الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 56، ألقاها
آمين دعاء بالاستجابة، يستحب قولها بعد قراءة الفاتحة في الصلاة وخارجها، ومعناه استجب أو اللهم استجب. هناك أقوال مختلفة في معناه، لكن اعتبارها اسم من أسماء الله ضعيف.
آمين لها لغات مختلفة أشهرها المد وتخفيف الميم، واختلف العلماء في حكمها بين اعتبارها لحنًا يبطل الصلاة وبين التساهل فيها. يستحب التأمين للإمام والمأموم والمنفرد.
يستحب جهر الإمام والمنفرد بتأمين آمين في الصلاة الجهرية، واختلف العلماء في جهر المأموم. يجب على المأموم متابعة الإمام في قول آمين ولا يسبقه، وتأمين المأموم يكون عقب تأمين الإمام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم ما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: قال فصلٌ في معاني آمين وأحكامها. قال: يُستحب لكل قارئ في الصلاة أو في غيرها إذا فرغ من الفاتحة أن يقول آمين. والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة. أما في الصلاة، فقد جاءت الأحاديث الكثيرة في ذلك. وأما في غير الصلاة، فليس هناك دليل على أن القارئ إذا قرأ سورة الفاتحة أن يقول آمين، إلا من أخذ بما جاء في الصلاة. ولعل هذا الذي أراد أن يلفت إليه النظر الإمام النووي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: وقد قدَّمنا في الفصل قبله أنه يُستحب أن يفصل بين آخر الفاتحة وبين آمين بسكتة لطيفة. ومعناه استجب، أي: معنى آمين استجب. وقيل: كذلك فليكن. وقيل: افعل. وقيل: معناه لا يقدر على هذا أحد سواك. وقيل: لا تخيِّب رجاءنا. وقيل: معناه اللهم آمنا بخير. وقيل: هو طابع الله على عباده يدفع به عنهم الآفات. وقيل: هي درجة في الجنة يستحقها قائلها. وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى. وأنكر المحققون والجماهير هذا، أي: أن آمين اسم من أسماء الله تبارك وتعالى. هذا قول ليس بصحيح، إذ أن باب الأسماء وصف توقيف لا يتعدى الكتاب والسنة، فليس ثم دليل يدل على أن آمين من أسماء الله تبارك وتعالى. قال: وقيل هو اسم عبراني، واللغة العبرانية هي لغة اليهود، كما أن اللغة السريانية هي لغة النصارى، واللغة العربية هي لغة أهل العربية. قال رحمه الله تعالى: وقيل هو اسم عبراني ليس معربة، أي: بقي على اللغة العبرانية، وهذا فيه نظر. قال: وقال أبو بكر الوراق: إنه أبوّة للدعاء واستنزال الرحمة. وقيل غير ذلك. هذه أقوال في معنى آمين، وأشهرها أن معنى آمين: اللهم استجب. سورة الفاتحة في أولها حمد وثناء وتمجيد لربنا تبارك وتعالى، ثم بعد ذلك دعاء: ﴿إهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فالحاصل أن في آخرها دعاء. فقول القائل آمين، أي: اللهم استجب إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، أي: لا تجعلنا من هؤلاء ولا من هؤلاء، بل اجعلنا من أهل الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. قال: وفي آمين لغات. قال العلماء: أفصحها آمين بالمد وتخفيف الميم، كما هو المشهور عند الناس. قال: والثاني بالقصر، أي: أمين. وهاتان لغتان مشهورتان. والثالثة آمين بالإيمالة مع المد، حكاها الواحد عن حمزة والكسائي. والرابعة بتجديد الميم مع المد، حكاها الواحد عن الحسن، والحسين ابن المفضل. قال: وتحقيق ذلك ما روي عن جعفر صادق رضي الله عنه أنه قال: معناه قاصدين نحوك، أي: آمين بمعنى قاصدين. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿آمِينَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ﴾ أي: قاصدين. قال رحمه الله تعالى: قال معناه قاصدين نحوك، وأنت أكرم من أن تخيب قاصدا. قال: هذا كلام الواحد. وهذه الرابعة غريبة جدًا، أي: أن يقال آمين؛ لأنه يكون هاهنا بمعنى ماذا قاصدين. وقولها بعد قراءة الفاتحة غير مناسب. قال النووي رحمه الله تعالى: هاهنا وهي غريبة. قال: وقد عدها أهل اللغة من لحن العوام، فهو لحن ليس من اللغة. قال: وقال جماعة من أصحابنا: من قالها في الصلاة بطلت صلاته؛ لماذا؟ لأنها من لحن العوام، ليس من كلام العرب. والأظهر والله أعلم أن هذا مما يتسامح فيه. فإذا كان بعض العلماء ذكرها أنها من ألفاظ اللغة، فكيف بالعامي؟ أولى أن يظن أنها من لغة العرب. قال رحمه الله تعالى: قال أهل العربية: لحقها في العربية الوقف؛ لأنها بمنزلة الأصوات. لحقها، أي: حق آمين الوقف، أي: لا تحرك؛ لأنها بمنزلة الأصوات، أي: كقول إنسان: صح. معنى أسكت، فهي من الأصوات. وكذلك آمين، لا تقول آمين لماذا؟ لأنها بمنزلة الأصوات. قال رحمه الله تعالى: لأنها بمنزلة الأصوات، فإذا وصلها فتح النون لالتقاء الساكنين، كما فتح في أين وكيف، ولم تكسر لثقل الكسرة بعد الياء. ومعنى هذا أن الأصل الإسكان، وإنما تحرك لعارض. أي: إذا جاء بعدها ساكن؛ لأن القاعدة عند العلماء أن الساكنين إذا التقيا يحرك ما سبق. قال: حتى قال الناظم: وإن ساكنان التقيا فحرك ما سبق، وإن يكن لينا فحذفه استحق. أي: إن كان من حروف اللين يحذف، وإن كان ليس من حروف اللين كما هو حال النون هنا، فإنه يحرك. والنووي رحمه الله تعالى قال: يحرك بالفتح، مع أن الأصل في تحريك الساكنين أو تحريك أحد الساكنين لتحريك الساكن الأول إذا التقى بآخر الكسر، هذا هو الأصل. لكن ها هنا قال: بأن التحريك يكون بالفتح لثقل الكسر على النون في هذا الموضع. قال رحمه الله تعالى: فهذا مختصر ما يتعلق بأخذ آمين. وقد بسطت القول فيها بالشواهد وزيادة الأقوال في كتاب تهذيب الأسماء واللغات، هو كتاب مطبوع لإمام النووي رحمه الله. قال العلماء: يستحب التأمين في الصلاة للإمام والمأموم والمنفرد، أي: سواء كان إمامًا أو كان مأمومًا أو كان منفردًا. قال: ويجهر الإمام والمنفرد بتأمين آمين في الصلاة الجهرية. واختلفوا في جهر المأموم. فالصحيح أنه يجهر. والثاني: لا يجهر. والثالث: يجهر إذا كان جمعًا كثيرًا، وإلا فلا. ويكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام، الصحيح أنه يجهر المأموم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الإمام: «فإذا قال: آمين، فقولوا: آمين». وفي بعض الرواية: «فإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين». فدل على ماذا؟ على أن المأموم يقول آمين ويجهر بها. وهذا الذي عليه عمل المسلمين بحمد الله تبارك وتعالى، سواه من خالفهم من أهل الأهواء. قال: وإلا فلا. ويكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين. فمن وافق تأمينه تأمين الإمام، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه». وأما قوله في الحديث الصحيح: «إذا أمن الإمام فأمنوا»، معناه: إذا أراد التأمين. قال أصحابنا الشافعية: وليس في الصلاة موضع يستحب أن يقترن قول المأموم بقول الإمام إلا في قوله آمين. وأما في الأقوال الباقية، فيتأخر قول المأموم. هذا قول. وقول آخر الفقهاء: أن آمين كغيرها من الأقوال التي ينبغي للمأموم أن يتابع فيها الإمام، وأن لا يسبق الإمام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في اللفظ الآخر: «فإذا أمن فأمنوا»، «فإذا أمن فأمنوا». وفاتفيد التعقيب، ولا تفيد التسوية. فدل هذا على أن تأمين المأموم يكون عقب تأمين الإمام. الله تعالى أعلى وأعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.