قد عوفي به من مريض، وكم قام مقام كثير من الأدوية التي لا تبلغ قريبًا من مبلغه في الشفاء. وقال رحمه الله تعالى: "وكلامه في هذا الباب كثير وبديع". قال رحمه الله: "وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر". لا شيء أنفع للقلب، إذا شعرت في قلبك من القساوة، ومن الضيق والحزن والهم والغم، فاعلم أنه لا شيء أنفع لك من زوال هذه الأدواء وهذه الأسقام من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر. يقول ابن القيم: "وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه يورث المحبة والشوق والخوف والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، التي بها حياة القلب وكماله. وكذلك يسجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه". فكل ذلك من آثار القرآن على المقبل عليه. وهكذا يقول رحمه الله تعالى: "لو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها". لو علمنا ما في القرآن والإقبال عليه من الإيمان والهداية والشفاء والسعادة والفلاح، لما اشتغلنا بغيره، لما اشتغلنا بالأخبار السياسية، ولا بالمجموعات في الجوالات، ولا بالمراسلات، ولا بالقيل والقال، بل لأقبلنا على كتاب الله سبحانه وتعالى. يقول: "لو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها". فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختم بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة الإيمان. هذا إذا كان الإنسان اشتغل بالقراءة المجردة دون التفكر، فتفكر في آية خير له من ذلك. فكيف من اشتغل بمحرم؟ وكيف من اشتغل بأمور تافهة لا تسمن ولا تغني من جوع؟ فهذا دعاء جميعًا معاشر المسلمين: إن أردنا تزكية نفوسنا وتطهير قلوبنا، وأردنا الهداية والفوز والفلاح، أن نقبل على هذا الكتاب، وأن نستخرج معانيه، وأن نتدبر آياته. فهذا الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به في كتابه: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾. وبقيت هناك آثار أخرى تتعلق بشفاء القرآن وتزكية القرآن للنفوس، وانتهى الوقت. نأخذ ذلك إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.