الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 83، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الاحتجاج بالقدر يكون على المصائب وليس على المعاصي والذنوب، ويشترط فيه التوبة وعدم التفريط بالأسباب. يجب على الإنسان أن يأخذ بالأسباب ويستعين بالله.
الاحتجاج بالقدر بعد التوبة جائز كما في حالة آدم عليه السلام، أما المقيم على الذنوب فلا حجة له. يجب التوبة أولًا ثم الاحتجاج بالقدر على ما وقع من مصائب.
استدلال الناس بالقدر على أفعالهم السيئة مرده إلى هواهم وإبليس والنفس الأمارة بالسوء. يجب التحذير من ذلك والاستعانة بالله على تطهير القلوب.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قد ذكرنا في الدرس الماضي ما يعترض به من يعترض من الذين يحتجون بالقدر على مخالفة الشرع، فيقعون في المخالفات وفي الذنوب والمعاصي، وإذا أنكر عليهم قالوا: هذا بقدر الله. وربما استدلوا بما جرى بين موسى وآدم عليهما الصلاة والسلام، حين احتج آدم عليه الصلاة والسلام، بقوله لموسى: أتلومني على أمر قد قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عاما؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فحج آدم موسى». والجواب على هذا كما سبق من وجهين، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. الوجه الأول: أن موسى لام أباه آدم على المصيبة التي ترتبت، وهي الخروج من الجنة، ما لامه على وقوعه في المخالفة. لماذا؟ لأنه لا يليق بموسى عليه الصلاة والسلام أن يلوم أباه آدم على معصية قد تاب منها، وعلى مخالفة قد تاب منها. فلذلك، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن اللوم من موسى لآدم إنما كان على المصيبة التي ترتبت، وهي الخروج من الجنة. ولذلك قال: الاحتجاج بالقدر على المصائب، فآدم احتج على القدر بالمصيبة. فإذا أنكر عليه في ترتب حصول مصيبة كان بسبب فعل منه، فإنه يحتج بالقدر. فالاحتجاج بالقدر على المصائب. ولذلك آدم احتج بالقدر على المصيبة، أي أنها كانت بقدر الله، أكله من الشجرة الذي ترتب عليه الخروج من الجنة بقدر الله جل وعلا. ولذلك لما قال بعض أهل البدع لبعض أهل السنة: أرأيت لو قال له أولا: هل خلق آدم للأرض أم للسماء؟ هل خلق آدم للأرض أم للسماء؟ قال: خلق للأرض. قال: رأيت أنه لو لم يأكل من الشجرة -يعني إذا لم يأكل من الشجرة- معناه أنه لم يخرج. فقال له: ما كان له من بد، ما كان له من بد -يعني لا يمكن أن يتخلف ذلك- الأكل من الشجرة، هذا قدر مقدر. فانظر جواب هذا السلف السلفي بهذا، وأن الأمر بقدر الله، ما دام قد وقع، ما كان لآدم أن لا يفعل ذلك، هو الأكل من الشجرة، لأن هذا قد قدره الله جل وعلا على آدم قبل أن يخلقه بأربعين عاما، وذلك لحكمة عظيمة علمنا منها ما علمنا وجهلنا أكثر مما علمنا. فلذلك احتجاج آدم بالقدر على المصائب، وعلى المصيبة التي ترتبت. ولذلك ذكر هنا المؤلف رحمه الله تعالى حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وأن هذا مثل هذا الحديث، في قوله عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقول: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» رواه مسلم، هذا من حديث أبي هريرة. فإذا الإنسان يفعل الأسباب، يأخذ بالأسباب ويستعين بالله جل وعلا، وهذا هو حقيقة التوكل، الاعتماد على الله مع فعل الأسباب، تفويض الأمر إلى الله مع فعل الأسباب. ثم بعد ذلك، إذا ترتب المقصود والمراد فبحمد الله، وإذا تخلف فالأمر لله جل وعلا، لا تقول: لو أني فعلت كذا وكذا. لو: لأني أسرعت لما فاتتني تلك السلعة التي قد اشتراها فلان. لو لما تأخر يوما لما خطبت ابنة فلان لابن فلان، سبقني بيوم واحد، ما بيني وبينه إلا كذا من الساعات، هو أسرع وأنا تأخرت. لو أني ما تأخرت لكان ذلك من نصيبي، أو تلك التجارة، أو تلك السلعة. نعم، أو أنني إذا لم أسافر وأخرج من بلدي لما أصبت بالحادث، أو ضاعت أموالي، أو احترقت سيارتي. نعم، إلى آخر ذلك. أو احترق بيتي، أو إلى آخر ذلك. لا، لا تقول ذلك، ما دام أنك قد أخذت بالأسباب ولم يحصل منك تفريط. نعم، فالحمد لله على كل حال. فإذا أصبت بشيء ولم يحصل مقصودك وفات مطلوبك، لا تتأسف ولا تقول: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن احتج بالقدر، احتج بالقدر. هنا الاحتجاج بالقدر، هنا عليك أن تحتج بالقدر وتقول: قدر الله وما شاء فعل، يعني هذه المصائب التي ترتبت من حصول حادث في سفر، أو هدم بيت، أو عدم حصول تجارة فاتتك، أو غير ذلك من المطالب التي أردتها أنت وحرصت على تحصيلها فلم تحصلها. نعم، قل: قدر الله وما شاء فعل، فتحتج بالمصائب، تحتج بالمصائب، لا تحتج بالمعايب، تحتج بالمصائب، تحتج بالقدر. نقول: تحتج بالقدر على المصائب، لا تحتج بالقدر على المعايب. نعم، تقول: عيبي كذا، عيبي أنني تأخرت، عيبي أنني ماذا نمت، عيبي كذا، عيبي أنني سافرت. لا، هذه أمور لا بد من فعلها، لا بد أن يفعلها الإنسان، لا بد أن يتحرك، لا بد أن يسافر، لا بد أن يعمل، لا بد أن يشتري، لا بد أن يبيع، هذه أمور لا بد منها. لكن الذي يترتب، وهو المقصود، قد يترتب الخير فيفرح الإنسان، يقول: الحمد لله، أنا أخذت بالأسباب وتحصل مقصودي، الحمد لله. لكن قد لا يتحصل على مقصوده، قد لا يتحصل على مقصوده، أراد أن يسافر إلى بلاد كذا، لكن حصل الحادث. سافر ومعه ماله ومال شركائه، فسرقت وضاعت الأموال. نعم، فماذا يقول؟ هل يحتاج. هنا بالقدر على ما حصل منه من سفر، أو من كذا وكذا من الأمور التي فعلها. لا يحتاج بالقدر على المصائب، يقول: الحادث بقدر الله. إذا قيل له: شخص نعم، ضيعت أموالنا، أنت ضيعت أموالنا -يعني معنى أنك سافرت وضاعت الأموال سرقت أو حصل حادث وفقدت. نعم- هل هنا يلومه على السفر؟ لما لا يسافر؟ لا، لأن هذا السفر أمر يحتاجه الناس في تجاراتهم وفي ذهابهم وفي مقاصدهم. لكن هنا ماذا يريد؟ يقول له: أنت لما سافرت كان سببا في ضياع أموالنا، وكان سببا في حصول الحادث الذي صار سببا لتدمير سيارتنا أو غير ذلك. فذلك يقول: ما، يقول: قدر الله، قدر الله. يعني هل قدر الله أنني سافرت؟ لا شك أن سافر بقدره، لكن يريد: قدر الله -يعني هذه المصيبة- هذه المصيبة التي حصلت من حادث أو ضياع أعمال أو كذا أو كذا، بقدر الله. وهذا معنى قول آدم عليه السلام لموسى: أتلومني على أمر قد قدره الله علي -يعني الإخراج من الجنة- لأن آدم، لأن موسى ما لامه على فعل المعصية، أنه تاب منها، وإنما لامه على المصيبة المترتبة، وهو الخروج من الجنة. فاحتج آدم بالقدر على هذه المصيبة، وأنها بقدر الله. كما يحتج من حصل له حادث في سفره، لمن قال له: ماذا ضيعت أموالنا أو دمرت سيارتنا -يعني في هذا السفر- فإنه يقول: بقدر الله -يعني المصيبة التي حصلت- هذه بقدر الله، ليس يعني كأنه يريد منه ذلك، أنه لا يتحرك ولا يذهب مكان ولا يسافر. لا، لكن كأنه يقول له: حصلت مصيبة بسبب سفر كهذا، فيحتج على ذلك لما حصل من فوات مطلوب، وحصول غير مرغوب، من حادث، وضياع أموال، وغير ذلك. فيحتج ذلك عليه بأنها بقدر الله، أي: هذه المصائب التي حصلت. وهذا معنى قول الله ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ بَلْ هُوَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٨]، فلا تقول: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا -يعني لما حصلت المصائب بك- وإن أصابك شيء -يعني من المصائب- قلت: لو فعلت كذا وكذا. لا، لا تقول ذلك، لكن قل: قدر الله وما شاء فعل، تحتج بقدر الله على ما أصابك من المصائب، لأن هذه المصائب حصلت بقدر الله جل وعلا. الوجه الثاني: أن الاحتجاج بالقدر على ترك الواجب أو فعل المحرم بعد التوبة جائز مقبول، لأن الأثر المترتب على ذلك قد زال بالتوبة، فانمحى به توجه اللوم على المخالفة، فلم يبق إلا محض القدر الذي احتج به، لا ليستمر على ترك الواجب أو فعل المحظور، ولكن تفويضا إلى قدر الله تعالى الذي لا بد من وقوعه. وقد أشار إلى هذا ابن القيم في «شفاء العليل»، وقال: إنه لم يدفع بالقدر حقا، ولا ذكره حجة له على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به. وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به، ففي الحال والمستقبل، بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا، فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيبطل بالاحتجاج به حقا، ويرتكب باطلا، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله، فقال: «لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا»، وقال جل وعلا: «لو شاء الرحمن ما عبدناهم»، فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه، وأنهم لم يندموا على فعله، ولم يعزموا على تركه، ولم يقروا بفساده. فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم، وعزم كل العزم على أن لا يعود. ونكتة المسألة: أن اللوم إذا ارتفع، صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعا، فالاحتجاج بالقدر باطل. ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه، حين طرقه النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة ليلا، فقال: «ألا تصليان» الحديث. وأجاب عنه بأن احتجاج علي صحيح، ولذلك لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم. صاحبه «يعذر فيه فنائم وغير مفرط، واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح». ذكر هنا الوجه الثاني الذي أجاب به الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عليه، في كتابه العظيم «شفاء العليل في مسائل القدر والتعليل»، وهو كتاب عظيم. ابن القيم رحمه الله يجعل احتجاج آدم بالقدر على المعصية والمخالفة التي قد تاب منها، التي قد تاب منها، وقال رحمه الله تعالى: هذا جائز. فالاحتجاج بالقدر الذي لا يبطل حقا، ولا يحق باطلا، ولا يجيز لصاحبه الإصرار والبقاء على ما عليه من المعاصي، ويجعله نادما، وقد ندم، وقد ترك، فهو جائز. ولذلك لما احتج آدم بالقدر، لأنه قد تاب من تلك المخالفة، قد تاب من تلك المخالفة. فإذا تاب منها، فإنه لا يجوز ماذا أن يلام. وكما قال ابن القيم رحمه الله: فالاحتجاج بالقدر الذي لا يدفع حقا، ولا يذكر حجة على باطل، وهكذا لا يكون جائزا لصاحبه على الإصرار والإقامة على معاصيه في المستقبل، فهذا لا شيء فيه. لكن شخص يحتج بالقدر، وهو لا زال على المعصية، يشرب الخمر، أو يرتكب الربا، أو يسرق، أو يكذب، أو يفعل الذنوب والمعاصي، تارك للصلاة. يا فلان، اتق الله أن تترك الصلاة، أن تأكل الحرام، أن تتعامل بالربا، أن تغش، أن تقاطع الرحم، أن تعاق الوالدين، اتق الله. يقول: قدر الله. يقول: قدر الله، مقدر علي السرقة، ومقدر علي الغش، ومقدر علي العقوق، ومقدر علي قطع الأرحام، ومقدر علي ظلم الناس، ومقدر علي ترك الصلاة، كل هذا مقدر عليه، وهو مستمر، وهو مصر. أين الدليل على هذا؟ هل لهذا دليل شرعي؟ أبدا. إذا قال: احتج بآدم. نقول: هل آدم احتج بالقدر على المعصية التي وقعت منه، وهو يعني لا زال عليها؟ هل احتج بالقدر على تلك المعصية التي وقعت قبل التوبة، أو بعد التوبة؟ بعد التوبة، الاحتجاج بالقدر بعد التوبة. أنت لم تتب، تب إلى الله جل وعلا، واترك شرب الخمر، واترك السرقة، واترك الرشوة، وبر رحمك، وبر والديك، وأفعل الصلاة، واستمر على هذا. إذا جئت وقعت لك يا فلان، كنت تشرب الخمر. قل: قدر الله. يجوز لك. يجوز لك الحج معك علي. أنا أخطأ، وهو يخطئ. من يلوم الناس؟ التائبون، بعض الناس يقول لشخص، وقد تاب، وقد من الله عليه عز وجل له بالاستقامة، قد ترك الربا، وقد ترك الذنوب والمعاصي. وقال: يا فلان، نسيت نفسك كيف؟ قال: ما شاء الله، نسيت الليالي، ليالي الشرب، وليالي الخنا، وليالي كذا. سبحان الله، الرجل قد تاب. فيجوز لذلك أن يقول له: تلومني على أمر قد قدره الله علي. لكن بعد التوبة، هذا بعد التوبة. أما قبل التوبة، غير مقبول. إنسان لم يتوب من شرب الخمر، فإذا أنكر عليه، قال: بقدر الله، وهو لم يتوب. كيف يحتج بحديث آدم؟ كيف يحتج بحديث آدم؟ هل آدم قال ذلك قبل توبته من هذه المخالفة؟ لا. فإذا هؤلاء لا حجة لهم، لا شرعا ولا عقلا. لأنه عقلا، العقل يدل على أنه هو الذي يقع في الذنوب والمعاصي، عنده عقل يعرف به، ويميز به بين الحلال والحرام، وبين الفعل الذي يأثم عليه إذا وقع فيه، والفعل الذي يثاب إذا فعله، يميز بعقله. أكرمه الله جل وعلا بالعقل، وهو في الدنيا كذلك، يمتعض عن الأمور التي تضره. نعم، لا يقع في النار، ولا يقع في الحفرة، ولا يأخذ السكين ويجعلها في عينه، ولا يأخذ ... ولا يشرب الماء الحار الذي ماذا يغلي في درجة حرارة عالية، لأنه يعلم أنه سيقطع عينه. نعم، لماذا لا يشرب الماء الحار ويقول: بقدر الله ها؟ ولماذا لا يعني يقع في الحفرة ويقول: بقدر الله؟ أبدا. لكن في الشرع يقول: بقدر الله، يعرض نفسه لما يكون عقوبة له، ثم يقول: بقدر الله، هذا مردود شرعا وعقلا وحسا وواقعا. فالذي يحتج بالقدر على فعل المعاصي، نعم، وهو مقيم عليها، ولم يتوب منها، فهذا لا حجة له، لا حجة له. لأن الاحتجاج بالقدر أولا: على قول شيخ الإسلام، إنما يكون على المصائب. ثانيا: على قول ابن القيم، على المعايب، لكن بشروط. لكن بشروط: أن تكون تلك المعايب وتلك الآثام قد تاب منها، قد تاب منها، ليس قائما عليها، ومصرا على فعلها. وأيضا غير مفرط، غير مفرط. أما المفرط، فلا حجة له، لا حجة له. شخص يفرط بالأسباب، ثم يحصل له مكروهات وتترتب على ذلك أمور سيئة، فإذا أنكر عليه، يقول: فعلتها بقدر الله. لا حجة له. لماذا؟ لأنه مفرط. وإنما من شروط صحة الاحتجاج بالقدر: أولا: أن يكون بعد التوبة. ثانيا: أن يكون من غير تفريط. ولذلك أضاف ابن القيم رحمه وتعالى، الذي ذكر كما أشار المؤلف هنا، أضاف حديث النبي عليه الصلاة والسلام مع علي بن أبي طالب، وفاطمة رضي الله تعالى عنهما، كما جاء في الصحيحين، حين دخل عليهما وطرق بابهما ليلا، وقال لهما: «ألا تصليان». فقال علي رضي الله تعالى عنه: «يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، إن شاء يبعثنا، بعثنا، إن شاء ينمنا، نم». فذهب النبي عليه الصلاة والسلام، وهو مولول، فقال علي رضي الله عنه: وسمعته وهو مولول يقول: «وهو يضرب على فخذه: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا». وكان الإنسان أكثر شيء جدلا. وشاهد الإمام القيم رحمه الله، من ذكر هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام أقر عليا على الاحتجاج بالقدر، أقر عليا على الاحتجاج بالقدر. لأن الاحتجاج هنا صحيح، لأن الاحتجاج هنا صحيح. لأن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه احتج بالقدر، وهو قدر الله جل وعلا الذي ليس معه تفريط، الذي ليس معه تفريط، فهو نائم، فهو نائم. فإذا فاته شيء من الصلاة، سواء كان فريضة أو نافلة مستحبة، كان ذلك بقدر الله، الذي ليس معه تفريط، الذي ليس معه تفريط. وبهذا يتبين لنا: أن الاحتجاج بالقدر على المعايب والآثام، إنما يكون أولا: بعد التوبة. ثانيا: أن يكون من غير تفريط. فحديث علي أراد به ابن القيم رحمه وتعالى، بيان هذا الشاهد، وهو إقرار النبي عليه الصلاة والسلام لعلي على الاحتجاج بالقدر، ما دام أنه من غير تفريط. أما الذي يحتج بالقدر، وهو يفرط، فهذا لا حجة له، بل يلام، بل يلام. يلام، يترك مثلا النار في بيته، يترك النار في بيته، قد ولع النار ونام، ولع النار في بيته ونام. فإذا بالبيت يحترق، البيت فيه الغاز، والبيت فيه كذا وكذا، ربما فيه البترول الذي بجنب هذا النار، يولع النار، وبجنب النار يعني ماذا؟ جالون من البترول، فيه بترول مثلا. فيذهب ويترك هكذا النار على ما هي عليه، ثم يحترق البيت. ما لك يا فلان؟ ينكر عليه، يقول: بقدر الله. يقول: بقدر الله، تلومني؟ لا تلام. لا شك أن الذي حصل بقدر الله، لك أنت تلام. وحجتك بالقدر هنا في غير موضعها، حجتك بالقدر يعني تحتج بالقدر في غير موضعه، احتجاجه غير صحيح، لفوات شرط، لفوات شرط، هو من شروط صحة الاحتجاج بالقدر، وهو أنك فرطت، أنك فرطت. فلا حجة لك بالاحتجاج على القدر، فلا حجة لك بالاحتجاج بالقدر. وإن كان الأمر حصل بالقدر، لكن أنت لا تحتج. لماذا لا تحتج؟ لأنك فرطت، والمفرط يلام. ولا حجة له كذلك، هذا كالمستمر على المعصية، وكالمقيم على الذنب، الذي لم يقلع عن الذنب والمعصية، يحتج بالقدر، لا حجة له. لا شك أن الذنوب والمعاصي بقدر الله جل وعلا، الكوني، لكن أنت لا حجة لك تحتج بالقدر. لماذا؟ لأنك لم تتوب منها. وإنما يصح الاحتجاج بالقدر بعد التوبة منها، كما جاء في احتجاج آدم بالقدر على تلك المخالفة التي وقعت منه، وبعد أن تاب منها، على الوجه الثاني الذي قرره الإمام القيم رحمه الله تعالى عليه، وعلى الوجهين: الوجه الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، والوجه الذي أشار له ابن القيم. لا حجة لمن يحتج بالقدر، وهو مقيم على الذنوب والمعاصي. فإذن إنما دليله واستدلاله واحتجاجه بالقدر، إنما دليله هواه، دليله هواه، وإبليس، والنفس الأمارة بالسوء. نسأل الله جل وعلا أن ينزه قلوبنا عن ذلك. وصلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.