الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يستفاد من حادثة أصحاب الفيل العديد من الدروس، منها الحسد الذي يكنه أهل الكتاب للمسلمين ومحاولات تفسير الحادثة بطريقة عقلانية. يُظهر الرد على هذه التفسيرات بأن القدرة الإلهية تظهر في كلا التفسيرين.
كانت حادثة الفيل دليلاً على نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم وليست بسبب كرامة العرب أو قريش، بل كانت صيانة للبيت الحرام وبعثة النبي. ذكر آراء العلماء مثل شيخ الإسلام وابن كثير يدعم هذا التفسير.
كانت حادثة أصحاب الفيل تمهيدًا لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتشير إلى حفظ الله لبيته الحرام. يُشترط حفظ أهله لشعائره وعدم إهماله، وتحذر من عواقب إهمال البيت الحرام وارتكاب المعاصي فيه.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام تواضع المتحدث واعترافه بعلم الله تعالى، ويُنهي بالتأكيد على علم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، بالأمس إخواني في الله كان حديثنا عن حادثة أصحاب الفيل، وإنما ناسب ذكرها عند معرض حديثنا عن ميلاده عليه الصلاة والسلام، وأنه ولد في هذا العام، فكان مما يناسب ذكره أن أشرنا إلى هذه الآية وإلى هذه الحادثة العظيمة، وذكرنا ما يتعلق بخلاصتها مما ذكره المؤرخون في كتبهم، وهكذا المفسرون في تفاسيرهم. وإن مما يجدر أيضًا في هذا المقام أن نذكر شيئًا من الفوائد التي يستفيدها المسلم من هذه الحادثة التي وقعت في زمن مولده عليه الصلاة والسلام، وفي عامه الذي يولد فيه. ومن هذه الفوائد إخواني في الله أولًا أن نعلم الحسد الذي زرع في قلوب النصارى، وأيضًا في قلوب سائر أهل الكتاب والملل والنحل، فرأينا كيف أن أبرهة عندما بنى تلكم الكنيسة كان همه ومبتغاه أن يصرف العرب عنها. وهكذا حالهم، لا زال يتنامى الغيظ والكيد والكره والبغض لهذه الأمة بعدما أرسل إليها النبي الأمي عليه الصلاة والسلام، وجاء بشريعة الإسلام، وأتى بهذا القرآن، فلا زال هذا الحسد يتنامى. ود كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم. وهكذا يقول ما يتعلق باليهودية الصهيونية، ومن كان من أذنابهم، ومن كان يسير خلف فلكهم، لا زال يكن هذا البغض والكره والمقت والحسد لبيت الله خاصة. فهؤلاء الروافض -قبحهم الله- يحومون حول بيت الله الحرام، إن تمكنوا من الحج تسلحوا بالأسلحة والسكاكين حتى يقتلوا الدم الحرام ويسفكوه عند بيت الله، أو ما نراه من قبل الروافض عندنا الذين يرسلون بالصواريخ اختلاسًا إلى بيت الله. هذا كله ضغينة لما يكنه أعداء الدين لهذا البيت المعظم. فهذه القصة فيها إشارة لهذه الضغائن التي وجدت في أهل الكتاب إزاء بيت الله الحرام كذلكم. وفي هذه القصة بيان حقيقة ما وقع، وكيف أن الله جل وعلا هزم جيش أبرهة بتلكم الطير طيرًا أبابيل. وللأسف أننا نجد من بعض الناس، سواء كانوا ممن ينتسبون إلى الفكر الإسلامي أو من المستشرقين، ممن لا يثبتون هذه القصة على حقيقتها، وخاصة ما يتعلق بإرسال هذه الطيور بما حملته من طين ومن حجارة. فمنهم من يركن إلى عقله كالعقلانيين حديثًا ممن يرى أنه من الصعوبة بمكان أن يقتنع أو يقنع غيره من وجود طيور بهذه الشاكلة. طيور تأتي من لا شيء، غريبة الشكل، غريبة اللون، لها حجارة في مناقيرها، ثم ترسل بهذه الحجارة على جيش عرمرم فيموت. هكذا العقل ما يقبل هذا الشيء، هكذا يزعمون. الفكر العقلاني لابد أنه يتقبل شيء يقبله العقل أولًا قبل كل شيء. أو من كان من علماء المعاصرين ممن يريد أن يقنع الغربيين بدين الإسلام، فيقول: إنه من المعضلات التي نواجهها عند دعوة الغربيين هذه القصة. فعندما نخبرهم عن طيور أتت ورمت، يقول: كيف هذا؟ إيش من طيور هذه؟ فيقول: ما نستطيع أن نقنعهم، وهم كفر. فإذ بهم يلجأون إلى تغيير مسار القصة، فيقول: نعم، إن جيش أبرهة قدم إلى مكة، وأن الله رد كيده، لكن بماذا؟ قالوا: بمرض، بأن الله نشر بينهم الأمراض والميكروبات، فكان من هذه الأمراض التي انتشرت في جيشهم الجدري والحصبة، فماتوا، فماتوا عن بكرة أبيهم. قالوا: هذا السيناريو يمكن أن العقل يقبله، ويمكن للكافر أن يقتنع به. فهكذا مرر، وهذا موجود عند كتب البعض المعاصرين، إنه يشير إلى هذه الآية بهذا التصوير وبهذا التفسير، أن الطير الأبابيل عبارة عن ميكروبات أرسلها الله، وأن الهلكة كانت بمرض جدري وما كان من أشباه من الأمراض المستعصية. فنقول: سبحان الله، سبحان الله. نقول: فرضًا وجدلًا لو ذهبنا إلى ما ذهبتم إليه، فماذا كان؟ إن هربتم إن هربتم من قدرة الله من أنه ما أرسل طيرًا ترمي بحجارة، فأنتم بالمقابل أثبتتم قدرة الله على أنه في آن واحد، في وقت واحد، في لحظة واحدة أرسل الجدري إلى ستين ألف جندي مع الفيلة وقتلهم عن بكرة أبيهم. أليس هذا قدرة الله؟ وهذا قدرة الله؟ فماذا فعلتم؟ لا شيء. فإذا كان الكافر سيستعصي في الأمر الأول، سيستعصي في الأمر الثاني ولا محالة. فدع عنك يا عبد الله التصحيف والتحريف والتأويل، واعلم بأن الله على كل شيء قدير، بأن الله على كل شيء قدير. فالآية واضحة، وأقوال المفسرين وكتب التاريخ مليئة بحقيقة هذه القصة، وأن الله جل وعلا أرسل طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة، بحجارة من سجيل. كذلكم الفائدة الثالثة تستفاد من هذه القصة، أن هذه القصة وهذه الواقعة تعتبر دليلًا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. وهذا يجرنا إلى سؤال مهم: هذه الواقعة وما كان من دفاع الله عن أهل مكة بسبب ماذا؟ هل بسبب العرب لرفعتهم لرتبتهم لمنزلتهم؟ الجواب: لا، ما كان لأجل العرب. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وكان جيران البيت مشركين يعبدون الأوثان". من هم جيران البيت؟ قريش، يتحدث عن قريش. قال: "وكان جيران البيت مشركين يعبدون الأوثان، ودين النصارى خير منهم". لو أردنا بعمل معادلة ومقايضة بين الأديان لا مساواة، فأبرهة نصراني، ودين النصارى من أهل الكتاب، وهو أعظم رتبة ومقامًا عند الله من دين الوثنية الذين هم في الحقيقة لا دين، عباد الأوثان والأنجاس والأرجاس. فقال شيخ الإسلام: "وكان جيران البيت مشركين يعبدون الأوثان، ودين النصارى خير منهم". فعلم بذلك أن هذه الآية، أي حادثة الفيل، أن هذه الآية لم تكن لأجل جيران البيت حينئذ، بل كانت لأجل البيت، أو لأجل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ولد في ذلك العام عند البيت، أو لمجموعهما للبيت وللنبي عليه الصلاة والسلام. قال: "وأي ذلك كان فهو من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام". أي أن حادثة الفيل لم تكن من أجل العرب، لا هم كانوا أهل الكفر وشرك، عباد الأصنام والأوثان، أهل اللات والعزى، إنما دافع الله عن أهل مكة لأجل البيت الحرام ولأجل بعثة نبيه عليه الصلاة والسلام في هذا المكان. ولهذا يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: "كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيرتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء". انتهى كلامه رحمه الله. ولهذا أجمع العلماء من المفسرين ومن المؤرخين على أن حادثة أصحاب الفيل ما كانت إلا توطئة وتمهيد لبعثته. وكأن الخطاب لأهل الأرض أن هذه الحادثة العظيمة إنما وقعت لحصول شيء سيقع عظيم، وهي بعثة رجل وهو النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا امتن الله جل وعلا على قريش بهذه النعمة، وهو الحفاظ على بيته. وأنتم تعلمون أن سورة الفيل ما الذي بعدها من سور القرآن؟ سورة قريش. سورة قريش، بعدما تنتهي من قراءة سورة الفيل تنتقل بعدها بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾. كأن حادثة الفيل إشارة إلى تعظيم بيت الله الحرام، حتى أن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه كان يرى أن سورة الفيل وقريش سورة واحدة. أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه يرى أن سورة الفيل مع سورة قريش تعتبران سورة واحدة، يفصل بينهما بالبسملة لشدة العلاقة بينهما. وإن كان جماهير العلماء على أن هذه السورة مستقلة، وهذه السورة مستقلة كل على حدة. لكن لما رأى أبي من عظيم الرابطة بين السورتين، فكانت حادثة الفيل فيها المن على أهل قريش بأن الله صان هذا البيت، وذلك لا لأجلكم، وإنما صيانة لبيت الله الذي سيبعث الله جل وعلا فيه نبيًا رسولًا، وهو خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام. وقال العلماء: ووجه الدلالة والدلالة الكثيرة على أن حادثة الفيل توطئة لبعثة رسول الله عليه الصلاة والسلام من أوجه ذلك، قالوا: لو أن الحبشة تمكنوا وتمكنوا من مكة فكسروا الكعبة، إذن ماذا سيفعلون؟ سيستولون على بلاد العرب، وسيتخذون من الرجال عبيدًا ومن النساء إماءًا واستحلالًا. فحينها ماذا ستختلط الأنساب؟ وسيضيع النسب الشريف عليه الصلاة والسلام. فكان من حفاظ النسب الشريف لنبينا أن الله أذهب بالحبشة عن بكرة أبيها وأبادهم، صيانة صيانة كما قل: ليس لأهل مكة، وإنما لهذا النبي الأمي عليه الصلاة والسلام. هذه توطئة توطئة لنسبه. كذلكم مما يدل على دلالة النبوة في هذه الحادثة أن قريشًا بعدما رأت ما صنعه الله جل وعلا بأبرهة، حينها زاد تعلقهم ببيت الله، بل ليس على مستوى قريش، بل على مستوى الجزيرة بأسرها، حتى أن العرب والقبائل والعشائر والبطون قد دانت لقريش بالتقديم. فكان من أهل قريش الرفادة والسقاية والحجابة، وكل أمور البيت إليهم، وكان هم الحكام وهم الزعماء في فض القضايا لعظيم منزلة بني هاشم أو من حماية الله لأهل مكة. فكان في هذه الآية عظيم تعلق القريشيين ببيت الله وبالله سبحانه وتعالى. فكان في هذا العام أن بعث الله رجلًا من عنده، وهو نبينا عليه الصلاة والسلام. فكانت هذه الآية كما قال المؤرخون هي تمهيد لبعثته عليه الصلاة والسلام. أخيرًا إخواني في الله، مما يذكر من هذه الحادثة أن فيها حفظ الله جل وعلا لبيته الحرام. فالكعبة وبيت الله لا زال محفوظًا بحفظ الله قديمًا كما وقع لأبرهة، أن جعل الله كيده في تضليل. وهكذا مستقبلًا فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة، قال عليه الصلاة والسلام: "يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض -أي في مكان فسيح في فضاء- حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم، قضى الله عليهم". هذا في حق من؟ هذا في حق جيش عقد النية على أن يغزو الكعبة. فربنا جل وعلا تكفل بحفظ بيته. وكما سمعت لا زالت المؤامرات قديمة وحديثة تحاك لبيت الله، إلا أن الله يرد كيدهم في نحورهم. لكن هذه أو هذا الحفظ حفظ الله لبيته متى ما كان أهله قد حافظوا عليه، إذا قام أهل الإسلام بحفظ بيت الله، وذلك بالقيام بحقه وأداء حقوقه وشعائره، بإبقائه قبلة للمسلمين، وبكثرة العاكفين والساجدين والطائفين، وبالحجاج والمعتمرين. متى ما كان هذا البيت محفوظًا بشعائر الله، فالله يحفظه. لكن إذا انعكس الأمر، إذا انعكس الأمر وأصبح هذا البيت مهجورًا، ترك لا يؤبه له، لا يبالي الناس به، لا يرفعون له رأسًا ولا يلقون له بالًا، فشى فيهم الطغيان والعصيان، وفعل المحرمات والشركيات، وشرب الخمور والدعارة والزنا، وأهمل وقل من يأتيه. إذا كان كذلك فحينها سيرسل ربنا جل وعلا الحبشة مرة أخرى، لكن هذه المرة إذا أرسلهم الله سيكسرونها ويخربونها، ليس كالمرة الأولى التي دافع الله عنها. فنفهم هذا. ومما يدل على ذلك ما جاء في روايات الصحيح، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة". رواه مسلم. الحبشة وراءهم، وراءهم، ستأتي أبرهة. جاء" في مسجد الإمام أحمد بإسناد صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "ولن يستحل البيت إلا أهله". أي بفعل المعاصي والذنوب والخروج عن شرع الله جل وعلا. "ولن يستحل البيت إلا أهله". فإذا استحلوا فلا يسأل عن هلكة العرب. ثم تأتي الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده أبدًا. قال العلماء: وهذا إشارة إلى آخر الزمان، إذا عم الفساد فستأتي الحبشة وستخرب الكعبة حجرًا حجرًا. وهذا الحديث ذكره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة. وجاء كذلك من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلع أُفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله". وتأمل في هذا الحديث الذي يخبر فيه نبينا صلى الله عليه وسلم على دقة وصفه عليه الصلاة والسلام لهذا الفاعل، وهذا الخبيث الذي يرسله الله في آخر الزمان لتكسير الكعبة. قال: "ولكأني أنظر إليه". طبعًا بعدما يأخذ الحلي ويجردها من كسائها الذي قد جعل عليها، فيجعل حجارته صامتة. قال: "وكأني أنظر إليه أصيلع". إشارة إلى انحسار إشارة رأسه. قال: "أُفيدع". والفدع يقول العلماء: هو عبارة عن زوال مفاصل الجسد عن مكانه، أن المفصل يزال عن مكانه. وهذا الرجل كان الفصل بين مفصل القدم والساق، مفصل القدم والساق، فهذا محل فيدعه. فقال: "فكأني أنظر إليه أصيلع أُفيدع يضرب عليها بمسحاته وبمعوله". فهذا كما يقولون إخواني في الله: سيكون في آخر الساعة. وهذا إذا ترك الناس العمارة لبيت الله الحرام، فإذا كان كذلك فلا بقاء له في هذه الأرض. هذا إخواني في الله ما يذكر من فوائد تذكر في حادثة أصحاب الفيل. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.