الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 376، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الهجر والقطيعة بين المسلمين محرمان شرعاً، وقد جاءت أحاديث نبوية تؤكد على أهمية الأخوة والمحبة بين المسلمين.
الهجر يكون لأجل الدين وليس للمصلحة الشخصية، ويجب التفريق بين الداعي إلى البدعة والساكت عنها، ولا يجوز هجر المسلم لأخيه لأكثر من ثلاثة أيام إلا إذا كان لأجل الدين وبإذن العلماء.
القول بأن بعض الأمور لا تعتبر قطيعة رحم، واستشهاد بآراء جمهور العلماء في هذا السياق، مع الإشارة إلى الاكتفاء بهذا القدر من الشرح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن آدم، وهو أبو زكريا الكوفي الحاكم، قال: حدثنا إسرائيل، وهو ابن يونس بن أبي إسحاق إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وكان من أحفظ الناس لحديث جدة، وكان يقال له عكازة جدة -معنى العكازة هذا العصر التي يمشي بها الشايب العجوز الكبير- فكان إسرائيل عكازة جدة يمشي معه، قال: عن سبي إسحاق، وهو عمر بن عبد الله السبيعي الهمداني من همدان، من همدان اليمن، وكل من في البخاري ومسلم من كان من قبيلة همدان بالمهملة همدان بالدال، وليس فيها همدان لأن هناك قبيلة أيضا بالدال، قال: عن سبي إسحاق، عن محمد بن سعد بن مالك، عن أبيه محمد بن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عن أبيه، قال: عن أبيه، وهو سعد بن أبي وقاص سعد بن مالك الزهري رحمه الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث». قال: هذا حديث صحيح، وأخرجه أبو يعلى. وهذا الحديث قد جاء عن جماعة من الصحابة، وهو في السنن من حديث أبي أيوب الأنصاري: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فيلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، ففي هذا الحديث أنه من الأشياء القواطع التي تقطع أسر وروابط الإخوة الهجر، الهجر أو القطيعة. فالأصل أن الهجر لا يجوز، أي هجر المسلم، لكن يجوز بضوابط، يجوز بضوابط. وإلا الأصل أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، عن أن كان هناك سبب، فله ثلاثة أيام، كان هناك سبب مثل عند جمهور العلماء الرجل يهجر زوجته لا يكلمها، فإنه له ثلاثة أيام، الرجل يهجر ابنه لا يكلمه تأديبا له ثلاثة أيام. وبعض العلماء يقول أن هذا الهجر، أي هجر الأب لابنه وهجر الزوج لزوجته يجوز لأنه فيه مصلحة شرعية، يجوز أن يكون أكثر من ثلاثة لأنه فيه مصلحة شرعية. ولكن جمهور العلماء يرونه داخل تحت هذه الأحاديث: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث». وأما المسلم إذا مثلا وجد شيئا من أخيه، فإنه إن أراد مثلا أن يؤدبه وأراد كذا من أمور الدنيا، فله ثلاثة ليال وأيام. وأما إن كان الهجر في الدين لأجل الدين وليس لأجل النفس، لأن الآن كثير من الناس يخلط بين هذا وهذا، فيهجر لنفسه ويقول هذا للدين، إذا كان للدين يكون لأجلي لأجلي، مثلا يكون رجل عنده فسق ظاهر أو بدعة ظاهرة أو كذلك رجل مرتد، هذا شيء آخر، أيضا كذلك رجل كما قلنا مبتدع، فيهجره لأجل بدعته وليس لأجل مصلحته. أن بعض الناس يجعل الهجر لأجل مصلحته، معنا تجد أن هذا مثلا وهذا كله من أهل بدع، وكلهم سواء مثلا من الداعين إلى البدع، فتجد يهجر هذا ولا يهجره هذا، لماذا؟ لأن هذا ليس بينه وبينه مصالح دنيوية، وهذا بينه وبينه مصالح دنيوية فلا يهجره، أو أن هذا قريبه وذاك ليس بقريبه، أو أنه كذا، فهذا خلط في هذه المسائل. فالواجب أن يعامل الناس سواء، فإن كان هجر هؤلاء لأجل الدين، فيهجرهم لأجل الدين، يهجر أيضا مثلهم. لا أقول أن الناس كلهم سواء في أن يهجروا، لا، لأن أحد أهل البدع، أهل البدع تجد أنهم يختلفون، منهم الداعي إلى البدع ويعرفون الأدلة ويعرفون كذا، ومنهم التبع، ومنهم أيضا الذين لا يتكلمون في هذه البدع ويبتعدون عن هذا، فهؤلاء ليسوا سواء. فلهذا أو كان العلماء قديما، أي السلف، يفرقون بين الداعي والساكت. ولما سئل الإمام أحمد رحمه الله عن الساكت من أهل البدع، قال: يعامل معاملة أهل السنة، يعني لا يهجر لأنه رأى هذا الرأي، لكنه لا يدعي لهذا الرأي، لا يدعي لهذا الرأي. ولهذا قال علي بن المديني: لو ترك أهل البصرة للقدر، وترك أهل الكوفة للتشيع، وترك أهل خراسان للسحر لخربت الكتب. ومعنى خربت الكتب أي ما تجد أحاديث فيها إلا القليل، معنى إذا ترك أهل البصرة لأجل القدر، أهل البصرة كثير منهم قالوا بالقدر، وكذلك أيضا أهل الكوفة قالوا بالتشيع والإرجاء وهكذا، غيرهم من أهل البلدان، معنى أنه كثر فيهم، كثر في البصرة القدر، وكثر في الكوفة التشيع والإرجاء، وكذلك كثر في الكوفة أيضا الخوارج، وهكذا في خراسان كثر الخوارج والنواصب وغيرها من البلاد. فهنا لا يجوز للإنسان أو قال: لو تركها أو لا لخربت الكتب، لكن هناك تقدر المصلحة ويقدرها العلماء، معنى الأشياء العامة في هجر أهل البدع وغيرهم، هذه يفتي بها العلماء الذين يعرفون المصالح والمفاسد. وأما إذا كان بين الرجل وبين أخيه، فإن كان هجره لأجل الدين، مثلا لأجل أنه يجاهر بالفسق وهو صديقه مثلا وصاحبه، فأراد أن يؤدبه، فهذا له ذلك يهجره، ولو كان أكثر من ثلاثة أيام لأنه هجره لأجل الدين. وقد هجر النبي عليه الصلاة والسلام كعب بن مالك ومن تخلف معه، هجرهم خمسين ليلة. فإذا كان لأجل الدين فجائز. وأما إن كان لأجل المصلحة أو لأجل نفسه، فلا يجوز أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فلا يجوز أن يهجر أخاه، أي في أمور الدنيا، لا يجوز أن يهجره، ولو جعل ذلك أنه لأجل الدين، مثلا أخذ ماله أو مكر به أو كذا، فيقوم يهجره، قال: لأنه رجل ماكر. فإن كان لأجل الدين ويستحق هذا، فالواجب عليه أن يسأل العلماء حتى يجيز له أن يهجر أو لا. وإن كان فقط لأجل مصلحته، هجره لأجل مصلحته، فله ثلاثة أيام، من فوق الثلاثة فهو آثم. وقد جاء في حديث عند أحمد وأبي داود: «أن من هجر أخاه فوق سنة كان كسفك دمه»، أي كأنه قتله، من هجر أخاه فوق سنة كان كسفك دمه. فلهذا فالهجر والقطيعة لا تجوز لأنها تفكك أواصر الارتباط، الله عز وجل حث على الأخوة وحث على المحبة بين المسلمين. وهناك أيضا أمورا كثيرة شرعها الله عز وجل لأجل هذا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم. كان يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أفضل الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام». وقال في حديث عبد الله بن عمر: «أي الإسلام خير؟ قال: أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفته ومن لم تعرف». وغيرها من الأحاديث التي جاءت في المسائل التي يرتبط بها الناس أو تربط الناس بعضهم ببعض، وكذلك من ذلك صلة الأرحام وغيره. فتأتي هذه القطيعة وهذا الهجر ويقطع الناس، وخاصة إذا كانت بينهم أموال وغيرها. وجاء في حديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كيف أنتم إذا فتحت عليكم فارس والروم؟» قال عبد الرحمن بن عوف: نقول يا رسول الله كما قال الله، نحمده ونشكره، أن نشكر الله عز وجل، نحمده لأجل هذه الأموال التي أعطانا إياها ربنا سبحانه وتعالى. فقال عليه الصلاة والسلام: «وغير ذلك، بل تتدابرون وتتقاطعون وتتنافسون، ويذهب بعضكم أو قال: ويضرب بعضكم رقاب بعض». تتدابرون وتتقاطعون، أولا التدابر معناه أنه يعرض بعضكم عن بعض، ثم أنه لا يسلم بعضكم على بعض، ولا يأتي بعضكم إلى بعض، أول ما يبدأ التقاطع بالتدابر، هذا يعرض وهذا يعرض، أو أحدهما يعرض عن أخيه، ثم بعد ذلك لا يأتيه ولا يسلم عليه ولا يكلمه. طيب إذا حصل هذا التدابر بين اثنين، ثم أنه حصل بينهما السلام، فهل هذا يعتبر من الهجر أو لا؟ يعتبر الإنسان كان بينه وبين أخيه وده، فحصل بينهما شيء، فقال هذا الشخص: أولى لي أن أجتنب هذا لأنه رجل سوء مثلا أو كذا، أو أنه مثلا يأتي لي بأشياء أنا غني عنها أو غيرها من الأسباب، فأراد أن يقطعه، لكن قال: سأعطيه السلام، سأسلم عليه، فهل هذا يكون هجرا؟ فعند جمهور العلماء لا يكون هجرا، عند الجمهور أن هذا لا يكون هجرا. وبعض العلماء اشترط أن يرجع مثل ما كان، أن يرجع مثل ما كان. لكن إن كان الصحيح أنه إن كان يسلم عليه ويقول له مثلا: كيف حالك؟ كذا، لكن لا يجلس معه لأجل مثلا أنه يضيع أوقاته، أو لأجل أنه مثلا قد جلوسه يضر به، لأجل مثلا أن هذا الرجل نمام، أو لأجل أنه فيه شيء من البدع، أو ينقل أشياء غريبة وخطأ عن الناس، أو غيرها من الأمور والأعذار التي قد تجعله لا يرتبط به، فإذا كان السلام بينهما، وكذلك الاحترام بينهما، فهذا لا يعتبر قطيعة. فالصحيح أن هذا لا يعتبر قطيعة، ولا يدخل في هذه الأحاديث، كما هو قول جمهور العلماء، فإن شاء الله نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.