صلح الحديبية مسائل وأحكام 27

صلح الحديبية مسائل وأحكام 27

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قبول التوبة ومغفرة الذنوب العظيمة

يروي المقطع موقف المغيرة بن شعبة في صلح الحديبية حيث قبل النبي إسلامه ورفض ماله الحرام، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث تؤكد أن الله يقبل توبة من تاب إليه بصدق مهما عظمت ذنوبه. كما تُذكر قصة الذين قتلوا وأكثروا وسألوا عن التوبة فأنزل الله آية المغفرة العامة.

قصة قاتل المائة نفس وقبول توبته

يروي النبي ﷺ قصة رجل من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفساً ثم أراد التوبة، فرفض راهب قبول توبته فقتله وأكمل المئة، ثم دلّه عالم على الهجرة إلى أرض صالحة فمات في الطريق. قاس الملائكة المسافة فوجدوه أقرب إلى أرض الطاعة فأخذته ملائكة الرحمة، مبيناً أن باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس من مغربها أو تبلغ الروح الحلقوم.

شروط قبول التوبة ومثال فرعون في رفض توبة الغرغرة

يشرح المقطع أن التوبة لا تُقبل عند حضور الأجل ووصول الروح إلى الحلقوم (الغرغرة)، مستشهداً بقصة فرعون الذي رُفضت توبته في لحظة الغرق. ويبين شروط التوبة الصحيحة وهي: الندم على الذنب، والإقلاع عنه فوراً، والعزم الصادق على عدم العودة إليه، محذراً من التوبة اللفظية مع نية المعاودة.

الشرط الرابع للتوبة: التحلل من المظالم

يشترط لصحة التوبة أن يتحلل العبد من مظالم العباد في الدماء والأعراض والأموال، ويجب عليه أداء الحقوق أو طلب العفو ممن ظلمهم قبل لقاء الله. يؤكد المقطع أن هذا الشرط رابع شروط التوبة المكملة للندم والإقلاع والعزم.

  • 10 جمادى الآخرة 1447هـ - 30/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فازلنا في موقف من مواقف صلح الحديبية، وهو موقف عندما جاء عروة بن مسعود يكلم النبي عليه الصلاة والسلام، وكان فوقه ابن أخيه المغيرة، أي فوق النبي عليه الصلاة والسلام ابن أخي عروة المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه. فذكر فلما قال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: يا لكع، إنما تسعى في... أو قال: لازلت تسعى في غدرتك. قال الراوي: وقد كان المغيرة بن شعبة صحب أناساً في الجاهلية فأمنوه فقتلهم وأخذ أموالهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما الإسلام فنقبل، وأما المال فلا»، المال الحرام الذي أخذه من هؤلاء الذين أمنوه فقتلهم وأخذ أموالهم. فقال هنا النبي عليه الصلاة والسلام: «أما الإسلام فنقبل»، فدل على أن التوبة تقبل من كل أحد تاب إلى الله جل وعلا، ولو اقترف ما اقترف من الذنوب. سمعنا في قراءة إمامنا حفظه الله قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، فقال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾. قال الحسن البصري رحمه الله: قال هؤلاء الذين قتلوا أولياء الله وحرقوهم بالنار، فعرض الله عز وجل عليهم التوبة، قتلوا أولياء الله وحرقوهم بالنار، فوق هذا أن الله عز وجل عرض عليهم التوبة، ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾، أي أنه إذا تابوا تاب الله عز وجل عليهم. ولهذا مهما فعل الإنسان من جرائم، من عظائم، من منكرات كثيرة، قتل وزنا وكذا، فإذا تاب إلى الله تاب الله عز وجل عليه، مهما اقترف من الذنوب. الله عز وجل يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي قال: جاء أناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فقالوا: يا رسول الله، هل لنا من توبة؟ قتلوا وزنوا، فقالوا: هل لنا من توبة؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وأنزل الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾، فعرض الله عز وجل عليهم التوبة. لهذا في قصة... في حديث... في قصة الذي قتل تسعا وتسعين نفساً، انظر إلى من لم يعرف شرع الله فإنه لم يفته بقبول التوبة. هذه القصة حكاها النبي عليه الصلاة والسلام: أن رجلاً من بني إسرائيل قتل تسعا وتسعين نفساً، فجاء فأراد أن يتوب، فجاء إلى راهب، راهب من النصارى وهو العابد، فقال له: هل لي من توبة؟ أريد أن أتوب، قتلت تسعا وتسعين. قال: لا أجد لك توبة. قال له هذا الراهب: قتلت تسعا وتسعين نفساً، لا أجد لك توبة. قال: فقتله وكمل المئة. ثم إنه ذهب إلى عالم، فقال له: إني قتلت مئة نفساً وأريد الآن أن أتوب، فهل لي من توبة؟ قال: وما يمنعك من التوبة؟ ما الذي يمنعك من التوبة؟ باب التوبة مفتوح. قال: إلا أنك بأرض سوء، اذهب إلى أرض فلان أو أرض المنطقة الفلانية، معناه يقصد: فهناك أناس صالحون يعبدون الله، فاعبد الله معهم. فذهب هذا الرجل إلى تلك البلاد حتى يعبد الله، فمات في الطريق. مات في الطريق، فجاءت ملائكة العذاب وجاءت ملائكة الرحمة لأنه تاب، وتخاصم فيه من الذي أخذه. وهذا ربنا جل وعلا جعله من باب كيف تفعل التوبة بالعبد مهما حصل منه. فقالوا: نحكم بيننا أحد. فجاءهم ملك على أنهم يحكمونه في هذه القضية. فقال: قيسوا ما بين البلدتين، فما كان أقربها فهم... إذا كان أقرب إلى البلدة التي هو فيها التي فيها أهل السوء فتأخذه ملائكة العذاب، وإذا كان أقرب إلى القرية التي فيها هؤلاء أهل العبادة والطاعة فتأخذه ملائكة الرحمة. فقال... فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فلما قاسوا وإنه لينوء بصدره»، أنا الله عز وجل جعل له كأنه حي ينوء بصدره إلى الأرض الطيبة. هذا... هذا لما قاسوا، قاسوا المسافة، حصلوا، وجدوه أقرب إلى القرية التي أهلها أهل عبادة وأهل طاعة، فأخذته ملائكة الرحمة. فهذا انظر: رجل قتل هؤلاء النفر، مئة نفر، قتلهم مئة شخص، لكن قبل الله عز وجل توبته. لهذا لا يأس الإنسان من التوبة مهما فعل. بعض الناس الآن يقول: أنا ما سيتوب الله عز وجل علي، فعلت وفعلت، فالله عز وجل قد فتح باب التوبة، باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس من مغربها، كما جاء في حديث... عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها». وأيضاً يقبل الله عز وجل توبة العبد ما لم يغرغر، كما جاء في صحيح مسلم: «يقبل الله توبة العبد ما لم يغرغر». معناه: ما لم تطلع روحه، مكان الغرغرة المكان الذي يتغرغر فيه النفس، إذا طلعت روحه إلى ذلك المكان خلاص، معناه ما تقبل توبته، مثل ما حصل من فرعون ذلك الطاغية، لما رأى أنه سيموت وقد طلعت نفسه إلى الغرغرة، فقال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. فقال الله عز وجل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فهذا ليس فيه رد لتوبته، وإنما فيه أن الوقت الذي تاب فيه ليس وقتاً صحيحاً، لأنه خلاص قد بلغت الروح الحلقوم، وقد بلغت الروح الغرغرة، لهذا لم يقبل الله عز وجل توبته. لو أنه تاب قبل أن يغرق، تاب إلى الله عز وجل قبل الله عز وجل توبته. بل أرسل الله عز وجل إليه ملكين رسولين كريمين، موسى وهارون، لأجل أن يدعياه إلى دين الله عز وجل، فقال الله عز وجل: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. فالله عز وجل أرسل إليه الرسل لأجل أن يتوب ويؤمن، لكنه حاربهم وتكبر وتجبر وطغى في الأرض حتى أغرقه الله عز وجل وقومه. لهذا فالتوبة بابها مفتوح، لكن لها كما ذكر العلماء شروطاً: أولاً أنه يندم على ما فعل، وأيضاً يقلع مما هو فيه من المعصية، وكذلك يعزم على عدم العودة، يعزم على عدم العودة. أما إذا كان مثلاً يتوب، يقول: استغفر الله وأنا تائب لله، وهو في نفسه أنه سيعود إلى هذا الذنب، مثل كثير من الشباب الذين يعشقون وغير ذلك مع البنات وكذا، تجد أنه يجد نفسه أنه ملام وأنه عاص وأنه يفعل أشياء خطأ، يريد أن يتوب، لكن نفسه الضعيفة تخدعه وتغره وتجعله لا زال يعزم على هذا. هو يقول: أنا تائب، بل قد يدعو الله عز وجل أنه يتوب عليه، لكنه لا زال مصر على هذا الذنب. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. لهذا التوبة لا يقبلها الله عز وجل إلا إذا عزم العبد على عدم العودة إلى ذلك الذنب. لهذا كما قلنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما الإسلام فنقبل، أما الإسلام فنقبل»، فمع أنه قتل وأخذ أموال الناس، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: المال الحرام نحن ما نقبله، والدماء التي عليك ما نقبلها، لكن نقبل الإسلام. وأما تلك الأشياء فالإنسان يصفيها مع نفسه ويتحلل ممن ظلمه. لهذا الشرط الرابع من شروط التوبة هو التحلل من المظالم، إذا كان عنده مظالم للناس سواء كان في الدماء أو في الأعراض أو في الأموال، فإنه يجب عليه أن يتحلل. فهذا ما يذكر في هذا المقام، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.