تأملات في آيات الصيام 4

الدرس في تأملات في آيات الصيام 4، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

أحكام الفطر والقضاء للحامل والمرضع والمريض في رمضان

يشرح المقطع أحكام الفطر للمريض والمسافر وجواز تفريق القضاء، ثم يفصل في حكم الحامل والمرضع: إذا خافتا على نفسيهما وجب الفطر والقضاء فقط، وإن خافتا على ولديهما اختلف العلماء بين وجوب الإطعام مع القضاء وبين الاكتفاء بالقضاء فقط، مع بيان مقدار الإطعام وشروطه.

أحكام الصيام للمجنون والمغمى عليه وكبير السن المتقطع العقل

يرى جمهور العلماء أن المجنون إذا أفاق لا قضاء عليه لأنه كان غير مكلف، وكذلك المغمى عليه إذا أغمي عليه بعد الشروع في الصيام وأفاق في نفس اليوم يتم صومه، أما إذا طالت غيبوبته فيقضي، وكبير السن الذي يتقطع عقله لا يجب عليه صيام ولا قضاء لفقدانه الأهلية المستمرة.

حكم صيام المجنون والمغمى عليه وأثر النية في ثبوت الأجر

بيّن المقطع أن المجنون والمغمى عليه معفيان من الصيام ولا يكلفان به، وأن إبطال عبادة المسلم يحتاج لدليل، مستدلاً بقصة المهاجر الذي مات في الطريق فكتب الله له أجر الهجرة كاملاً لنيته الصادقة، مؤكداً أن الأعمال بالنيات وأن النية الصالحة تسبق العمل وتكتب لصاحبها الأجر كاملاً عند الله.

الختام والدعاء مع ذكر المترجمة

يختتم المتحدث بالدعاء لله بالتوفيق للهدى والطاعة، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، مع الإشارة إلى أن الترجمة قامت بها نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلازلنا في آيات الصيام نتأمل في بعض أحكامها وما ذكره المفسرون والفقهاء والمحدثون في فقهها. وكنا وقفنا عند قوله جل جلاله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قرأنا كلام أهل العلم وذكرناه في تفسير هذه الآية، وذكرنا جملة من المسائل الفقهية المتعلقة بها في الرخصة في الفطر للمريض العاجز عن الصوم، أو الذي يشق عليه الصوم، أو الذي يتعبه الصوم ويؤخر شفاءه وبرأه وعلاجه. فمثل هذا يفطر، يفطر، قد يتعين عليه الفطر إن ثبت الضرر، فيجب عليه أن يفطر. قال جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم: فإن صام حال كونه يضره الصيام، هل يجزئه ذلك الصيام عن صيام الفرض الواجب في رمضان؟ إنسان كما ذكرنا بعض كبار السن، وهذا حدثني بعض أبنائهم في بعض مناطق شرق في المشقاص، يقول: "كيف الترابي يصوبوا وأنا مفطر؟" الترابي يعني الصغار. فمثل هذا يشق على نفسه. جمهور أهل العلم وهو المعتمد في الفتوى أن صومه صحيح ومجزئ، إلا أنه دخل في الكلف المذموم، ودخل في التكلف المنهي عنه. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، والآيات في هذا المعنى معلومة. وفي حديث أبي هريرة: إذا أمرتكم... أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» المستطاع. أما أن يكلف على نفسه فصومه صحيح، وإن كان قد لا يسلم من الإثم، قد لا يسلم من الإثم. الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. الله رحيم بنا، لا يكلف الإنسان نفسه ما لا يستطيع. فمن كان منكم مريضا أو على سفر، قلنا هذا مفهوم موافقة، فأفطر فيقضي عدة من أيام أخر. هل هي متتابعة أم يجوز تفريقها؟ بعض رواية عن الإمام أحمد أنه يجب التتابع، وهو قول داود الظاهري. جماهير العلماء على خلاف هذا. المعتمد في مذهب الشافعية، والمعتمد في مذهب الحنفية، والمعتمد في مذهب المالكية، وأيضا المعتمد في مذهب الحنابلة أنه لا يشترط التتابع بل يستحب، لأن لفظ الآية ليس فيه التتابع: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. عدة، فإذا حصلت العدة معا فبها، وإذا فرقها فقد أتى بالعدة. الأيام التي أفطرها في قراءة روتها عائشة، والإسناد فيه نظر. قرأت عائشة: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ﴾. هذه القراءة إن صحت فهي مما نسخ لفظا وتلاوة، ليس في المصحف موجود لفظة "متتابعات" في سورة البقرة في هذا الموضع من الآية، فهي مما نسخ لفظه، لم نقرأ به في القرآن، ونسخ حكمه وهو الإلزام بالتتابع. ظاهر الآية التراخي وجواز التراخي، ظاهر الآية جواز التراخي: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، كيف ما كانت العدة، كيف ما تيسر، كيف ما تيسر. من الأمور المهمة أيضا في هذه الآية العظيمة، في هذه الآية العظيمة حكم الحامل والمرضع. هذه المسألة لها صورتان: الحامل والمرضع لها صورتان. إما أن يعود الضرر إذا صاما عليهما، فهذا باتفاق العلماء، لا خلاف بين العلماء أنه يجب عليهما الفطر والقضاء. إذا خافت الصائم... المرضع التي ترضع الطفل الصغير، والحامل التي هي حامل على نفسيهما الضرر، حاصل على نفس المرضع ونفس الحامل. هؤلاء يقول العلماء كابن قدامة: لا يعلم خلاف بين العلماء أن الواجب الفطر والقضاء من قابل. حكمهم حكم المريض، حكمهم حكم المريض الذي عذره الله. هذه الصورة الأولى. الصورة الثانية: إذا كان الصوم لا يضرهما لكنه يضر جنين الحامل وولد المرضع، يتأثر الصبي أو الصبية بصيام أمهما حاملا أو مرضعا. هذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء على أربعة مذاهب. الحامل والمرضع إذا أمكنهم الصيام لكن شق ذلك على ولديهما، قال الطبيب للحامل: "والله إن صمتي الصيام يؤثر على جنينك، لا بد تفطرين". هذه الصورة، أو قال أو رأت المرضع أنها إن صامت ما في حليب، دنيا يابسة، ما في حليب، والطفل يصيح ويصيح، ومن الصبح إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب. هذه الصورة الثانية، صورة الثانية هذه فيها أربعة مذاهب عند العلماء. المشهور في مذهب جمهور العلماء أن عليهما طبعا الكل يقول يجب أن يفطر، لا ضرر ولا ضرار، يفطران. لكن ماذا عليهما لو أفطرى لأجل ولديهما؟ ماذا عليهما؟ جمهور أهل العلم أن عليهما شيئين: الإطعام وقضاء يوم الصيام الذي أفطره. الإطعام وقضاء يوم الصيام. الإطعام مد عند جمهور العلماء، ومدان عند أبي حنيفة. الفتوى على أنهما يخرجان مدين، ستمائة جرام وستمائة جرام، كيلو ونص تقريبا، ألف ومائتين جرام بمد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يزيد الإنسان فالزيادة خير كما ذكر الله عز وجل في غير موضع. كيلو ونص. القول الثاني في المسألة وهو قول المحققين من أهل العلم أنه لا يلزمهم الإطعام. ذكرنا في تفسير الآية أمس في الكلام على ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ أنها منسوخة عند جماهير الصحابة والتابعين والأئمة، خلافا لابن عباس رضي الله عنه وصح عنه ذلك، وخالفه ابن عمر وسلمة بن الأكوع وجماعة من الصحابة. فالمسألة الإطعام فيها شرط عند الفقهاء هو الاستطاعة، هكذا يفتي الأئمة الشافعي وغيره من الفقهاء أنه لا بد أن يكون مستطيعا على الإطعام. في الحامل والمرضع أخذ هؤلاء الفقهاء طريق القياس، طريق القياس. وعلى قولهم ينظر في حال هذه المرأة، ينظر في حال هذه المرضع، شوفها أسرة مرتاحة، أسرة عندهم فلوس، عندهم قدرة على الإطعام، أم ناس يعني كما قيل الناس على قد حالهم، تنظر إليهم على رأي الجمهور. هذا على تأصيل من يرى الإطعام والقضاء، الإطعام والقضاء. فعلى هذا يقال لهم: ينظر للحال، أنتم ميسورين؟ قالوا: والله الخير واحد، أمور طيبة، أطعموا احتياطا، عن كل، عن كل يوم مسكين، مقدار كيلو ونص. لو طبختم فهو أفضل، ما حبيتم تطبخون جائز لكم، خرجوا حب مما يأكله الناس. أما البر الذي يعطوه الغنم وكذا لا، جنبوا هذا، أعطوهم رز، أعطوهم دقيق، أعطوهم تمر، أعطوهم شيء مما يأكله غالب الناس. هذا مذهب أكثر الفقهاء على هذا الشيء. لكن المحققين من أهل العلم أنه لا يلزمهم الإطعام، وعليهم القضاء فقط. هذا القول هو الذي اختاره غير واحد من أهل التحقيق في هذه المسألة. والإنسان إن كان موسرا وأراد أن يخرج من الخلاف فليخرج من الخلاف، إن كان موسرا. انتهينا من الصائم المرأة الحامل والمرضع. طيب المجنون: إنسان مجنون وبعد فترة أفاق، تسع سنين وهو مجنون، وبعدين صحي. يقضي تسع رمضانات؟ ولا يبق ولا كيف يسوي؟ تسع أشهر معنا هذه المسألة. أفتى إمام مالك رحمه الله تعالى بهذا، قال: والمجنون عليه قضاء الصيام. فعلى هذا هذا الذي هو جنة تسع سنوات، تسع سنوات وهو مجنون، على مذهب الإمام مالك، وعلى مذهب الشافعي في القديم، في القول القديم. لأن الشافعي بعدين لما راح إلى العراق ولما نزل إلى مصر غير المذهب كاملا، غير المذهب. وهذا يدل على أن الإنسان لا يتعصب لأحد. كلهم إخوة: مالك، الشافعي، أحمد، أبو حنيفة، أبو ثور، الثوري، الأوزاعي، كلهم إخوان، كلهم قصدهم الله سبحانه وتعالى ورضاه سبحانه وتعالى. فالعصبية غلط، العصبية نحن كذا وانت كذا، هذه الأشياء من أمور الجاهلية. كلهم إخوة، فقهم واحد، كلهم على مذهب أهل الحديث إلا أصحاب العراق على مذهب أهل الرأي. ليس هذا موضع تفصيلي، فلا يتعصب الإنسان. الشافعي درس عند مالك، شيخه، يحبه، خالفه. هل هذا معناه يسب الشيخ ولا يحتقر الشيخ ولا معاد؟ يحترم حد، لا والله، هذا فهم الجاهل. لكن إنسان ينظر أدلة الكتاب والسنة وينظر الأدلة، يلقى الله سبحانه معاملة مع الرب سبحانه وتعالى، معاملة مع الله جل جلاله، لا مع الخلق. خالفه في أكثر ما قال، ومع هذا الشافعية صحابنا، الشافعية أخذوا من المذهب القديم أكثر من نحو عشرين إلى ثلاثين، وأخذوا القديم. وليس هذا موضع تفصيل. هذا هذا نوع اجتهاد آخر، وكل المسائل التي أذكرها فيها خلاف، مذهب الشافعية فيها خلاف في نفس المذهب، ونسأل الله أن يفقهنا في دينه. الشافعي في القديم كان يقول يجب عليه القضاء، لكن في الجديد بعد ما درس المسألة رجع إلى مذهب جمهور العلماء من أهل الرأي وأحمد وأكثر أهل العلم، على أن المجنون إذا أفاق ليس عليه شيء، لأنه حين جاء الصيام جاء الصيام وهو ليس من المكلفين بالصيام. هذا مكلف بالصيام حتى نقول تقضي، هذا ما هو مكلف بالصيام. هذا إنسان فقد عقله. الله عز وجل يقول: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾، هذا الرجل الذي يشهد ويعقل، هذا ما هو عاقل، مرفوع عنه القلم. كيف نفرض عليه وهو مرفوع عنه القلم؟ فمثل هذا معذور. هذا مذهب جماهير العلماء، خلافة للإمام مالك والقول القديم للإمام أبي عبد الله الشافعي رحمة الله تعالى على الجميع. الراجح في المسألة أن لا قضاء على المجنون إذا أفاق، إذا أفاق المجنون لا قضاء عليه. طيب، أفاق في نص رمضان، يصوم مع الناس الخمسة عشر الباقي، ولا يصوم الثلاثين كلهم؟ خمسة عشر، ولا ثلاثين يوم؟ خمسة عشر صحي وعرف الناس ويتكلم، خمسة عشر في الشهر. طيب فاتوا خمسة عشر يوم، يقضيها ما يقضيها؟ إلا على مذهب مالك والشافعي القديم. الآن أفاق، الآن وقت الخطاب عليه، الآن تنزل عليه الأوامر: يجب عليك الصلاة، يجب عليك الصيام، يجب عليك الحج، يجب عليك، يجب، يجب، يجب، الآن لأنه رجع له العقل. طيب المغمى عليه: إنسان أغمي عليه. يقول جمهور العلماء مثل أحمد والشافعي، خلاصة قول الفقهاء في هذه المسألة أن المغمى عليه إن أغمي عليه بعد شروعه في الصيام، أغمي عليه بعد ما تسحر، بعد ما تسحر أغمي عليه، ثم أفاق الظهر، أفاق الظهر، أفاق العصر، أفاق قبل الإفطار بخمس دقائق، قبل الإفطار بخمس دقائق، صحيح من الغيبوبة. مثل هذا يتم صومه، حكمه حكم النائم، والناس النائم، والناس. هذا أقرب إلى الحكم. وهناك من المغمى عليه من تذهب عليه أيام، فلان مرقّد في العناية له أسبوع كامل في غيبوبة تامة، في غيبوبة تامة. هذا ربما ما نوصيها، ما نوصيها، وهذا ربما ما يعني درى أنه في رمضان ونحو هذا. فمثل هذا يقول الفقهاء عليه القضاء، هكذا يقول جماعة من أهل العلم، منهم ابن سريج من أئمة القرن الثالث من فقهاء الشافعية في القرن الثالث، وغيرهم من العلماء، يقولون عليه القضاء في مثل هذا الموضع، يقضي ما فاته من أيام الغيبوبة، من أيام الغيبوبة. ومن الفقهاء من يقول: مثل هذا أقرب إلى المجنون، منهم من يقول: مثل هذا أقرب إلى المجنون. لكن الأحوط في مثل هذا كما يقول العلماء أن يقضي أيام غيبوبته. طيب بعض الناس وهذا يسأل عنه كثير من الناس، يقول: والله عندي والد كبير في السن، ما نقول شابه، نقول والد، والد كبير في السن، وعندي والده، ما نقول عجوز، نقول والده كبيرة في السن، فقدت عقلها، لكن أحيانا نجي لها ساعات ما شاء الله تعرف الصغار وتعرف الكبار وتذكر أشياء دقيقة. هذا يحدثني بعض الناس: كيف كذا والموضوع ايش سويتم في كذا ويش كذا، ساعتين هكذا، وبعدين يفصي يرجع إلى الغيب، إلى فقد العقل. يقول: الآن في رمضان ايش نسوي؟ نأمره بالصيام لأنه بعض الأوقات يصحي، بعض الأوقات ما شاء الله يعني عقل، عقل كامل ما شاء الله تبارك الله، وبعض الأوقات البقية خلاص. مثل هذا يقول الإمام الشافعي ومالك وأحمد وجمهور العلماء: ليس عليه صيام، لا يشكل عليك هذا، ليس عليه صيام. عقله غير مستقر، يروح ويجي، عقله غير مستقر. مثل هذا ليس عليه صيام. فالمجنون يقول الفقهاء كالشافعي وأحمد ومالك وغيرهم، كالشافعي وأحمد مالك. قدمنا مذهبا: المجنون المجنون والعته سواء كان متقطعا أو متصلا ليس عليه صيام ولا قضاء، ولو متقطع. ولو متقطع. بعضهم يشق عليه، يقول: إذا شافه صاح، يقول: قم، ويوضيه ويصلي، هذا انفع له، وكان يحتمل لا، بس وإلا حتى الصلاة ما عليه صلاة، حتى لو صحي ما عليه صلاة، لأن هذا عقله غير حاضر، إنما هي لحظات، ساعة، ساعتين كذا، أو يوم، أو نص يوم، أو كذا. فمثل هذا كما يقولون الفقهاء رحمهم الله، سواء كان متقطعا أو متصلا يعتبر معذور عند الله عز وجل، لأنه فاقد لما يجب به التكليف، فاقد لما يجب به التكليف وهو العقل. هذا ليس بعاقل، فعلى هذا لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. إذا أمرتكم بأمر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فأتوا منه ما استطعتم»، «وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». حديث أبي هريرة متفق عليه. فالله عز وجل يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. فما كان في حكم المجنون سواء كان جنون كامل أو يتقطع أو واصل، الحكم واحد أنه ليس عليه صيام، ليس عليه صيام. لا تكلفوه شيء، لا تكلفوه شيء، أطعموه وشربوه، لا تكلفوه شيء، فهو في وبع يحتاج إلى رعاية ورحمة، والله عز وجل قد عذره، الله سبحانه وتعالى قد عذره في مثل هذا، قد عذره الله عز وجل. بعض الفقهاء يقول: أن المغمى عليه إذا أغمي عليه ولو لحظة بطل صيام. هذا موجود في مذهب شافعية رحمهم الله، قول من الأقوال في المذهب أنه إذا أغمي عليه فسد صيام. والمحققون من العلماء يناقشون مثل هذا القول وغيره من الأقوال بأن هذا القول إذا تأمله طالب العلم والعالم المتجرد رأى صحة ما كان عليه ابن سريج، شيخ الشافعية في القرن الثالث الهجري، أنه لا يبطل صيامه بحصول انقطاع هو الغيبوبة، لا يبطل صيامه. يقول بعض العلماء: أرأيتم لو قيل إن الميت تبطل أعماله لأنه مات؟ هل يقال هذا الميت هل تبطل أعماله لأنه مات؟ إنسان صام والظهر جاءه الأجل، نقول له: خلاص صومه حق الصباح باطل؟ هذا لا، ما أحد يقول هذا من العلماء. وكذلك المغمى عليه، كذلك المغمى عليه. إنسان من الصباح سحر ونوى الصيام من بيت النية، وصام إلى الظهر، صائم، أغمي عليه ساعة، ساعة ونصف، عشر دقائق، نقول له: صومك باطل؟ هذا يحتاج إلى دليل. إبطال عبادة مسلم أو مسلمة أمر عظيم. فمثل هذا حكمه حكم الذي مات. إنسان تسحر والساعة تسعة الصباح، الساعة عشرة، جاءه ملك الموت وقبض روحها، نقول له: خلاص أنت ما هو مكتوب لك اليوم، هذا باطل لأنك مت؟ هذا ما أحد يقوله، هذا ما يقوله أحد، بل له أجر الصيام. وإنما الأعمال ب... الأعمال، الأعمال ب... الأعمال بالنيات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». هذا الذي مات، الله ظننا وهو كريم، كتب له اليوم كامل. بل لو كانت عنده نية صادقة كتب له الشهر كاملة، لأن الأعمال بالنيات، الأعمال بالنيات. ولهذا أذكر نفسي وأذكر إخواني السامعين والأحباب في الله سبحانه وتعالى بأمر النية والقلب، ما يطلع عليها أحد إلا الله سبحانه وتعالى. ما في صدرك وما في نيتك وقلبك، إذا نويت أنك تصوم رمضان صيام كامل، نويت أن تقرأ القرآن في رمضان قراءة صحيحة كثيرة متدبر فيها تدبر، نويت أن تتصدق وما سويت شيء، الله كتب لك الصدقات، وكتب لك قراءة القرآن، وكتب لك رمضان بسبب النية الصالحة الصادقة، النية الطيبة التي في صدرك. الله عز وجل يقول في سورة النساء: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. هذه الآية بكرت سابقا في سبب نزولها بمجموع طرق حسن، أن رجلا كان من المسلمين في مكة، من المسلمين، هذا رجل في مكة جالس يكتم إيمانه وإسلامه، بلغه أن الله عز وجل أمر المؤمنين بالهجرة، وأنه حرم عليهم البقاء في بلاد الكفر والشرك، وأنه نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. فخاف، خاف رضي الله عنه من هذا الأمر، خاف غاية الخوف، قال لأولاده وهو مريض: "إن لي حاجة في يثرب"، يثرب يعني المدينة، ما يقدر يقول لهم المدينة، "إن لي حاجة في يثرب، لا بد أن أذهب أليها". قالوا له أبناؤه: "نحن شباب نكفيك المؤونة، نذهب بدلا عنك إلى يثرب، ونقضي حاجتك، ونعود". قال: "إن حاجتي لا يقضيها أحد إلا أنا، لا بد". قالوا: "يا أبانا إنك مريض، نحن نقوم عنه". قال: "عزمت عليكم". قال: فأركبوه البعير، أركبوه البعير، وأعطوه بعض الزاد، ومشى ببعيره. فلما وصل إلى نحو نصف الطريق جاءه الموت وقبض روحه، جاءه الموت وقبض روحه. رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة النبوية، نزلت عليه هذه الآيات من سورة النساء، آيات عظيمة: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. نحن ما ندري بأحوال هذا الرجل، ولا أحد درى، ولا يدري أحد بشيء عن هذا الرجل إلا الله عز وجل وحده، الله عز وجل وحده يعلم نيته وقصده، رب العز وحده هو الذي يعلم، الناس ما يعلمون شيء. هذا من؟ قالوا: هذا واحد كافر مات. من هذا؟ قالوا: هذا كافر. هذه نظرة الناس، هذه نظرتهم، وهذا ظاهر الأمر، ما يدرون أن هذا حط رحالة في الجنة عند رب العالمين سبحانه وتعالى. ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، هذا نية، هذا الرجل مهاجر لمن؟ إلى الله ورسوله. انظر إلى الإخلاص في العبادة، مهاجرا إلى الله ورسوله، ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾، ما هاجر، عدو في الطريق، ما وصل، قال: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. أجره كامل مكمل، مكتوب عند رب العالمين من المهاجرين الأوائل، حسنات من رب العالمين سبحانه، مع أنه عادته ما وصل، في نصف الطريق مات، عادته ما هو مهاجر، عادته ما وصل، ولكن رب العالمين كريم سبحانه وتعالى. هذا شأن النية. فأنزل الله على نبيه الآيات، وأعلمه أن واحد من المسلمين المتسترين بالإسلام خرج مهاجرا إلى الله ورسوله وهو مريض، هو أخوكم مسلم مريض، ومات في الطريق. الله عز وجل قال: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. أجر عند الله، وقع، ثبت، كاملا مكملا. ولذلك من أمر النية مهم، تنوي نية أنك تختم أربع ختمات في رمضان، وجاءك الأجل، الله يكتب لك أربع ختمات كاملة مكملة. تنوي أنك تتصدق هذا العام بالصدقات، الله يكتب لك الصدقات إذا جاءك الأجل، موجود صدقاتك. كل هذا بالنية، نيتك تسبقك، أسرع من رجليك، وأسرع من أسرع الماشين في الأرض، النية صادقة. لهذا المسلم يحتاج دائما أن ينوي الخير، ويعزم على الخير، ويقصد الخير، ويتمنى فعل الخير، لأجل أن يكون عند الله عز وجل من أهل الخير. فنسأل الله سبحانه أن يوفقنا وإياكم لهدى وطاعته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر