الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 40، ألقاها
يتناول أهمية البكاء عند قراءة القرآن مستشهدًا بآيات القرآن وأحاديث النبي وأقوال السلف الصالح. يشير إلى أن البكاء يدل على خشوع وتأثر بآيات الله.
يتحدث عن أهمية التأثر بالقرآن والاستغفار، ويبين أن العبد مهما عمل وطاع الله فإنه مقصر في حقه. يشير إلى أن الصالحين كانوا يتأثرون بقراءة القرآن ويكثرون من الاستغفار.
يتناول التأثر بكتاب الله وخشوع القلب في الصلاة، والتمييز بين الخشوع الحقيقي والتظاهر بالبكاء. يشير إلى أن التظاهر بالبكاء دون خشوع حقيقي قد يبطل الصلاة.
يتضمن الدعاء للنبي بالصلاة والسلام والبركة، ويشمل ذلك أهل بيته وصحابته. يُظهر تعبيرًا عن التقدير والاحترام للنبي محمد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: فصلٌ في البكاء عند قراءة القرآن. قال: وقد تقدم في الفصلين المتقدمين بيان ما يحمل على البكاء في حال القراءة، وهو صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين، قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾، وقد وردت في أحاديث كثيرة وآثار السلف كثيرة. قال: فمن ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اقرأوا القرآن وبكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا». والحديث لا يصح، رواه ابن ماجة وغيره، ولكنه لا يصح. قال: وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه صلى بالجماعة الصبح وقرأ سورة يوسف، فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته. وفي رواية: أنه كان في صلاة العشاء، فيدل على تكراره منهم. وفي رواية: بكى حتى سمعوا بكاءه من وراء الصفوف. فأثر عمر رضي الله عنه وأرضاه حينما قرأ سورة يوسف وبلغ قول الله جل وعلا: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، هذا ثابت عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، حتى قال الراوي: أنه سمع نشيج عمر رضي الله عنه وأرضاه وهو في آخر الصف. فهذا يدلنا على ما كان عليه عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه كان إذا صلى سمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. فهذا كذلك يدلنا على أن ذلك الصنيع من صنيع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وثبت كذلك في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها حينما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة في مرض موته أن تخبر أباها أبا بكر الصديق بأن يصلي بالقوم، فقالت رضي الله عنها: «إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام في الصلاة لا يكاد يسمع الناس أو يسمع الناس من البكاء». فكان رجلًا بكاءً رضي الله عنهم وأرضاهم، وكذلك بقية الصحابة رضي الله عنهم. بل كل الصالحين هذا حالهم، كما أخبر الله جل وعلا عن طائفة من عباده بأن قال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. قال: وعن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس رضي الله عنه وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع. وهذا كذلك يدلنا على حال هؤلاء الصالحين رضي الله عنهم وأرضاهم. قال: وعن أبي صالح قال: قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «هكذا كنا». قال: وعن هشام -وهو ابن حسان الأزدي- قال: ربما سمعت بكاء محمد بن سيرين في الليل وهو في الصلاة. قال: والآثار في هذا كثيرة لا يمكن حصرها، وفيما أشرنا إليه ونبهنا عليه كفاية، والله أعلم. قال الإمام أبو حامد الغزالي: البكاء مستحب مع القراءة وعندها. أبو حامد الغزالي صاحب إحياء علوم الدين، أشعري وله زلات كبيرة في كتاب إحياء علوم الدين، وله كلام لطيف فيه. قال: وطريقه في تحصيله أن يحضر قلبه الحزن بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوعد والعهود، ثم يتأمل تقصيره في ذلك. فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر الخواص، فليبك على فقد ذلك، فإنه من أعظم المصائب. وهو كما قال رحمه الله: فدأب الصالحين رضي الله عنهم وأرضاهم هذا دأبهم في كل زمان ومكان، يتأثرون بقراءة القرآن تأثرًا عظيمًا، يظهر أثره على جوارحهم وعلى أحوالهم وعلى أخلاقهم رضي الله عنهم وأرضاهم. والمحروم من حرم ذلك. وكما قال من قال -يعني قيل للحسن البصري رضي الله عنه وأرضاه- أن بعضهم إذا قرأ القرآن لا يجد له حلاوة أو لا يجد له تأثيرًا، فقال له رحمه الله تعالى كلامًا معناه أن قال: انظر ماذا أحدث -أو كما قال رحمه الله تعالى- أي ما هو الشيء الذي حدث منك أو أحدثته، فكان سببًا لحرمانك من التأثر والتلذذ بكتاب الله تبارك وتعالى. والتأثر به، لأن كتاب الله جل وعلا من أعظم ما يؤثر في القلوب، الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، فأهل الإيمان يتأثرون ويزدادون إيمانًا مع إيمانهم. وهذه صفة لا توجد إلا في كتاب الله تبارك وتعالى، أن الإنسان كلما قرأ في كتاب الله تبارك وتعالى وكرر القراءة والنظر، ولا سيما إذا كان في وقت استحضار ووقت سكينة وهدوء، يجد أثر ذلك. ولا سيما إذا عمل الأسباب، ومن جملتها كما يقول علماء: أن يكثر من الاستغفار. لذا كما تعلمون أن الله تبارك وتعالى وصف من وصف من عباد المؤمنين أنهم: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي يصلون ويقومون ويقرؤون ويتعبدون لله رب العالمين تبارك وتعالى، ثم بعد ذلك يستغفرون الله جل وعلا لما يعلمون من تقصيرهم في حق الله رب العالمين جل وعلا. فهذا هو حال الصالحين، لكن انظر إلى حالك أيها المسلم، ننظر إلى أحوالنا جميعًا، فإذا رأى الإنسان حاله وتأمل في حاله رأى العجب العجاب والبون الشاسع بيننا وبين من سبقنا. كانوا يقدمون الأعمال، يتأثرون بالقرآن، يتأثرون بالذكر، يسارعون في الخيرات والطاعات، ومع هذا يكثرون من الاستغفار، لأنهم يعلمون أنهم مهما عملوا ومهما أطاعوا الله تبارك وتعالى، فإنهم مقصرون في حق الله تبارك وتعالى. باعتبار ما يستحقه الله جل وعلا من الشكر على الإنعام والإحسان، وعلى الجمال والكمال الذي اتصف به ربنا تبارك وتعالى. فالعبد مهما سبح وصلى وذكر ربه جل وعلا، فإنه مقصر في حق الله جل وعلا، في حق شكر الله جل وعلا. لذا كان من حال نبينا صلى الله عليه وسلم أنه إذا دعا ربه جل وعلا كان يثني على ربه جل وعلا الثناء العظيم، ثم يقول: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». قال علماء رحمهم الله تعالى: فهذا في دلالة على عجز الإنسان على شكر نعم الله تبارك وتعالى واستيعاب الشكر للإنعام. لذا كان من نبينا صلى الله عليه وسلم أن أحال إلى ربه جل وعلا لأنه أعلم بنفسه: «أنت كما أثنيت على نفسك، لا أحصي ثناء عليك». فحال أولئك غير حالنا تمامًا، فنسأل الله تبارك وتعالى العفو والعافية والسلامة. فالتأثر بكتاب الله جل وعلا كما سمعتم هو دأب الصالحين، مع التنبيه أن الإنسان لا يكون خاشعًا بجوارحه وقلبه خاوٍ من ذلك. الإنسان لا يتصنع التخشع ولا البكاء، بل ذهب من ذهب من العلماء إلى أن من بكى في صلاته لغير معنى من معاني الخشوع والتدبر والخشية من الله رب العالمين جل وعلا، أن صلاته تبطل، ولا سيما إذا كان في ذلك البكاء أصوات. بخلاف ما إذا كان البكاء لله، من خشية الله، تدبر آية وقعت في نفسه، عظمت في نفسه، هذا محمود، وهو دأب الصالحين. لكن لو أن إنسانًا مثلًا كما ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى مات له قريب، فدخل الصلاة فجعل يبكي على ذلك القريب، ما حكم ذلك البكاء؟ ذهب طائفة من الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى أن ذلك البكاء منافٍ لما هي الصلاة، وليس داخلًا في حقيقة الصلاة، فهو من مبطلات الصلاة. فننتبه لهذا الأمر، مسألة البكاء والخشوع، وكذلك التضرع لله رب العالمين جل وعلا الناتج عن خشية، الناتج عن تدبر وتأمل ونظر في عواقب الأمور وفي حاله من التقصير، هذا محمود. أما أن يظهر البكاء في جوارحه وقلبه خاوٍ، فهذا مذموم. والشيء بالشيء يذكر، ذكر أن الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى وغفر له مر على رجل من أهل أهواء، فكان يظهر الخشوع في صلاته، ماذا قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى بعد أن نظر إليه؟ قال: «أعوذ بالله من خشوع النفاق»، أي ظاهر وليس له باطن. والشيء كذلك بالشيء يذكر مما ذكر كذلك، وهذا يبين لنا كذلك عمق فهم السلف لهذه الدسائس لهذه الدخائل، ما ذكر من لقاء سفيان الثوري الإمام الجبل بالإمام الفضيل بن عياض رضي الله عنهما ورحمهم والله. اجتمع عالمان إمامان، فتذاكرا أحوالهما في الدنيا وتذاكرا أحوال الآخرة وما قدما لهذا الدين إلى غير ذلك. فكان ذلك المجلس كما يقال حافلًا بالذكر والموعظة، وأثمر ذلك المجلس البكاء لهما والخشوع، بعد أن حصل منهما من التذكر والتذكير حصل منهما ما حصل من البكاء والخشوع في ذلك المجلس. فلما أراد أن يقوم، ماذا قال سفيان الثوري رحمه الله وغفر له؟ قال: «والله إني لأرجو الله تبارك وتعالى أن يكون هذا المجلس أعظم مجلس يقربني إلى الله تبارك وتعالى». فنظرة إليه الفضيل بن عياض، فقال: «والله إني لأخشى أن يكون مجلسنا هذا هو أشقى مجلس جلسته في حياته». فتعجب سفيان كيف هذا مجلس ذكر وتذكير ووعظ وإرشاد وخشوع وبكاء، ثم يكون كذلك؟ فقال الفضيل بن عياض لسفيان الثوري رحمه الله تعالى: «أليس ذكرت ما عندك وتجملت به، وذكرت ما عندي لك وتجملت به؟» قال: «فلهذا أخشى أن يكون هذا المجلس أشأ ما مجلس جلسته». فماذا قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى وقد بكى؟ قال: «أحييتني، أحياك الله». فهذا تذكير الإنسان ينتبغ لهذه الدسائس، الأمر أمر الخشوع والبكاء في الصلاة، هذا أمر محبوب مطلوب، لكن ينبغي للإنسان أن ينظر فذلك الخشوع ناتج من القلب، صدر من القلب بعد أن كان مدافعًا ما استطاع، فهذا إن حصل هذه نعمة، وعليه أن يشكر الله وأن يستعيذ بالله من الدسائس. أما إذا كان البكاء مجرد بكاء في الظاهر والباطن خاوٍ، فهذا والعياذ بالله نفاق ورياء، نسأل الله العفو والعافية. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.