تأملات في آيات الصيام 3

الدرس في تأملات في آيات الصيام 3، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

رخصة الفطر للمريض والمسافر في أيام معدودات

يبيّن المقطع أن الصيام فرض في أيام معدودة رحمة بالعباد، مفصلاً رخصة الفطر للمريض الذي يضره الصيام وللمسافر سفراً مشروعاً. ويوضح أن المسافر مخير بين الصيام والفطر، وأن الصيام مع المشقة الشديدة مكروه وقد يحرم استدلالاً بحديث "ليس من البر الصيام في السفر".

قضاء الصوم المفطر لعذر المرض أو السفر وتأخير القضاء

يستعرض المقطع وجوب قضاء الأيام المفطرة في رمضان لمرض أو سفر دون كفارة، مبيناً خلاف العلماء فيمن أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر. ويرجح القول بوجوب القضاء فقط دون إطعام عن التأخير.

فدية الصيام للشيخ الهرم والعجوز العاجزين عن الأداء

يوضح المقطع قول الجمهور بنسخ آية الفدية، وقول ابن عباس بأنها ثابتة في الشيخ الفاني والعجوز العاجزين عن الصيام بشرط القدرة على الإطعام. ويذكر أن عليهما إطعام مسكين عن كل يوم بمقدار مد أو مدين، ويعطى لثلاثين مسكيناً مختلفين كما فعل أنس بن مالك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في آيات الصيام، ونقرأ اليوم قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. هذه الآية الكريمة فيها بيان سعة فضل الله عز وجل وعظيم رحمته بعباده. فعبادة الصيام فيها نوع مشقة، لكنها مشقة محتملة. فلما فرض الله عز وجل على الناس صيام رمضان، لم يجعله في كل أيام السنة، فيكون ذلك تعبا على الأبدان وتعبا على كثير من الناس. ولكن الله رحيم رؤوف، يعلم ما يصلح أحوال العباد من العباد، فقال: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾. ليست السنة كلها موسما للصيام، وإنما أيام معدودة، وهي تسعة وعشرون يوما أو ثلاثون يوما. من ثلاثمائة وستين يوما السنة ثلاثمائة وستون يوما تقريبا، منها ثلاثون يوما للصيام، أو ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما منها ثلاثون يوما نصومها، وأحيانا يخرج الشهر بتسع وعشرين. ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾، أي: احتملوا وتصبروا واستعينوا على أن تمر عليكم هذه الأيام المعدودة وقد صمتم لله صياما صحيحا يرضى عنكم به ربكم سبحانه وتعالى. ثم من رحمة الله عز وجل وعظيم فضله وجزيل إحسانه أن الناس منهم القادر على الصيام، ومنهم العاجز عن الصيام، ومنهم من يشق عليه الصيام. فعذر الله عز وجل غير المستطيع على الصيام، قال عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾، أي: مرضا يحرجه في الصيام، فيزداد المرض شدة أو يتأخر البرء والعلاج. فإذا قال الطبيب المأمون: «إنك يا فلان إذا صمت ضرك الصيام»، يجب عليه الفطر، يجب عليه الفطر. وإذا قال له: «إن الصيام يؤخر الشفاء، يتأخر الشفاء، الدواء ما يؤثر إلا إذا أفطرت، لابد تشرب في كل يوم، لابد تأكل وجبات زائدة»، فيجب عليه أن يفطر، يجب عليه أن يفطر. انظروا إلى رحمة الله سبحانه وتعالى. ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾، أي: مرضا معذرا. بعض الناس يجي له شوي صداع، مثلا، يقول: ما هو مرض معذر؟ هذا ضارب صداع، شيء خفيف، لا، صم. لكن المرض الذي يشهد الأطباء، أو يعرف في العادة والعرف أنه مرض يضرك به، يضرك فيه الصيام، أفطر لزاما، يجب عليك لزاما أن تفطر. هذا من رحمة الله في هذا الدين، دين رحمة، دين رحمة. فمن كان منكم مريضا، أي: مرضا معذرا. بعض كبار السن، للأسف، بعض الآباء، للأسف، يأتي بعض أبنائهم يسألون ويشتكون، يقولون: الوالد يبغى يصوم، يتأود في حياته كلها على الصيام، وعنده مرض يتعبه فيه الصيام، أو يؤخر العلاج. فالواجب على الأب الذي يشكو من مرض يتأخر فيه الشفاء، أو يعيقه فيه الشفاء، الصيام يعيق الشفاء أو يضره الصيام، نقول له: الدين يسر، دين يسر، أفطر، أفطر. ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، الصنف الثاني من المعذورين: المسافر. فالأصل في السفر التعب، هذا الأصل في السفر التعب. ولهذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله». السفر تعب، فجرت المظنة الغالبة في الحكم. قد يقول قائل: الآن السفر ما فيه تعب، يطلع الطائرة ساعة وينزل، أو يروح بالسيارة المريحة وما يتعب. الفقهاء يعتبرون المظنة الغالبة. صنف من الناس قد لا يتعبه السفر، عنده قوة بدن، أو عنده سيارة مريحة، أو عنده طائرة مريحة. لكن هل كل المسافرين هذا حالهم؟ الجواب: لا. فلهذا من يسر الشريعة أن من كان مسافرا سفرا شرعيا، سفر يُعذر به، يجوز له الفطر في رمضان، ويجوز له الصوم، يجوز له الفطر ويجوز له الصوم. في حديث أنس في الصحيحين قال: «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم». الأمر واسع، على الراجح من أقوال العلماء: المسافر رخصته واسعة، إن شاء صام وإن شاء أفطر، إلا نوعين. النوع الأول: من كان يشق عليه الصيام، فمثل هذا يكره له الصيام، وقد يحرم. هكذا يقول الفقهاء. إنسان مر النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين، برجل قد ظُلل، يعني: أتى بعض الناس بشيء من العمامة ونحوها، وكل واحد ماسك طرف، والشمس في الظهر يضللون عليه. أتى، رأى النبي صلى الله عليه وسلم زحاما ورجلا قد ظُلل، قال: «ما هذا؟» قالوا: صائم، والجو حار، ومسافر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر». ليس من البر، هذا ليس من البر، هذا من المعصية، هذا الذي يفعله ليس الطاعة، هذا مما يدخل في المعصية، عياذا بالله. «ليس من البر الصيام في السفر». بعض الناس يقول: يا أخي، أنا شغال في الخط، رايح جاي، رايح جاي في الخط، مشاوير، فملحظكم أصوم ولا أفطر؟ طيلة السنة وأنا كداد، صاحب أجرة في الخط، رايح جاي على مسافات طويلة. قلنا له: تريد النصيحة؟ قال: نعم. أفطر، صم يا عبد الله، أنت مثلك عليك الصيام. ليش؟ لأنك الآن في رمضان الركاب معك في السيارة صيام، وأكثرهم يعني البقالات أكثرها مقفلة، المطاعم أكثرها مقفلة، تصبر مع الناس ويصبروك الناس، تروح المشوار وتجد إعانة ممن حولك في السيارة، تجد إعانة من المطاعم، تجد من البقالات، تحصل الجو يعين على الصيام. لكن أفطرت، وهذا رخصة يجوز لك، جيت بقى تفطر، جيت في شهر شوال، وإذا المطاعم وهذا عنده مشوي وهذا يصلح ما دري إيش قلابة وهذا يصلح كذا، الهم فتنة عليك، واللي تحصل لك اللي في السيارة نازلين طالعين، وقف نعني عند المطعم، وقف عند البقالة، نشيل عصير فنشرب، فتنة، يصعب عليك. أفضل وقت لك رمضان، حاول تصبر نفسك، صوم في رمضان أسهل لك. بعد رمضان الأمر صعب عليك، صعب، خاصة أن السفر متعب عليك، السفر متعب عليك، وبعد شوال وفي شوال وما بعدها من أيام الفطر، أتعب عليك، أتعب عليك. فالنصيحة لمن كان عمله في الخطوط، رايح جاي كل السنة، نقول له: صوم في رمضان أحسن، من باب النصيحة، وأنت يجوز لك الفطر، لكن أنت طلبت النصيحة، فينبغي لك أن تصوم، هذا أولى لك. ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. هذا مفهوم موافقة عند الأصوليين. تقدير الآية: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر لأجل مرضه، وأفطر لأجل سفره، فيقضي عدة من أيام أخر. يجب عليك القضاء، يجب عليك القضاء، وليس عليك كفارة، لا إطعام ولا غيرها، فيقضي عدة من أيام أخر. هذا سياق الآية وتفسير الآية: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر لمرضه أو لسفره، فيقضي عدة أيام إفطاره بعد رمضان من أيام أخر. الأولى له التتابع، استحبابا ولا وجوبا، الأولى له أن يتتابع في الصوم، هذا الأولى له. نقول له: الأفضل أنك تسرع في القضاء في حق رمضان. فإن وجد مانع، يجوز له التأخير، يجوز له التأخير. قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني». أخرجه البخاري في صحيحه. يعني: لحاجة النبي صلى الله عليه وسلم، لما يطلبه الرجل من المرأة، فتراعي حاجته، فتفطر، تفطر رضي الله عنها: شوال، ذي القعدة، ذي الحجة، إلى شعبان. فعلي هذا الصنف من الناس القضاء، عليه القضاء. إذا دخل رمضان ثاني وما استطاع، جاء شعبان، وحصل له ظرف مرض أو نحو ذلك، فمنعه من الصيام. هذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال أربعة عند الفقهاء في هذه المسألة، والأقوى فيها قولان، والباقي أقرب إلى الشذوذ الفقهي، الباقي أقرب إلى أن يكون مسائل شاذة فقهية. من الأقوال الشاذة: قول بعض الفقهاء يسقط عنه القضاء إذا طال. هذا دين الله حقا يقضى، هذا عليه فرضا من فرائض الله، ما أداها. فالقولان المشهوران: أن عليه القضاء والإطعام، هذا القول الأول. والقول الثاني: أن عليه القضاء بلا إطعام، وهذا الثاني هو الأقرب إلى أصول الشرع، كما سيأتي معنا الكلام على مسألة ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. فهذا يقضي. إذا عندك دين لإنسان، يسقط الدين إذا عجزت؟ الجواب: ما يسقط، يبقى في ذمتك حتى يسامح. جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: «إن أمي ماتت وعليها صيام، أفأقضي عنها؟» قال: «نعم، صومي عن أمك». فدين الله أحق بالقضاء، دين الله أحق بالقضاء، ولو أعواما، ولو أعواما. هذا رمضان تصومه فرضا، وبعد رمضان تصوم اللي فاتك في رمضان اللي مضى، وبعدين اللي قبله، وهكذا تبقى في ذمتك، إلا أن يصيبك العجز. إذا أصابك العجز، فهذا باب آخر. قال الله عز وجل في الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال المفسرون، جمهور المفسرين من السلف والخلف: هذه الآية نزلت في أول الأمر بالصيام. كان الناس، من كان مستطيعا للصيام، لا يجب عليه الصيام، بل يستحب له الصيام، وإن شاء أفطر. فإذا أفطر يطعم عن كل يوم أفطره مسكينا. فإن أطعم أكثر من مسكين فهو خير له، ولو صام فهو الخير الأكثر. هذا معنى الآية عند جماهير المفسرين من السلف والخلف. ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، وعلى الذين يطيقونه، يتجشمونه ويقدرون عليه، فدية، فيفطرون عمدا، هذا في أول الأمر، فدية لفطرهم طعام مسكين. ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، أعطى اثنين مساكين، أعطى ثلاثة مساكين، أعطى أربعة مساكين، أعطى خمسة مساكين، فهو خير له من الأول. ﴿وَأَن تَصُومُوا﴾، وأنتم تستطيعون الصيام، ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. هذه الآية عند جماهير العلماء منسوخة بقوله بعدها: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة المهديين وعلماء المسلمين: إن هذه الآية الأولى منسوخة بالثانية. هذا القول المشهور في هذه المسألة. وذهب الإمام الصحابي الجليل عبد الله بن عباس إلى أن الآية لم تنسخ، قال: «لم تنسخ الآية». وقرأ ابن عباس وعبد الله بن مسعود الآية هكذا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، قراءة الجمهور السبعية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. ابن مسعود صح عنه، وكذلك ابن عباس، ومن تبعه قرأوا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ﴾، أن يتحملون الصيام بمشقة شديدة، بمعنى: لا يطيقونه. هذا معنى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال ابن عباس: هذه الآية في الشيخ الفاني والمرأة العجوز، الذين عجزا عن الصيام، الذين قد عجزا عن الصيام، لم يستطيعوا الصيام. قال ابن عباس: هذه الآية في هؤلاء. جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة على أنه ليست كما ذكر ابن عباس رضي الله عنه. ولهذا قال سلمة بن الأكوع، كما في صحيح البخاري، أخرجه البخاري عنه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، قال: الذين يستطيعون الصيام ثم يتركون الصيام ثم يفدون بالإطعام، قال: «وقد نسخت هذه الآية بالآية بعدها». هكذا قال سلمة بن الأكوع. وكذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، لا، منسوخة عنده. أما ابن عباس فيقول: هذه في الشيخ، والشيخ ابن حزم يقول: هذه القراءة لا يعتمد عليها، هكذا يقول ابن حزم رحمه الله. فالحكم أيضا لا يعتمد عليه. لكن هذا غلط من ابن حزم، هذا غلط. فإن القراءة مثل هذه القراءة لا تخالف رسم المصحف. القراءة التي لا تعتمد هي التي فقدت أحد ثلاثة شروط، كما قال ابن الجزري: «وكل ما وافق وجها نحويًا وكان للرسم الإمام يحوي وصح إسنادا فهو القرآن». فهذه الثلاثة الأركان: قراءة ابن مسعود صح إسنادها، ووافقت وجها نحويا، لم تخالف أي وجه نحوي في هذه القراءة، ووافقت رسم المصحف العثماني. ﴿يُطِيقُونَهُ﴾، ﴿يُطَوَّقُونَهُ﴾، الرسم واحد في الكلمتين، الرسم واحد، مثل ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، ﴿فَثَبَّتُوا﴾، الرسم واحد في الكلمتين، رسم الحروف واحد. فأقراءة صحيحة، والحكم يجوز أخذه، إلا أن الآية مشكلة، كما يقول ابن المنذر وغيره من أهل العلم، على قول ابن عباس، فيها إشكال. لأن الله قال بعدها: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾، وأنت قلت في تفسيرها: في العاجز المطلق، فكيف يأتي التخيير في حق من عجز عجزا تاما؟ هكذا يقول الإمام المجتهد أبو بكر بن المنذر. الشاهد: جمهور العلماء أخذوا بهذه الآية على أن الرجل الهرم الذي لا يستطيع الصيام، والمرأة العجوز التي لا تستطيع الصيام، إذا عجزا عن الصيام وعن القضاء، فعليهم الإطعام استحبابا، إذا كانا قادرين على الإطعام، من أهل المال والقدرة. وهذا للأسف يغفله كثير من الناس. فإن كلام الإمام الشافعي في الأم، وكلام الفقهاء، يضعون قيدا: إذا كان ذا يسر وسعه، أو كان قادرا على الإطعام. أما من كان فقيرا لا يقدر، كيف تقول: أخرج أطعم؟ هو فقير. فعلى هذا جمهور أهل العلم الذين يقولون بالإطعام في حق الشيخ الهرم الفاني العاجز عن الصيام، وفي حق المرأة العجوز الفانية العاجزة عن الصيام، استحبابا، إذا كان مستطيعين، إذا كان من أهل اليسار، عندهم مال، أغنياء، تقول له: أطعم. لكن إنسان فقير، ترجع إلى الأصل. الأصل أن من عجز عن فرض من فرائض الله يسقط عنه الفرض. الآن الطفل الصغير، الطفل الصغير اللي سنه أربع سنوات، هل عليه الصيام؟ أنا أسألكم، عندك عنبهر؟ ليش، ليش ما نكلف الصغير؟ نقول له: صم. ما يستطيع، ما يستطيع للصيام. طفل صغير سنه أربع سنوات، بنت صغيرة ثلاث سنوات، خمس سنوات، ما هو واجب عليهم الصيام، ليس بواجب، لأنهم غير مستطيعين. إذن من عجز عن فريضة تسقط عنه الفريضة. هذا الشيخ الهرم، وهذه المرأة العجوز، لا يستطيع أن يصوم رمضان، ولا يستطيع يقضي بعد رمضان. الأصل: الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، هذا ما يستطيع، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، يسقط عنه الفرض. ويقول الله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، دين يسر. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، هذا ما هو في وسعه، لا الصوم ولا القضاء. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، هذا ما هو في ما يأتيه ويستطيعه، الصيام أو القضاء. فالصيام سقط على هذا الصنف من الناس، هذا سقط عنهم الصيام. بقي استحباب الإطعام، إن كانوا موسرين. تنظر أنت لحال الشخص، تقول له: أنت عندك قدرة على الإطعام؟ كيف ظروفك؟ قال: والله الظروف صعبة، يا الله، حق رمضان. قلنا: ما عليك شيء، إن شاء الله عفا الله عنك، ما عليك شيء. شفت إنسان ثاني، كيف ظروفه؟ قال: والله الحمد لله، الخير وايد، الأمور، أطعم، أطعم عن كل يوم مسكين. في صحيح البخاري، بواب البخاري، قال أنس رضي الله عنه: «وأطعم أنس ثلاثين مسكينا لحما وثريدا بعدما كبر سنه، هرم». أنس من المعمرين، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بطول العمر، لعله جاوز المئة، يعتبر من أكبر الصحابة، أنس وأبو الطفيل عامر بن واثلة، آخر الصحابة موتا. النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأنس بطول العمر وكثرة الولد. قالوا: إن أنس بن مالك دفن من ولده أكثر من مئة، دفن من أولاده وأولاد أولاده أكثر من مئة. بارك الله له في الذرية، وبارك الله له في العمر. لما كبر ما استطاع يصوم، فكان يأتي بالبر اللي يسمى بالثريد، ويصلحون وسط اللحم، ويطعم في الجفنة، جفنة، يطعم في يوم واحد ثلاثين مسكينا، برا ولحما. طبعا سيأتي الكلام على أن هذا من باب الفضل، من باب الفضل، وإلا فإن الإطعام عند الفقهاء، عند مالك وأحمد والشافعي: مد من بر، يطعم مد من بر لكل مسكين، مد من أياديك، تقريبا ستمائة جرام. المد النبوي، كما يقول المشايخ، الشيخ أحمد النجمي رحمة الله عليه، مجتازان، يقول: مد عبارة عن ستمائة جرام، بس حب أو دقيق. بعض الناس يخرجوا حب، الحب الآن بعضهم يعطيه الغنم، نقوله: لا تخرج حب، لأنه الآن ما عاد يأكله إلا أن تطحنه، أو تعرف الشخص هذا أنه سيطحن هذا الحب. أعطيه، حول إلى الدقيق. عندك الرز، عندك أشياء ثانية، اشتري له مكرونية، يجوز، اشتري أشياء ثانية ينتفع بها، اشتري فاصولية، يجوز، اشتري له إلى آخر من الأمور التي تأكل في غالب البيوت وغالب الناس. فتعطيه الدقيق أفضل، الدقيق أفضل، فهو يستهلك في الوجبات صباحا ومساء. شاهد: مد. أبو حنيفة يقول بمدين. قال أهل الفتوى اليوم، المشايخ الذين يفتون، عليهم الفتوى في العالم الإسلامي، يقولون: نأخذ بالأحوط، فنقول: أطعم مدين، يعني نحو كيلو ونصف عن كل مسكين، كيلو ونصف عن كل مسكين، تضربها في ثلاثين، تطلع لك خمس وأربعين كيلو تقريبا، يعني جونية كاملة، تعطيها كم؟ ثلاثين شخص، ما هو تعطيها واحد، ولا عشرة، تعطيها ثلاثين شخصا، عند جمهور العلماء، خلافا لأبي حنيفة. أبو حنيفة يقول: يجوز أن تعطيها واحد، لكن هذا ليس بصحيح. الله عز وجل في الآية: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فعلى هذا في رمضان عن كل يوم مسكين، يكون ثلاثين مسكينا، ثلاثين مسكينا تطعمهم. ولا يشترط الطباخة، ما يشترط الطباخة عند جماهير العلماء. لكن لو طبخت وأنضجت، هذا شيء طيب من باب الفضل. قلنا: أنس بن مالك كان يأتي بالبر، في ذاك الوقت يسمونه الثريد، باللحم، ويدعو ثلاثين مسكينا، ويجلسون على تلك الجفنة، يأكلون حتى يشبعوا، لأنه عجز عن الصيام. ممكن أنك تذهب إلى أحد المطاعم الموجودة، وتقول له: والله عندي كفارة عن الوالد، عن الجد، عن الوالدة، فشوف لي ثلاثين شخص، ثلاثين وجبة لثلاثين شخص، شوف كم يحتاج. وقال: والله يكفيهم، يمكن صحنين، يكفي صحنين، صحنين تقريبا كفاية، صحنين رز كده طيبة ما شاء الله، حب موز، شوية أشياء ثانية كده، فواكة، شوية أشياء، مشان يشبع. لأن من شرط الكفارة الإشباع. وهو تعطيه نص نفرز، وتعطيه حاجة كده، وتقول: قد خلاص، لا، شبع، شبعهم. تروح تقول له: صلح لي مثلا، كيف الصحن حقه، حق الرز؟ قال: الصحن. قلنا: زيد شوية، خلو صحنين، صحن ونص، بحسب ما يشبعه. خلاص، ثلاثين نفر يأتونك، من العمال، من إنسان تشوفه محتاج، قل له: خلاص، مدفوع الحساب حقك، مدفوع، توكل على الله، لما تكملي ثلاثين شخص، هذا شيء طيب جدا، لا سيما مع وجود الغربة، وجود الناس المحتاجين، مع ظروف الناس الصعبة، هذا شيء طيب، والله، هذا شيء يعني من علامات التواسي، تفطر صائم بمثل هذا، والله شيء جميل، وشيء أجر عظيم جدا، لا سيما المنقطعين، بعض الناس عفيف النفس، عفيف النفس، فمثل هذا يعان بمثل هذا الأمر. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. وأكرر التنبيه أن هذا في حق القادر، أم لظروفه صعبة وما يستطيع، فإن مذهب الشافعي وجماهير العلماء أنه ليس عليه شيء، ليس عليه شيء. بقي الكلام على الحامل والمرضع، ولكن الوقت دخل علينا، فأسأل الله عز وجل التوفيق والهداية، وأن يتقبل صيام الصائمين، وأن يغفر لنا أجمعين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر