الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتضمن تنبيهات حول الأحداث غير الثابتة عند مولده وعدم مشروعية الاحتفال بمولده. تم التأكيد على أهمية التحقق من صحة الأحداث التاريخية.
ناقش المقطع مكان مولد الرسول وتاريخه، حيث ذكر أن الناظم لم يحدد المنطقة الجغرافية لمولده، مع الإشارة إلى خلاف العلماء حول ذلك وتحديد تاريخ مولده في العشرين من نيسان.
تم شرح أبيات المتن حول ميلاد الرسول وتاريخ وفاة أبيه، مع توضيح تاريخ مولده بالتاريخ الميلادي وتطرق إلى اختلاف تسمية الأشهر الشمسية.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروس ماضية في معرض حديثنا عن هذه المنظومة والأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية عليه الصلاة والسلام، بعد الانتهاء من تحديد الفترة الزمنية من مولده عليه الصلاة والسلام، وهو يوم الاثنين من شهر ربيع الأول عام الفيل، ناسب أن ننبه على بعض التنبيهات. فكان التنبيه الأول حول ما يذكر عن بعض الحوادث التي وقعت فيه عليه الصلاة والسلام في شخصه الكريم، أو ما وقع في المعمورة إبان مولده. وقلنا إنه لم يثبت شيء من ذلك، لم يثبت شيء في ذلك ينفع في الاحتجاج والاستدلال به من كونه مثلاً ولد مختونًا، أو ما كان من ارتجاز إيوان كسرى أو خمد نار الفرس إلى غير ذلك. لم يثبت شيء من ذلك، وقد أشرنا إلى الأحاديث المروية في هذا الباب. لكن إن كان من شيء يستدل به على من الأمور الغريبة التي وقعت قبل مولده عليه الصلاة والسلام إيذانًا بقدومه، هو ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه بسند صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أول بدء أمره، سئل عليه الصلاة والسلام عن أول بدء أمره، فقال صلوات ربي وسلامه عليه: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وأنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام، أضاءت منه قصور الشام». هذا الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: أما سئل عن بداية أمره، فذكر «أنا دعوة أبي إبراهيم»، هذا إشارة إلى قوله سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: «وبشرى عيسى»، وهذا في قول ربنا جل وعلا على لسان عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. وقوله عليه الصلاة والسلام: «ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام»، وهذه الرؤية منامية، هذه رؤية منامية، رأت هذه الرؤية أن نورًا يخرج منها، وهذا إيذان وإشارة إلى أنها ستنجب من له شأن عظيم، بل هو النور صلوات ربي وسلام عليه، به يخرج الله جل وعلا الخلق من الظلمات إلى النور، به عليه الصلاة والسلام. وذكر قصور الشام في هذا الحديث أن هذا النور تضاء منه قصور الشام، قال العلماء: وهذا من شرح بعضهم إشارة إلى أن بلاد الشام هي من أول البلاد التي ستفتح من أول البلدان التي ستفتح على يد رسولنا عليه الصلاة والسلام، وقد تحقق ذلك. هذا إخواني في الله، إن كان من شيء يذكر في بداية أمره وهما الأمور الغريبة التي رؤيت لأمه، هذه الرؤية. هذا التنبيه الأول إخواني في الله. التنبيه الثاني مما يذكر بعد الفراغ من تحديد الفترة الزمنية من ميلاده عليه الصلاة والسلام، أنه لا يستفاد من هذا التحديد بأن يستغل عيدًا من الأعياد فيحتفل به كما جرى عليه عمل بعض الناس مما يسمونه بالمولد، الاحتفال بالمولد. وقد تكلم العلماء قديمًا وحديثًا على بدعية الاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام، وأن ذلك ليس بمشروع، والأسباب كثيرة جدًا وليست في مقام ذكرها وسردها وبيانها. لكن حسبك يا عبد الله أن تعلم أن الاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام لم يذكر في كتاب ربنا جل وعلا، ولم يشرعه لنا نبينا عليه الصلاة والسلام، مع أنه هو صاحب الشأن، فلم يشرع لنا الاحتفال بوقت مولده عليه الصلاة والسلام، وما أثر ذلك عن أصحابه الكرام، وهو من أشد الناس تمسكًا بالدين، بل وحبًا لرسولنا الكريم وتمسكًا بهذا المنهاج القوي. وكيف لا وقد بذلوا الغالي والرخيص في سبيله، ومع ذلك ما أثر عن أحد منهم قط أنه احتفل. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي». وهكذا القرون المفضلة من التابعين، ما أثر عن أحد من الأئمة المتبوعين أنه احتفل. فكفاك يا عبد الله، هذه إشارة وإلماحة وإفادة من أنه ما ينبغي لمن بعدهم أن يحتفل، لو كان خيرًا لسبقون إليه. التنبيه الثالث مما يذكر في هذا المقام أن الناظم رحمه الله تعالى اكتفى بذكر ميلاده عليه الصلاة والسلام، أي بذكر الفترة الزمانية التي ولد فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكنه ما ذكر لنا مولده وأعني بذلك المنطقة الجغرافية التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن باب الفائدة نشير إلى المحل وإلى المكان الذي ولد فيه نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذه المسألة وقع فيها خلاف، وإن كان ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر الاتفاق على أن رسول الله عليه الصلاة والسلام ولد في مكة، ولكن تم الاختلاف في التحديد أين في مكة بالذات. مع أن جماعة من أهل العلم لم يذكر الإجماع، بل ذكر الاختلاف حتى في مكة أو خارج مكة. وإن كان مذهب جماهير العلماء يرون أن رسول الله عليه الصلاة والسلام ولد في مكة. وأشهر الأقوال المذكورة والمأثورة عند أهل السير وفي كتب التواريخ وعند المؤرخين أنه عليه الصلاة والسلام ولد في دار أبي طالب، وكانت قريبًا من الصفا، ثم كانت لعقيل بن أبي طالب. منهم من قال أنها وهبت له، ومنهم من قال أنه قد تم الاستيلاء عليها، الله أعلم. ويراجع في ذلك المطولات. فأصبحت هذه الدار لعقيل بن أبي طالب برها من الزمن، ثم أصبحت لأولاده من بعده، ثم بعد ذلك باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج، وسماها بالدار البيضاء لأنها بنيت بالجص. وأصبحت عنده فترة من الزمن، ثم توالت البيعات والدول والحضارات والشعوب، ويذكرون فيما يذكرون أنها الآن مكتبة عامة في مكة. هذا هو القول المشهور عند كثير من المؤرخين، وليس هذا هو القول الأوحد في هذه المسألة، بل الخلاف حاصل في التحديد. ولهذا قال الإمام المغلطائي رحمه الله تعالى في كتابه «الإشارة إلى سيرة المصطفى وتاريخ من بعده من الخلفاء»: «ورد صلى الله عليه وسلم بمكة في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج، ويقال بالشعب، ويقال بالردم، ويقال بعسفان»، أي هذه أقوال تحكى وتذكر وهي محل خلاف عند أهل العلم. لكن الأشهر ما سمعتم، إلا أن جماعة من المعاصرين حريص على أن يحدد البقعة التي كانت فيه مولده عليه الصلاة والسلام، وحتى أن بعضهم يقرأ مثل هذه الفوائد ليس فقط من باب الفائدة، بل الأمر عنده تقديس، حتى أن بعضهم يتتبع مثل هذه المقولات ثم يذهب إلى المكان أين المكتبة العامة؟ أين دار عقيل؟ أين دار فلان؟ أين هي الآن؟ أين محل؟ ثم ماذا؟ ثم يحاول أن يلجأ إلى هذه البقعة إن كانت دارًا إن كانت شارعًا إن كانت أي شيء، ثم يلتمس منها البركة. وهذا موجود وهذا حاصل، حتى وجد من بعض المعاصرين من الكتاب من يكتب في الجرائد في مثل هذه الأزمان ويدعو الدولة ويدعو وزارة الأوقاف وغيرها ممن لها علاقة بهذا الشأن أن تنهض لإحياء مثل هذه الأماكن التي لها تعلق بسيرة عليه الصلاة والسلام كمحل مولده، بأن تحيى مثل هذه الأماكن وأن تذكر وأن تبنى وأن يشد لها أنظار الناس. طبعًا هذا الأمر مما لا يجوز، وقد نبه العلماء إلى المنع من ذلك، إلى المنع في ذلك، وإن كانوا يسمونه بأمور تاريخية إحياء التاريخي، لكن عند الناس سيكون مساء العقدية من التبرك والالتجاء والاستغاثة. فالشاهد إخواني في الله، هذا ما يتعلق بمحل مولده كما يذكره العلماء في كتبهم، وإنما ذكرنا تتم لهذا المحل. إذن إخواني في الله، وبهذا انتهينا من هذه الأبيات الأول والتي أطلنا فيها النفس لأنها من أعظم المسائل اهتمامًا عند المفسرين في بيان تاريخ ميلاده ومولده عليه الصلاة والسلام. ثم بعد ذلك بعد هذا البيت، بعدما قال المؤلف رحمه الله تعالى: «مولده في عاشر الفضيل ربيعًا الأول عام الفيل، لكن المشهور ثاني عشره في يوم الاثنين طلوع فجره». قال رحمه الله تعالى: «ووافق العشرين من نيسانا وقبله حين أبيه حانا». قوله رحمه الله: «ووافق العشرين من نيسانا»، المؤلف رحمه الله تعالى الناظم بعدما ذكر تاريخ الولادة وهو كما قلنا يوم الاثنين في شهر ربيع الأول عام الفيل باختلاف التحديد اليوم الثامن أو التاسع أو العاشر أو الثاني عشر كما مر الخلاف ذلك، أراد المؤلف أن يأتي لنا بفائدة وهو أن تاريخ مولده عليه الصلاة والسلام كان في شهر ربيع الأول على حسب الأشهر الهجرية، فناسب أن يذكر لنا الموافقة للأشهر الشمسية. فقال أن هذا وافق نيسان، وافق شهر نيسان بالتحديد العشرين من نيسان. قال: «ووافق العشرين من نيسانا»، وهذا الذي عليه العلماء كما ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى ونقله عن السهيلي رحمه الله تعالى حيث قال: «وأهل الحساب يقولون وافق مولده من الشهور الشمسية نيسان، فكانت لعشرين مضت منه». وطبعًا في هذه الأزمان استطاع جماعة من أهل الفلك من تتبع التاريخ حتى وصلوا إلى تحديد السنة الميلادية تحديد السنة الميلادية، فخلصوا إلى أن مولده في السنة الميلادية وافق عام خمسمائة واحد وسبعين. إذن سيكون على هذا التاريخ مولده على حسب الأشهر الشمسية عشرين نيسان عام خمسمائة واحد وسبعين ميلادي، هذا الذي عليه أكثر العلماء قديمًا وحديثًا في تحديد مولده عليه الصلاة والسلام. طبعًا نيسان إخواني في الله هذا على حسب اللهجة السريانية، ومن باب الفائدة الأشهر الشمسية لها التسمية على حسب الحضارات وعلى حسب الثقافات، فهناك الحضارة الرومانية وهناك السريانية وكل له تسمية لأشهره. فمثلاً عندي شهر يناير هو لدي شهر واحد، يناير يقابله في السريانية كانون الثاني، الشهر الثاني فبراير يقابله شباط، الثالث مارس يقابله آذار، الرابع إبريل يقابله نيسان، يعني تقول مولد الرسول على ما يذكره العلماء قديمًا وحديثًا عشرين نيسان، أي عشرين إبريل، عشرين أربعة خمسمائة واحد وسبعين ميلادي هكذا سيكون تحديد مولده عليه الصلاة والسلام. إذن إبريل وهو الشهر الرابع يوافق في اللغة السريانية نيسان، وهذا معمول به كذلك لا زال في بعض الدول تتعامل بهذا التاريخ، تسمع شباط، آذار، نيسان. هذا نعم لأنه حضارة قديمة ولا زال بعضهم يسير عليه. فعندي إبريل شهر أربعة يوافقه نيسان، ومن باب الفائدة عندي مايو شهر خمسة يوافقه آيار، يونيو ستة حزيران، سبعة يوليو تموز، ثمانية أغسطس يوافقه آب، وتسعة شهر سبتمبر يوافقه في شهر أيلول، ثم أكتوبر تشرين أول، نوفمبر تشرين الثاني، ديسمبر كانون الأول. فهناك هذا كلها تعتبر أشهر شمسية لكن حسب الحضارة إما بالرومانية وإما بالسريانية. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: «ووافق العشرين من نيسان»، أي أراد المؤلف الحساب لميلاد الرسول من الناحية الأشهر الشمسية. وأما قوله رحمه الله تعالى: «وقبله حين أبيه حانا»، هذا ما يتعلق بموت أبيه عليه الصلاة والسلام، وسنرجئ الكلام على هذه المسألة وعلى هذا الشطر من البيت إلى درس غد لأن تحته مسائل يطول ذكرها. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.