الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
درس يتعلق بوالدي رسول الله، حيث ذكر قصة عبد الله بن عبد المطلب ووفاته قبل ولادة النبي صلى الله عليه وسلم أثناء رحلة تجارية إلى الشام. تطرق أيضاً إلى زواج عبد الله من آمنة بنت وهب.
تحدث عن وفاة عبد الله والد الرسول صلى الله عليه وسلم ودفنه في دار النابغة، كما ذكر دور أم أيمن في رعاية الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبيه.
كان أشراف العرب يرسلون أولادهم للاسترضاع خارج القبيلة حفاظا على سليقتهم وصحتهم. يذكر العلماء أربع علل لهذه العادة، أقواها الحفاظ على اللغة الفصيحة وصحة الأجساد.
المقطع يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله تعالى والاعتراف بقدرته.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الوقوف على قول الناظم رحمه الله: «ووافق العشرين من نيسان، وقبله حين أبيه حانا». وذكرنا ما يتعلق بقول الناظم «حين أبيه حانا»، أما ما يتعلق بوافاة أبي رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحين بمعنى الهلاك. وكان في ذكر هذا البيت إشارة إلى ذكر ما يتعلق بوالدي رسول الله، وهو عبد الله بن عبد المطلب، بذكر شيء من حياته. وعلمنا أنه كان من أفضل أبناء عبد المطلب إليه، وكان يوصف بالذبيح، يوصف بالذبيح. وأشرنا إلى تلكم الروايات التي كان نبينا يوصف بهذا الوصف بالذبيحين، بابن الذبيحين، إما من قوله «أنا ابن الذبيحين»، وإما من قول غيره «يا ابن الذبيحين». وعلمنا أن هذه الروايات لم يصح منها شيء، لم يصح منها شيء من حيث الإسناد. لكن هذا جرنا إلى أن ننظر ما معنى هذه اللفظة وهذا اللقب، ومن أين جاء؟ وما مؤداه؟ وعلمنا أن المقصود بابن الذبيحين أي من تعرض آباؤه، تعرض آباؤه وأجداده إلى الذبح. فكان الذبيح الأول على القول الصحيح هو إسماعيل عليه السلام، والدلائل على ذلك كثيرة جدًا، أوصلها ابن القيم رحمه الله تعالى لأكثر من عشرين وجهًا. والذبيح الثاني المقصود بهذا الوصف بابن الذبيحين، الذبيح الثاني هو والده عبد الله بن عبد المطلب. ثم كان هذا فيه بيان إلى صحة القصة المروية في هذا الباب، وهل صحة أن أبا الرسول قد تعرض للذبح؟ الجواب: نعم، على الرواية المذكورة التي رواها الطبري، وإسنادها ظاهره الصحة. فإن عبد المطلب نذر أن ينحر أحد أبنائه، فوقعت القرعة على ابنه عبد الله، إلا أنه فداه بمئة من الإبل. ثم بعد ذلك، لما نجى الله جل وعلا عبد الله من هذه المسألة، قام عبد المطلب بتزويجه، فاختار له من أشرف نساء مكة نسبًا وشرفًا، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. فكانت آمنة من أشرف قريش نسبًا، فاختارها عبد المطلب بأن تكون زوجة لابنه عبد الله، فتم الزواج. وبعدما حملت آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وافت المنية عبد الله، فعاش نبينا حياة اليتم، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾. لكن وقع الخلاف بين العلماء في السن والعمر الذي وصف فيه نبينا صلى الله عليه وسلم باليتم، الخلاف هذا حاصل بين العلماء. والذي عليه الجمهور من أهل السير والتواريخ: أن عبد الله، وهو والد الرسول، توفي ونبينا حمل في بطن أمه، وهو حمل، أي جنين، لا زال في بطن أمه في هذه الفترة مات أبوه عبد الله. وهذا كما قلنا قول كثير من العلماء، صرح بذلك المقريزي رحمه الله، ورجحه ابن كثير، وابن القيم، وهو المنقول عن الواقدي. بل إن ابن إسحاق رحمه الله تعالى ذكر هذا القول في السيرة ولم يذكر سواه، وجزم به، يرى أن هذا هو القول الأوحد الذي ينبغي أن يقال، ولا يلتفت إلى غيره، هكذا فعل ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السيرة. وقد نسب هذا القول إلى الأكثرية من أهل العلم: إلى أن رسول الله مات أبوه وهو حمل في بطن أمه. ويؤيد هذا القول ما جاء عند الحاكم من حديث قيس بن مخرمة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «توفي أبوه وأمه حبلى به، توفي أبوه وأمه حبلى به». وهذا الأثر رواه الحاكم كما قلنا في مستدركه، وأقره الذهبي. وأيضًا يؤيد هذا المعنى كذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن شهاب، حيث قال: «فلما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما توفي أبوه». فكلام ابن شهاب يدل دلالة واضحة على أن الولادة لرسول الله تمت بعد وفاة أبيه. قال: «فلما ولدت آمنة رسول الله بعدما توفي أبوه». يقول هذا في صحيح مسلم، فهذا هو القول المشهور في هذه المسألة. وإلا، كما قلنا، المسألة فيها خلاف، فمن أهل العلم من يرى أن عبد الله إنما جاءته المنية بعد ميلاد الرسول بشهرين، بعد ميلاد الرسول، أي خرج وعمره شهران، جاءت المنية لأبيه. وهذا القول ذكره الدولابي والسهلي وجماعة، ومنهم من ذكر نحوًا من هذه المدة بأيام. لكن الصحيح، إخواني في الله، ودون تعريج إلى الأقوال المذكورة في هذا الباب، الصحيح الأول للأدلة الدالة على ذلك. ولهذا الناظم رحمه الله تعالى، صاحب الأرجوزة المئية، يرجح مذهب الجمهور، حيث قال: «وقبله أي قبل مولده، حين أبيه حانا»، أي قبل ميلاد الرسول جاء الهلاك لأبيه، جاءت الوفاة لأبيه. وهذا الذي ذهب إليه الناظم هو قول الجمهور من العلماء. قال ابن كثير: «فائدة تبنى على هذه المسألة: من أن عبد الله توفي، توفي وابنه رسول الله في بطن أمه». قال ابن كثير: «وهذا أبلغ اليتم وأعلى مراتبه»، يعني أبلغ مراتب اليتم أن ييتم الطفل، يعني بحيث أبوه يموت وهو لم يخرج من بطن أمه، هذا أبلغ مراحل ومراتب اليتم. وهذا الذي صار لرسول الله عليه الصلاة والسلام. تأتي هنا مسألة، وهي ما يتعلق بخبر وفاة أبيه. قلنا أن أباه توفي، كيف كانت وفاته؟ الذي يذكره أهل السير والتواريخ في هذه المسألة: بأن عبد الله، وهو والد رسول الله، خرج تجارة إلى الشام، تحديدًا إلى غزة، وذلك في عير لقريش. فأثناء مرجعه، منصرفه من بلاد الشام، مر على المدينة، هم أقصدهم الرجوع إلى مكة، فكان مرورهم على المدينة. حينها مرض عبد الله مرضًا أقعده، ما استطاع أن يواصل المسير. فهنا تخلف عند أخواله من بني عدي، بني النجار، فأقام عندهم. أما أصحابه الذين جاءوا معه في الرحلة، واصلوا المسير حتى بلغوا إلى مكة. فلما وصلوا إلى مكة، قام عبد المطلب وسألهم عن ابنه عبد الله كيف هو؟ فأخبروه الخبر بأنه قد مرض علينا وأنه جلس عند أخواله في المدينة. فقام عبد المطلب وبعث أكبر أولاده، وهو الحارث، بأن يذهب إلى المدينة ويتفقد أمر عبد الله. فلما وصل المدينة وجده قد مات، أي ألم به المرض واشتد به فمات وهو هناك، وأنه دفن في دار النابغة، وهو النابغة الجعدي، أحد شعراء الجاهلية، إلا أنه طال به العمر وأدرك الإسلام وأسلم. هذه النابغة. وقد تأثر عبد المطلب تأثرًا عظيمًا، وهكذا إخوان عبد الله، تأثروا من هذا الخبر، لما كان من حبهم لعبد الله. وقد ذكر أهل التاريخ أن المنية، وأن الوفاة كانت في حق عبد الله وهو في السن الخامس والعشرين سنة، في خمس وعشرين عامًا توفي عبد الله والد الرسول عليه الصلاة والسلام. وأنه مات بالمدينة، وهذا هو الظاهر لما سمعتم من سياق القصة. وأما ما يذكره بعض الناس وبعض الكتاب: بأن عبد الله توفي في الأبواء، هذا ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح. وإنما هذا خلط، إذ أن أمه، وسيأتي هذا معنى أم الرسول توفيت في الأبواء، هي أما أبو الرسول فقد توفي في المدينة. وسيأتي معنا ما يتعلق بأم الرسول. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق بخبر وفاة أبيه، بمرضه، وما يتعلق بمحل وفاته، وما يتعلق بعمره حين توفي. بقي: خرج نبينا وبولادة أمه به، خرج يتيما عليه الصلاة والسلام تحت رعاية أمه. هناك شخص آخر كان يعين رسول الله في تربيته، وهي امرأة يقال لها أم أيمن، وهي بركة الحبشية. تلقى بأم أيمن وحديثها ذكره ابن شهاب رحمه الله تعالى، كما في صحيح مسلم، حيث قال: «كان من شأن أم أيمن، أم أسامة بن زيد، وهي كذلك أم أسامة بن زيد». قال: «كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب»، معنى وصيفة: أي خادمة، خادمة لعبد الله بن عبد المطلب. قال: «وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله بعدما توفي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، تحضنه، فهي حاضنة حتى كبر، حتى كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقها». وأم أيمن أطال الله في عمرها وأدركت الإسلام وأسلمت وهاجرت، وتوفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، قيل بخمسة أو ستة أشهر. هذه أم أيمن. الشاهد أنها كانت خادمة لعبد الله بن عبد المطلب، فلما توفي عبد الله قامت هذه المرأة وأصبحت حاضنة، حاضنة، حاضنة، بمعنى تقوم بالتربية. فهم يفرقون بين المرضعات وبين الحواضن، فالحاضنة هي التي تخدم الصبي، تنظفه، تغسله، ترتبه، ترعاه. وأما المرضعة فعندها مهمة أعظم من ذلك، وهي الإرضاع. فأم أيمن تعتبر من حواضن رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا، إخواني في الله، خلاصة ما يذكر في هذا البيت من مسائل المتعلقة بعبد الله بن عبد المطلب، والد رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال الناظم رحمه الله تعالى: «وبعد عامين غدا فطيمًا، جاءت به مرضعته سليمًا حليمة لأمه، وعادت به لأهلها كما أرادت». هذا البيت أو هذه الأبيات التي سمعتموها فيها إشارة إلى مرحلة أخرى من مراحل حياته عليه الصلاة والسلام، وهي قضية الإرضاع. فقال: «وبعد عامين غدا فطيمًا، جاءت به مرضعته سليمًا حليمة لأمه، وعادت به لأهلها كما أرادت». وقبل الشروع في ذكر مسائل الإرضاع، وهي كثيرة، ومن تولى إرضاع الرسول، وما يتعلق بالحوادث التي صارت في هذه القضية، نبين مسألة نكتفي بها في هذا المقام، وهي: كان من عادات أشراف العرب، من عادات أشراف العرب، أن المرأة إذا أنجبت كانت ترسل ولدها إلى الرضاع في خارج القبيلة، إلى خارج البلد، في النواحي، في الأرياف، في البوادي. هذه كانت عادة، وخاصة يذكرونها عن أشراف العرب. لماذا كانوا يفعلون ذلك؟ قالوا: لعدة أمور، لعدة أمور. الأمر الأول: قالوا كان العرب يعتقدون أن الطفل في صغره، إن تم استرضاعه في الخارج عند البوادي، فإنه أنجب، يأتي له بالنجابة والذكاء والفطنة، أنجب للولد وأفصح له، بحيث يتقن اللغة العربية الفصيحة، لأنه يرون أن المدن، وهي محل اجتماع الناس من هنا ومن هنا ومن هنا، تأتي اللغات وتأتي اللهجات. وتختلط اللغات في هذا المجمع، فأراد العرب حفاظًا على السليقة عند أولادهم أنهم يبعدونهم عن هذه اللهجات التي يكون فيها التداول بين الناس من غير التزان، أن يذهبوا بالولد إلى الخارج فيتعلم اللغة الفصيحة في البوادي، فيكون ماذا؟ أتقن للغة العربية. فهذه علة من العلة القوية في هذا الباب. فكانوا يرسلون أولادهم للاسترضاع في الخارج. الأمر الثاني من الأسباب: قالوا أن هذا من أجل صحة الأجساد، أي صحة أجزاء أجساد المواليد. فيرون مثلًا أن الأمراض والأوبئة تنتشر في الحاضرة، مثل مكة، تعتبر حاضرة، لكما قلنا في العلة الأولى، إذ أنها ملتقى لأناس من كل مكان، فمنهم السليم، ومنهم الضعيف، ومنهم المريض، ومنهم المجذوم، ومنهم المصاب، وخليط الناس وأنفاس الناس. فهذه الخلطة لو ربما تولد أمراض وأوبئة تؤثر، وخاصة على جسد الأطفال لضعف المناعة عندهم. فكانوا يرون أن السلامة أن الطفل ينشأ، حفاظًا لصحته، وأيضًا لقوة بنيته، أن يرسل ماذا؟ للخارج. فكان العرب يعتقدون أن الطفل إذا ربي في الحاضرة كان إنه سينشأ كليل الذهن، فاتر العزيمة، كليل الذهن، فاتر العزيمة. فكانوا يرسلون للخارج. وأيضًا يذكر فيما يذكر: قالوا أن من أسباب إرسال العرب لأولادهم للاسترضاع للخارج، قالوا أن العرب كانوا يرون أن المرأة الشريفة، أن هذا مما يعاب في حقها أن تجلس للرضاعة. يذكرون هذا، والله أعلم بصحة هذا الخبر. يذكرون هذا من العلة، كما ذكر أهل التاريخ: أن العرب كانوا يعيرون المرأة الشريفة أنها تجلس للرضاعة، وأن هذا ليس لك، وأنت أرفع من هذا المقام. فكانوا يجعلون غيرهم يقومون بالرضاعة. هذا وجه ثالث. والرابع: قيل حتى تتفرغ المرأة لزوجها، تتفرغ المرأة لزوجها، فلا تنشغل بصبيها ووليدها، فكانوا يرسلونه للخارج. هذه أربع علل يذكرها العلماء في هذه المسألة. والقول الأول والثاني هو الأقوى والأوجه. ولماذا تذكر هذه المسألة الآن؟ لأننا سيأتي معنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ولد قامت أمه بإرساله للخارج لماذا؟ لكي يسترضع، طالبًا للرضاعة. ولماذا جعل نبينا يسترضع في الخارج؟ لما سمعت من هذه العلل المذكورة، إما لقوة جسده وسلامة من الأمراض والأوبئة، أو لقوة فصاحته وأفصح على سليقته وعلى تربية حسنة. نكتفي بهذا كمقدمة لما سيأتي معنا من مسائل عدة متعلقة برضاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.