الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 421

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 421

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 421، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ترجمة داود بن أبي هند وشرح حديث أبي سعيد الخدري

المقطع الأول يتحدث عن ترجمة داود بن أبي هند وأقوال العلماء فيه، ثم يشرح حديثا عن أبي سعيد الخدري. يتبعه الكلام عن فضل العلم بعد العشاء.

فضل العلم بعد العشاء واستحباب تأخير صلاة العشاء وانتظار الصلاة

يستحب تأخير صلاة العشاء والسهر بعدها للعلم أو الصلاة، ويشرح فضل انتظار الصلاة ومراعاة الناس فيها، مشيرا إلى الأحاديث النبوية الدالة على ذلك.

أحكام الصلاة في وقت الاضطرار وتطبيقات عملية

المقطع الأخير يشرح أحكام الصلاة في وقت الاضطرار، مثل الصلاة في الباص عند الضرورة، ويحدد وقت الاضطرار حتى الفجر ووقت الاختيار حتى نصف الليل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن أبي عدي، وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي البصري، حافظ من حفاظ أهل البصرة. قال عن داود، وداود هو ابن أبي هند، قال: أن أبا هند هو دينار، داود بن دينار الخرساني أصلا والبصري مسكنا ومنزلا، فهو يعتبر من عظماء وحفاظ وفقهاء أهل البصرة. ولما قال بعض حفاظها: البصرة هذبة بن خالد، قال: علماء أو أمة البصرة أربعة: يونس، وأيوب، يونس بن عبيد وأيوب السختياني، وابن عون، وسليمان التيمي، فقال قائل: وأين داود؟ قال له قائل: أين داود؟ وهو من أجل أهل البصرة، كما قال ابن جريج: ما رأيت في البصرة مثل داود، وهو حافظ من حفاظ أهل البصرة، وكذلك فقيها من فقهائها، كان يفتي في البصرة. وقال بعضهم: ألا إما عجبتُم لأهل البصرة يستفتون عثمان البتي وعندهم داود بن أبي هند؟! يسألون عثمان وعندهم داود بن أبي هند، وهو أفقه منه. وداود أيضا كان رجلا صالحا، حتى أنه يقول: كنت أذكر الله عز وجل في حاجة إذا أردت مكانا أعاهد نفسي على أني أذكر الله إلى ذلك المكان، قال: حتى أنه لما أصابني الطاعون أغمي علي، فرأيت رجلين أحدهما عند رأسي، فيقول: انظر إلى لسانه، فيقول: لقد كان ذاكرا مسبحا، قال: فقمت من ذلك فشفاني الله عز وجل. قال عن داود، عن المنذر بن مالك بن قطعة، عن أبي سعيد الخدري -وسعيد هو سعد بن مالك بن خدرة حنظال كما تقدم- قال: انتظرنا رسول الله ﷺ ليلة صلاة العشاء حتى ذهب نحو من شطر الليل، شطر الليل أي نصفه. قال: فجاء فصلّى، ثم قال: «خذوا مقاعدكم، فإن الناس قد أخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها، ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل». قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وقال أبو داود -أي السجستاني-: حدثنا مسدد، مسدد هو ابن مسرحد ابن حسن البصري. بعض العلماء ذكر له اسما قريبا يذكره بعض أهل العلم: مسدد ابن مسرحد ابن مصربل ابن مطربل ابن معربل ابن أغرندل. حتى قال أحمد بن عبد الله العجلي: كنت أذكر اسمه عند ابن عيين، فيقول: يا أبا الحسن، هذه رقية العقرب! يعني هذه ليست أسماء، هذه رقية العقرب. لكن بعض العلم يقول: لم يثبت هذه الأسماء. لكن الذي ثبت أنه مسدد بن مسرحد. ومسدد كما قال إمام البخاري: هو مسدد، كان يحيى بن سعيد يقول: لو أتيت مسددا إلى بيته لكان يستاهل، كان شيخه يقول: لو جئت إلى بيته لحرصه على العلم ولحفظه. ولهذا كان حافظا كبيرا، حتى قال أحمد بن عبد الله العجلي صاحب كتاب ما يسمى بالثقات: يقول: كنت عند مسدد يحدثني ويملي علي حتى أضجر، قال: يملي علي حتى أضجر، من كثرة الإملاء عنده حفظ كثير، فكان يملي على العجلي حتى أضجر. فقال مسدد: يا أبا الحسن، لا تضجر من العلم، يعني لا يصيبك ملل من العلم، فإنك كأنه يقول له: إن لم تدرك هذا الوقت الذي وجدتني وحدي وأعطيك هذا قد لا تجده. فلهذا قال أحمد بن عبد الله: فلما جئته مرة أخرى وجدت عنده زحاما شديدا، وجدت عنده زحاما، كان وحده يحدثه حتى يضجر، لكن الآن ما يستطيع. معنى الفرصة التي قد أدركها قد مرت عليه، فرآه عنده زحاما شديدا. فقال: فنظر إلي مسدد، فقلت: قد أخذت نصيبي منك، يعني قد أخذت أشياء كثيرة منك، بعل هذا يكفي. قال: حدثنا مسدد، قال: أخبرنا بشر بن المفضل، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن المنذر بن مالك، عن أبي سعيد. وبشر بن المفضل أيضا من خيار البصريين، كان الإمام أحمد يقول: إليه المنتهى في التثبت، معنا من البصريين المتثبتين بشر بن المفضل، وهو بصري يكنى بأبي محمد، ويقال أيضا: أبو بكر. قال عن أبي سعيد الخدري قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمة -سميت صلاة العتمة لأنهم كانوا يأخرونها، وقال: قد نهى النبي ﷺ عن تسميتها- قال: كانت العرب لا تقول مثل ما تقول العرب العتمة، لكن قولوا: العشاء، لأنها كانت آخر صلاة يصلي في الليل، فلهذا سميت عتمة، وكره النبي ﷺ هذا الاسم، لكن جاءت في الأحاديث كثيرا. قال: فلم يخرج حتى مضى نحو أو نحو من شطر الليل، فقال: «خذوا مقاعدكم، فأخذنا مقاعدنا، فقال: إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما تنتظرون الصلاة، ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم -أن الضعيف معنى في حالته، وسقم السقيم معنى المريض، ذاك ضعيف في حالته، معنى ليس لمرض، وإنما لضعفه إما لكبر سنه أو لنحافة جسمه كثيرا، فهو يحتاج إلى الراحة، وسقم السقيم أي المريض الذي يحتاج كذلك إلى الراحة- قال: لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل». ويدخل في ضعف الضعيف أيضا الصغير، كما جاء في بعض الروايات: أنه ذكر النساء والصبيان والشيوخ، لأجل أن هذا يضر بهم التأخير. وأيضا قال في الرواية الأولى: «وحاجة ذي الحاجة». وهذا الحديث لعله قد شرح بالأمس، شرحه الشيخ بيوسف -شرحه يوسف الله-، ولكن هنا نأخذ أيضا فوائد من هذا الحديث. من هذه الفوائد ما عرفتم: أنه يستحب تأخير صلاة العشاء، يستحب تأخير صلاة العشاء ما لم يشق على الناس. ولهذا جاء في حديث أبي برزة: أنه كان ﷺ في العشاء بين بين، معنى لا يؤخر ولا يقدم. وأيضا جاء في حديث جابر في الصحيحين قال: كان النبي ﷺ إذا رأى من الناس الحرج عجل، يعني أنه يرى حالة الناس في ذلك، إما إذا رأى أن الناس يحبون التعجيل عجل، وإذا رأى أن الناس يحبون التأخير أبطأ في هذه الصلاة، أبطأ في إقامتها. وإلا النبي ﷺ في حديث كثير من هذا الحديث، وجاء كذلك في الصحيح من حديث أبي هريرة وعائشة وغير من الصحابة: أن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأخرت هذه الصلاة إلى ثلث الليل»، وجاء في رواية: «إلى شطر الليل». فتبين أن صلاة العشاء يستحب أن تؤخر في آخر وقتها أو في وقت متأخر، يعني تأخيرها يستحب، بخلاف صلاة العصر والظهر، فإنه يستحب تقديمها، كذلك صلاة المغرب وصلاة الفجر، فكل الصلوات يستحب تقديمها إلا صلاة العشاء، وصلاة الظهر في شدة الحر، وصلاة الظهر في شدة الحر أيضا يستحب تأخيرها إلى الإبراد. وأيضا في هذا الحديث فيه فضيلة العلم بعد العشاء، كما ذهب على ذلك الإمام البخاري، باب العلم بعد العشاء أو بعد صلاة العشاء. ولهذا مما يستثنى من السهر: أن يسهر الرجل على العلم، أن مما يستثنى من السهر بعد العشاء أن يسهر على العلم، فهذا أمر مستحب، أو يسهر على قضايا المسلمين مثل ما كان يفعل النبي ﷺ وأبو بكر وعمر، أو يسهر لأجل مثلا أمر مهم يحدث به أهله، وكان النبي ﷺ يفعل. وأما أن يسهر بلا شيء وعبث وكلام معنا لا يكون فيه شيء من المصلحة، فهذا خطأ، وإنما يسهر لشيء فيه منفعة له، إما صلاة وإما علم وإما شيء من هذه المصالح التي قد ذكرت، فلا بأس أن يفعلها بعد العشاء. وإلا أن النبي ﷺ كما جاء في حديث أبي برزة: كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها، والحديث بعد صلاة العشاء يكرهه النبي ﷺ، لكن إذا كان في علم فإنه يستحب، أو في صلاة أو في خير. لكن لا يكون هذا السهر يكون فيه مثلا تأخير له عن صلاة الفجر أو عن قيامه بصلاة الفجر، ولو كان يصلي الليل، لو أنه يصلي الليل، لكن صلاة الليل هذا تأخيره عن الصلاة، أو ينام عن صلاة الفجر، فهنا يكون صلاة الليل خطأ، ولا يجوز أن يفعل ذلك. فإن كانت سببا لعدم قيامه للفجر، فكيف إذا كان سهره ليس لعلة ذلك، ويضر على نفسه صلاة الفجر أو يأتي وهو نائم، وهذا خطأ. إذا كان السهر يفعل ذلك، فهذا السهر قد يصله إلى الحرام والإثم. وإن كان لا يضره في صلاته، فهو يعتبر من المكروه، إذا كان بدون هذه الأشياء المصالح التي ذكرت. أيضا في هذا الحديث من الفوائد: أن الرجل في الصلاة في صلاة منتظر الصلاة، وقد دلت عليه الأدلة: أن الرجل في صلاة منتظر الصلاة، معناه كأنه يصلي، ما دام أنه ينتظر الصلاة كأنه يصلي. وفي حديث أبي هريرة الذي يخرجه الإمام مسلم: حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة». هذا يدخل فيه انتظار الصلاة نفسها، وكذلك انتظار الصلاة التي بعدها، معناه أدخل العلماء في شرح هذا الحديث: انتظار الصلاة نفسها، فهذا يعتبر انتظار الصلاة، وكذلك انتظار الصلاة التي تأتي بعد هذه الصلاة. فقال: «وإنكم لن تزالوا في صلاة ما تنتظرون الصلاة». ولهذا في المناقشة التي حصلت بين أبي هريرة وعبد الله بن سلام في آخر ساعة في الجمعة، في آخر ساعة من العصر، آخر ساعة من النهار، فإن عبد الله بن سلام قال: سمعت النبي ﷺ يقول: أنها في آخر ساعة من العصر. فقال أبو هريرة: لكن النبي ﷺ قال: ساعة يصلي فيها قائم يصلي. يعني أبو هريرة الآن يستدل على عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنهما: أن هذه الساعة التي ذكرها النبي ﷺ: أنه قائم يصلي، قائم يصلي، وهذا الوقت ليس وقت صلاة. فقال له عبد الله بن سلام: لم تسمع قول النبي ﷺ: «إن الرجل في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، إن الرجل في صلاة ما ينتظر الصلاة»، فانتظاره الصلاة فإنه يأخذ أجر الصلاة. وهذا فضل عظيم من الله. وجاء على ذلك: أن الملائكة تستغفر له وتترحم عليه، ما لم يحدث. أيضا في هذا الحديث من الفوائد: مراعاة الناس، مراعاة الناس في الصلوات وفي غيرها، سواء كان في أوقات الصلاة وإقامتها، أو كذلك في الصلاة نفسها. فالنبي ﷺ كان يراعي، بل كان يحث على ذلك. من قال ﷺ في حديث أبي حميد أو حديث أبي مسعود البدري، حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: له رجل: إني لا أتأخر عن الصلاة من أجل إطالة فلان. فغضب النبي ﷺ وقال: «وما رأيت غضبا كغضبه ذاك». قال: «إن منكم منفرين، من أمتي الناس، فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة». معنى يراعي هؤلاء، كذلك يراعيهم في الوقت وقت الصلاة. فكبير السن والضعيف يحتاج إلى أن ينام مبكرا، يحتاج أن ينام مبكرا، والمريض كذلك يحتاج أن ينام مبكرا، فلا ينبغي أن يشق عليهم ويصلي ويؤخر صلاة العشاء. بل لو رأى أن الناس يحتاجون إلى تعجيل الصلاة لأجل مثلا أن يتفرغوا لأولادهم، لمثلا عشاء أولادهم أو كذا، فلا بأس أنه يقدم الصلاة، لأن هذا يكون أريح للناس. ولهذا الآن تجد في بعض المناطق مثلا عندنا في الشحر هنا، تجد بعض المساجد يصلون مبكرا ويحضر أناس كثر، وبعض الناس يصلون أيضا متأخرين ويحضر أيضا أناس كثر. وبعض الناس يحتاج إلى التقدم فيصلي في هذه المساجد التي تقدم، وبعضهم يحتاج إلى التأخير أيضا فيصلي في المساجد التي تؤخر، فلهذا فهذا يعتبر من مراعاة الناس. «ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل»، وهذا هل هو آخر وقتها؟ ما جاء في حديث عبد الله بن عمر، عند مسلم، قال: «وصلاة العشاء إلى نصف الليل». فأخذ الحنابلة على أن آخر صلاة العشاء نصف الليل. وقال جمهور العلماء: أنها إلى الفجر، بحديث قتادة: «ليس التفريط في النوم، وإنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يأتي وقت الأخرى». فقالوا: أنه يكون في الفجر. ولهذا هناك رواية في مذهب أحمد يصححه شيخ الإسلام وغيره: أن نصف الليل هذا هو الوقت وقت الاختيار، وعما وقت الاضطرار إلى الفجر، أنها يبقى وقت صلاة العشاء، لكن بعد نصف الليل يكون وقت الاضطرار. مثل امرأة حائض طهرت تصلي العشاء أيضا، كذلك إنسان شغل شاغل لم يستطع أن يصلي، لا بأس أن يصلي. مثل ما يحصل كثيرا في مزدلفة في الليلة ليلة عرفة التي ينام الناس ويبيتون في مزدلفة، فلشدة الزحام في عرفة أو في الطريق، بعض الناس ما يصل إلا بعد نصف الليل، بل بعضهم يصل إلى الفجر، فمثل هذا لو صلى ما في شيء. ذا لم يستطع أن يصلي في الباص، وأما إذا صلى في الباص استطاع أن يصلي في الباص، مثلا عنده تيمم أو أنه معه وضوء، فهذا أو لا بأس، فهذا كما قلنا يدل على أن هذا وقت اضطرار إلى الفجر، وقت اضطرار. وأما وقت الاختيار ينظر ينتهي إلى نصف الليل. طيب هذه بعض الفوائد في هذا الحديث، فنكتفي بذلك. والله تعالى أعلم.