الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 375

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 375

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 375، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سعد بن أبي وقاص: نسبه وإسلامه ومنزلته

يتناول المقطع نسب سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري وخال النبي صلى الله عليه وسلم، ويسلط الضوء على إسلامه المبكر حيث كان من السابقين الأولين، ويؤكد مكانته كواحد من العشرة المبشرين بالجنة وفق حديث سعيد بن زيد.

الإمام النسائي وحديث تحريم قليل المسكر

يبرز المقطع مكانة سعد بن أبي وقاص كقائد مجرب وآخر العشرة وفاةً، ثم ينتقل للإمام النسائي ومنزلته في الحديث، ليسوق بإسناده حديثاً نبوياً ينهى عن قليل ما أسكر كثيره، مقرراً تحريم المسكر بكل مقاديره.

قاعدة «ما أسكر كثيره فقليله حرام» وأدلة تحريم المسكرات

يشرح المقطع القاعدة الفقهية الكبرى القاضية بتحريم كل ما أسكر كثيره حتى في القليل، مستدلاً بأحاديث نبوية ترد على المجيزين للقليل غير المسكر، ويضرب أمثلة كالحشيش وجوزة الهند والنبيذ المتروك، مؤكداً أن العبرة بإسكار الكثير لا القليل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسى هذه القاعدة الكلية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: مسند سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. هو سعد بن مالك، وهو من بني زهرة قريش. قال النبي عليه الصلاة والسلام وأشار إلى سعد: «هذا خالي، فليُرني كل امرئ خاله»؛ لأنه من بني زهرة، وأمه وأم النبي عليه الصلاة والسلام زهرية: آمنة بنت وهب الزهرية، فلذا فهو من أخواله. وكذلك أيضاً عبد الرحمن بن عوف يعتبر زهرياً، وهو ابن عمة النبي عليه الصلاة والسلام، وأحد السابقين الأولين من المهاجرين، وكذلك ممن أسلم قديماً، فقال: «أسلمت خامس خمسة، أو سادس ستة»، أو جاء في رواية الترمذي: «ثالث ثلاثة»، وهذا بحسب علمه رضي الله عنه، فهو أسلم من القدماء. ذكر ابن إسحاق أنه الثامن ممن أسلم، إلا أن أول من أسلم الصديق من الرجال، ومن النساء خديجة، وكذلك من الأطفال علي بن أبي طالب، ومن الموالي زيد بن حارثة رضي الله عنهم أجمعين. ثم أيضاً أسلم عبد الرحمن بن عوف، وكذلك أسلم عثمان بن عفان، وكذلك من كان في مجلس أبي بكر، يُقال إنهم أسلموا في يوم واحد، ويُقال إنهم تفرقوا. من كان في مجلس أبي بكر الصديق: سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وأيضاً طلحة بن عبيد الله. وأكثر العلم أن سعيد بن زيد أسلم قبله، أسلم قبله، فلذا فسعد قد يعد السابع أو الثامن ممن أسلم، فهو من السابقين الأولين. وكذلك رضي الله عنه كان من المبشرين بالجنة، ممن بشره النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة، كما في حديث سعيد بن زيد: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وسعد في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة» - أبو الأعور رضي الله عنه -. هؤلاء ذكروا، يُقال: العشرة المبشرون بالجنة، لأنهم ذكروا في حديث واحد، لهذا قيل لهم: العشرة المبشرون في الجنة. وإلا فقد بُشِّرَ غيرهم، بُشِّرَ غيرهم. فالصحابة كلهم قد رضي الله عز وجل عنهم: ﴿السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وقد رضي الله عز وجل عن الصحابة. فسعد رضي الله عنه كان رجلاً مجرباً معولاً عليه، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يعتمد عليه في أشياء كثيرة. ولما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا رجل يحرسنا الليلة؟» فقال: «ألا رجل صالح يحرسنا الليلة؟» فجاء سعد وحرس النبي عليه الصلاة والسلام. وقد أيضاً جعله عمر رضي الله عنه من القادة الذين قادوا الجيوش في فتح الشام والعراق، خاصة في العراق كان من القادة الذين جعلهم عمر رضي الله عنه، وكان قائد القادسية. وله قدم صدق رضي الله عنه، وله أحاديث كثيرة. وقد تأخر عن العشرة، فآخر من مات من العشرة هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. قال الشيخ رحمه الله: قال الإمام النسائي، والإمام النسائي هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله. ابن شعيب النسائي، كان إماماً في علم الحديث، مع أنه متأخر إلا أنه صار من السابقين بعلمه وبرحلته. أجلّ أصحاب السنن، أو أصحاب الأمهات الست، سنن هو النسائي، إلا أنه رحمه الله ألحق بركب هؤلاء لاجتهاده، رحمه الله. وقد طلب العلم وهو صغير، فلذا أدرك بعض الشيوخ الكبار. وكان النسائي رحمه الله يؤتى إليه من كل مكان لعلو إسناده. قال الإمام النسائي رحمه الله: أخبرنا حميد بن مخلد، قال: حدثنا سعيد بن الحكم، وهو مصري، قال: أنبأنا محمد بن جعفر، الذي قال له غندر، قال: حدثني الضحاك بن عثمان، وهو مدني، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، وبكير يعتبر من المصريين، عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره». وقال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار، هو أبو عمار المصري الإمام، قال: حدثنا الوليد بن كثير، عن الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عامر بن سعد، عن أبيه، أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قليل ما أسكر كثيره. قال: هذا حديث حسن. والحديث أخرجه الدارمي، فقال: حدثنا عبد الله بن سعيد، قال: أخبرنا أبو سامة، حدثنا الوليد بن كثير بن سنان، قال: حدثنا الضحاك بن عثمان به. هذا الحديث: «أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره». قد جاء أيضاً في صحيح مسلم حديث عبد الله بن عمر وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وقال: «ما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام». فمعنى هذا الحديث: أن كل شيء إذا شربت منه كثيراً أسكر، فقليله حرام. وهذا فيه رد على الحنفية الذين يقولون: إن الشراب لا يحرم إلا إذا أسكر، وأما إذا لم يسكر فليس بحرام، وهذا ليس بالصحيح، وبهذا يرد عليه. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»، وما أسكر كثيره فقليله حرام. وكل شيء إذا شرب أسكر، سواء كان إذا شربت قليلاً أو كثيراً يسكر، فهو حرام. هناك أشياء كثيرة لو أخذ الشخص منها شيئاً قليلاً ما تسكره، ما تسكره، لكن إذا أخذ كثيراً أسكرته، فهذه يكون شربها حراماً، إن كان شرباً، وإن كان أكلاً كذلك. مثلاً الحشيشة أو ما يشابهها مما يسكر، كما ذكرنا أيضاً قبل، مثل جوزة الهند التي تستعمل في الطعام، فإن كثيراً من أهل العلم يرون استعمالها في الطعام لا يجوز لأنها مسكرة، ولو كان ما يستعمل في الطعام شيئاً يسيراً، لأنها تدخل في الإسكار، أو أنها تسكر إذا أخذها الإنسان وحدها فتسكره، وكذلك إذا أخذ منها شيئاً يسيراً. كذلك أيضاً بعض العطورات كالكولونية وغيرها، فقد لا يسكر قليله، لكن إذا شرب أكثر أسكره، فهذا أيضاً يعتبر مسكراً، ولا يجوز أن يشرب منه كذلك. حتى الشراب المتغير، إذا مثلاً عمل الإنسان شراباً وتغيرت ريحته إلى الإسكار، فقد يشرب منه شيئاً يسيراً ما يضره ولا يسكره، لكن لو شرب كثيراً قد يسكره، فهذا أيضاً لا يجوز. وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ترك الأنبذة بعد ثلاثة، بعد ثلاثة ليال. نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تترك الأنبذة. الأنبذة: النبيذ، الشيء الذي يطرح في الماء فيصير نبيذاً. وكان أكثر شراب النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه النبيذ، وما كانوا يعصرون إلا قليلاً، لكن أكثر شرابهم النبيذ. فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يترك الشراب فوق ثلاثة، أو إذا ظهر تغيره، إذا ظهر تغيره ونتنه وسكره أو نشوته، كما يقولون: ظهرت النشوة التي تدل على التغير، فهذا يعتبر لا يجوز أن يشرب، ولو لم يسكر قليله. القاعدة هنا: كل ما أسكر كثيره فقليله حرام. هذه قاعدة قاعدها النبي عليه الصلاة والسلام: كل ما أسكر كثيره فقليله حرام. فهذا ما يؤخذ من هذا الحديث، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة.