الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يروي أنس بن مالك ما لاقاه النبي من كرب شديد في مرض موته وصبره محتسباً الأجر، مبيناً أن الصبر منزلة عالية لا تُنال إلا بالابتلاء. ويؤكد المقطع أن الكرب والشدة خير للمؤمن لما فيهما من عظيم الثواب.
يسرد المقطع حديث النبي عن ابتلاء المؤمنين وقول فاطمة "وا كرب أبت"، فيرد النبي مبشراً بانتقاله للرفيق الأعلى وداعياً "اللهم الرفيق الأعلى". ويذكر رثاء فاطمة المشروع بقصيدة لا تدل على سخط بل على حزن مباح.
يوضح المقطع جواز الندب اليسير الذي لا يتضمن تسخطاً على قدر الله مستشهداً بندب فاطمة للرسول. ويفسر عباراتها كإجابة داعي الله بالموت ونعيه إلى جبريل لانقطاع الوحي وأن مأواه جنة الفردوس.
يبيّن المقطع أن النبي طلب من أمته سؤال الله له الوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا عبد واحد، ويرجو أن يكون هو ذلك العبد. ويؤكد أن مأوى الرسول جنة الفردوس أرفع درجات الجنة وسقفها عرش الرحمن.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين" في باب الصبر، الحديث الرابع: وعن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة رضي الله عنها: "وا كرب أبتاه". فقال: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم". فلما مات قالت: "يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه". فلما دفنا قالت فاطمة رضي الله عنها: "أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟" رواه البخاري. "لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم" يعني في مرض موته عليه الصلاة والسلام، جعل يتغشاه الكرب، أي من شدة ما يصيبه من وعك الموت، فجعل يغشى عليه من شدة الألم والكرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يشدد عليه الوعك والمرض كما يوعك الرجلان من الناس، من أجل أن يزداد أجره وترتفع درجاته صلى الله عليه وسلم بالصبر. وهذا هو موطن الشاهد؛ من أراد هذا الحديث في باب الصبر، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ابتلي بهذا البلاء العظيم وبهذا الكرب الشديد فصبر عليه الصلاة والسلام لينال أعلى درجات الصبر. فدل ذلك على أن الصبر منزلة عالية لا تنال إلا بامتحان واختبار من الله سبحانه وتعالى. فلا تظن يا عبدالله إذا نزل بك الكرب والشدة أن هذا شر لك، بل هذا خير لك لما فيه من عظيم الأجر والثواب. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «شد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر إيمانه»، فلا يزال البلاء بالمؤمن حتى لا يبقى عليه ذنب، بسبب هذا الصبر الذي تحلى به عند الشدة. وقوله في هذا الحديث: "وا كرب أبت"، أي قول فاطمة رضي الله عنها: "وا كرب أبت". هذا تتوجع رضي الله تعالى عنها من كربه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أبوها، وترى ما به من ألم ومن شدة، فلا شك أن هذه البنت الرؤوف تتوجع لوجع أبيها، فقالت: "وا كرب أبت". فرد عليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا كرب على أبيك بعد اليوم". "وا كرب أبت" هذا يسميه أهل العربية بالندبة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "لا كرب على أبيك بعد اليوم"؛ لأنه يعلم أنه سينتقل إلى الرفيق الأعلى، إلى الرفيق الأعلى. فهذا الذي يجده من الألم ومن الشدة هو آخر ما يكون في هذه الدنيا، ثم بعد ذلك ينتقل عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى. ولذلك كان في مرض موته عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى»، وينظر إلى سقف البيت، ينظر إلى سقف البيت، أي إلى الأعلى. فتوفي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسبب هذا المرض. ثم لما توفي ازداد حزن ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، فقالت بعد ذلك: "يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه". فتندبه عليه الصلاة والسلام، ولكن هذا الأمر خفيف لا يدل على التسخط من قضاء الله عز وجل، فليس بمعنى النياحة أو بمعنى التسخط من أقدار الله سبحانه وتعالى. ولذلك ذكر العلماء أنه لا بأس بالندب اليسير إذا لم يكن مؤذنًا بالتسخط على الله عز وجل؛ لأن فاطمة رضي الله تعالى عنها ندبت الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه ندب يسير، وليس فيه اعتراض على قدر الله سبحانه وتعالى. فهذا إذا كان بهذه الصورة لا بأس به، وإنما المنهي عنه الذي فيه معنى التسخط ومعنى النياحة، فهذا الذي جاء النهي عنه. فقولها: "يا أبتاه، أجاب ربا دعاه"، أي أجاب ربه سبحانه وتعالى بالانتقال إلى الله عز وجل، الانتقال إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإن من مات فقد رجع إلى ربه سبحانه وتعالى، وأجاب داعي الله وهو الموت، وهو الموت؛ لأن الله هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وأجال الخلق سبحانه وتعالى بيده عز وجل، فكل شيء إلى الله، وأن إلى ربك المنتهى، وكذلك إليه الرجع سبحانه وتعالى. فأجاب داعي الله وهو أنه صلى الله عليه وسلم إذا توفى صار كغيره من المؤمنين، يصعد بروحه حتى توقف بين يدي الله عز وجل فوق السماء السابعة، فوق السماء السابعة. وأما قولها: "إلى جبريل ننعاه"، فالنعي هو الإخبار بموت الميت، هذا يسمى النعي. فقولها: "يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه"، أي إننا ننعاه إلى جبريل؛ لأنه هو الذي كان يأتيه بالوحي صباحًا ومساءً. فإذا فقد رسول صلى الله عليه وسلم، فقد فقد نزول جبريل إلى الأرض، لماذا ينزل؟ ومن كان يعني يأتي إليه بالوحي قد انتقل إلى الله سبحانه وتعالى. هذا معنى قولها: "إلى جبريل ننعاه". وهكذا قولها: "جنة الفردوس مأواه"، لأن الفردوس هي أعلى درجة في الجنة، أعلى درجة في الجنة، وأعلى الخلق منزلة في الجنة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي ينال هذه المنزلة، فهو الذي ينال هذه المنزلة. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سلوا لي الوسيلة، فإنها أعلى درجة في الجنة، ولا تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو» عليه الصلاة والسلام. ولا شك أن رسول الله سلم مأواه جنة الفردوس، وجنة الفردوس هي أعلى درجات الجنة، وسقفها الذي فوقها هو عرش الرب سبحانه وتعالى، والرسول صلى الله عليه وسلم في أعلى درجة منها، أي من الجنة، من الجنة. وللحديث بقية مع بعض فوائد الحديث الأخرى، لانتهاء الوقت نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.