الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 12

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 12

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مرضعات الرسول وأمهات الرضاعة

يبدأ الحديث عن إرضاع الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث ذُكرت عدة مرضعات له، منهن أمه آمنة وثويبة وحليمة السعدية. تم التركيز على ثويبة وحليمة في سياق إرضاع النبي.

التحقيق في قصة ثويبة وأبي لهب

يُناقش صحة قصة إعتاق ثويبة مولاة أبي لهب وتأثيرها على عذاب أبي لهب، ويُشكك في تفاصيل القصة الشائعة حول فرح أبي لهب بمولد النبي وتخفيف عذابه، مبينًا عدم صحة هذه التفاصيل.

الرد على محتجين بقصة المولد

يُقدم الرد على من يستدلون بقصة أبي لهب وثويبة لإثبات جواز الاحتفال بالمولد، موضحًا ضعف الحديث وعدم صلاحية الرؤى المنامية لإثبات الأحكام الشرعية، وأن الكافر لا ينتفع بعمل صالح.

ختام بالصلاة على النبي

يختتم بالتأكيد على علم الله تعالى الأوسع، ويتم الختام بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، تعبيرًا عن التقوى والاحترام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مواصلةً إخواني في الله في شرح هذه المنظومة التي بين أيدينا، وهي المنظومة الميئية في بيان حال أشرف البرية عليه الصلاة والسلام، هذه المنظومة التي نظمها المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر أهم الأحداث والحوادث المتعلقة بحياته عليه الصلاة والسلام. وكان وقوفنا في هذين البيتين، والذي قال فيهما المؤلف رحمه الله تعالى: وبعد عامين غدا فطيما جاءت به مرضعه سليما حليمة لأمه وعادت به لأهلها كما أرادت وأشرنا في الدرس السابق المتعلق بهذين البيتين أن الناظم رحمه الله تعالى أشار إلى مسألة إرضاع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذكرنا أن من حال العرب أنهم كانوا يلتمسون المراضع من البوادي، وذلك لأمور قد ذكرناها في الدرس السابق. وبما أننا إخواني في الله في مسألة ذكر مسائل الرضاعة التي كانت لرسول الله عليه الصلاة والسلام، نأتي هنا إلى بعض المسائل منها ذكر جماعة من العلماء أن اللواتي أرضعن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبارة عن مجموعة من النسوة، حتى أن جماعة من المؤرخين أوصلهم إلى عشرة نسوة. فممن ذكرنا أنهن قمن بإرضاع رسول الله عليه الصلاة والسلام أمه آمنة بنت وهب، التي أرضعته لكن لفترة يسيرة، وأيضا ثويبة وهي مولاة لأبي لهب، قيل أنها أرضعته ساعة ولادته عليه الصلاة والسلام واستمرت معه لأيام. كذلك ممن ذكرنا من المرضعات ثلاث نسوة من بني سليم ذكرهن القرطبي رحمه الله تعالى، وأيضا ممن ذكرنا من المرضعات أم فروة، وحليمة السعدية من ديار بني سعد، وخولة بنت المنذر، ذكرت أنها من التي أرضعن رسول الله عليه الصلاة والسلام. إلا أن العلماء صوبوا أنها في الحقيقة لم ترضع رسول الله وإنما أرضعت ابنه إبراهيم. وكذلك ممن ذكرنا من المراضع أم أيمن، إلا أن جماعة من العلماء صوبوا أنها لم تكن من المراضع وإنما هي من الحواضن، وفرق بين المرضعة والحاضنة. فالمرضعة هي التي تقوم بعملية الإرضاع، وأما الحاضنة هي التي تهتم بشأن الصغير تربيه تنظفه تعتني به تراقبه. فهؤلاء أهم من يذكر من التي أرضعن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وفي هذا المقام وما سيأتي من المقامات سنختار امرأتين اثنتين من المرضعات في الحديث عنها، لأن هناك مسائل تنعقد بهما، وهما ثويبة وحليمة. أما ثويبة فهي مولاة وأمة لعمه أبي لهب، وقد ذكر أنها هي أول من أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أمه. وقد جاء في الصحيحين من حديث أم حبيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أرضعتني وأبا سلمة ثويبة». فهذا إقرار من رسول الله عليه الصلاة والسلام أن ثويبة ممن أرضعن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن باب الفائدة فإن ثويبة قد أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن ابن لها يقال له مسروح. وكانت ثويبة قد أرضعت قبل رسول الله عليه الصلاة والسلام حمزة بن عبد المطلب، وأنها أرضعت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سلمة المخزومي. فهؤلاء يستفاد من ذكرهم أنهم إخوة لرسول الله من الرضاعة من جهة ثويبة. ما هي قصة الإرضاع؟ يذكر الكثير من الناس قصة مدبلجة أن ثويبة لما علمت بولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم طارت بالخبر إلى سيدها أبي لهب وأخبرته بخبر ميلاد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ففرح بذلك، فقام وأعتق ثويبة لما جاءت له بهذا الخبر. فلما مات أبو لهب رؤي في المنام بأنه قد خفف عنه العذاب، مع أنه مات على الكفر والشرك، فلما سئل عن ذلك أخبرهم بما كان من بشارته بميلاد رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذه القصة مما يتكأ عليها أصحابها وينادون بها في كل مقامات، على أن أبا لهب انتفع من فرحه بمولد رسول الله أن خفف من عذابه، وهكذا المسلم سيجد ما يثلج صدره إن فرح بمولد رسول الله عليه الصلاة والسلام. لكن هذه الاستفادة باطلة لأن القصة المحكية والمروية بهذه التفاصيل باطلة. نعم، حديث أبي لهب في إعتاقه لثويبة جاء في الصحيح، بل جاء في البخاري. لكن إذا قرنا هذا الحديث الذي في البخاري بالقصة المدبلجة التي سمعتموها سلفا، تجد أن هناك فوارق. من تلك الفوارق أن نعلم أن ما جاء في تلك الرواية أن ثويبة هي أول من أعلمت أبا لهب بالبشارة برسول الله فأعتقها أبو لهب لأجل هذه البشارة، هذا غير موجود أصلا لا في البخاري ولا في غيره. ولهذا علق الشيخ الألباني رحمه الله تعالى على هذه الزيادة، وقال: هذا مما لا أصل له في الرواية. الفائدة الثانية أن ما ذكر أن أبا لهب يخفف عنه في كل يوم اثنين لم يصح له دليل. وما يذكر عند المجالس هذا مما لم يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وما جاء كذلك من أن أبا لهب فرح بمولد رسول الله عليه الصلاة والسلام، كذلك هذا لم يثبت. نرجع الآن إلى صحيح البخاري، قال عروة: «كانت ثويبة مولاة لأبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة، قال: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم خيرا غير أني سقيت بعتاقتي ثويبة». هذا الحديث في البخاري. قال العلماء أولا: هذا الأثر الذي جاء عن عروة هو من قبيل المرسل، والذي سقط منه بعض إسناده. والحديث المرسل ليس على شرط البخاري، بل هو يصل إلى درجة الضعف. ثانيا: على تقدير أنه موصول، غاية هذا الحديث فيه أنه رؤية منامية، والرؤية المنامية لا يستفاد منها أحكام شرعية. ثالثا: على فرض أنه موصول، فبقي هذا الذي حدث لنا بهذه الرؤية المنامية من هو؟ يحتمل أن يكون رجل كافر من جماعته من قرابته. فلا يجوز أن يحتاج بأخبارهم وأن يؤخذ منهم الأخبار فيما يكون بعد ذلك دين لنا. رابعا: قال العلماء أن الذي يدندن به الناس على أن ثويبة لما جاءت علمت بميلاد رسول الله جاءت مباشرة عند أبي لهب فقام وأعتقها مباشرة، مع أن الرواية عكس ذلك، بأن أبا لهب أعتق ثويبة ثم أرضعت رسول الله. متى تم الرضاعة؟ بعد أن أعتقها. ومتى أعتقها؟ أتدري أن الكثير من العلماء وأهل السير والتاريخ يذكرون أن أبا لهب إنما أعتق ثويبة بعدما كبر رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل بزمن طويل. فلا يتعلق الأمر بشيء بفرحه بميلاد رسول الله عليه الصلاة والسلام. خامسا: ومما ينتقد على هذا الحديث فيه أن الكافر وهو أبو لهب انتفع بعمل صالح في الآخرة، وهل الكافر ينتفع بعمل صالح في الآخرة؟ الجواب لا، ما ينتفع الكافر مهما يعمل من الصالحات، فإنما يجاز بها في الدنيا فقط. سادسا: كذلك من الردود يقال: هب صحة روايات على أن ثويبة لما أخبرت أبا لهب بميلاد رسول الله أن أبا لهب فرح بذلك، ثم ماذا؟ هذا فرح طبيعي، لو جئت للي بأكبر ظالم جائر لو قيل له أن فلان ابن أخيك زاده مولود يبتسم. سابعا وأخيرا إخواني في الله، على ثبوت الحديث لا أقول في البخاري، بل القصة التي هم دبلجوها القوم، لو سلمنا جدلا على أن هذه القصة مروية، السؤال أين الدلالة عن الاحتفال بالمولد؟ هل بالله عليكم أن هذا الأثر الموجود منذ ميلاده إلى مبعثه وإلى هجرته عليه الصلاة والسلام، كل هؤلاء ما استنبطوا من قصة أبي لهب أن يتخذوا مولدا؟ هذا باطل. فالشاهد أن ما يتعلق بأمر ثويبة أنها ممن أرضعت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن أبا لهب نعم اعتقها، لكن كما قال المؤرخون اعتقها بعد فترة طويلة لأنه قد استغنى عن خدماتها، فلا يتعلق هذا بفرحه بميلاد رسول الله. ثم تخرج لنا مسألة المولد، فالمولد من المحدثات التي تتكالبت كلمة العلماء وتواترت على بدعيته. هذا ما يتعلق بأمر ثويبة، وسيأتي معنا إن شاء الله في درس غد ما يتعلق بالمسائل المتعلقة بحليمة السعدية، إذ أنها من مرضعاته عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.