الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 9، ألقاها
الكتاب يتناول آداب معلم القرآن ومتعلمه، مع التركيز على أهمية تصحيح النية. الإخلاص في العمل لله تعالى شرط لقبوله.
الإخلاص يعني أن يكون العمل خالصًا لله وحده، والنية تحدد مصير الإنسان. حديث "إنما الأعمال بالنيات" يؤكد أهمية النية.
الله يجازي العباد على أعمالهم خيرها وشرها، ولا يظلم أحدًا. ينبغي للطالب أن يعتني بهذا الأمر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهله الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن، الباب الرابع في آداب معلِّم القرآن ومتعلِّمه. قال رحمه الله: هذا الباب مع البابين بعده هو مقصود الكتاب، وهو طويلٌ منتشرٌ جدًا، وأنا أشير إلى مقاصده مختصرةً في فصولٍ ليسهل حفظه وضبطه إن شاء الله تعالى. فالإمام النووي رحمه الله تعالى بعد أن قدم لهذا الكتاب ما قدم، وختم كذلك لهذا الكتاب ما ختم من مباحث ومسائل متعلقة بالقرآن وكيفية التعامل مع القرآن قراءةً وحملًا إلى غير ذلك، ذكر في هذا الباب أن المقصد من تأليف هذا الكتاب هو هذا الباب، لذا كما ذكر رحمه الله تعالى أنه جعل هذا الباب فصولًا ليسهل حفظه ولتتم كذلك الفائدة به؛ لأن العادة إذا كان الباب فصلاً كانت الفائدة أقرب والحفظ كذلك أسهل. قال رحمه الله تعالى: فصلٌ أول ما ينبغي للمقرئ والقارئ أن يقصد بذلك رضى الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، أي الملة المستقيمة. فكما ذكر رحمه الله تعالى أن أول فصلٍ ينبغي له أن يعتني به العالم والمتعلم والمعلم والمعلم هو تصحيح النية، هو أمر تصحيح النية، وأن يكون ذلك العمل الذي يقوم به من تعليم أو تعلم لكتاب الله جل وعلا أن يكون ذلك العمل المقصود به رضى الله جل وعلا وابتغاء وجه الله جل وعلا. واستدلَّ الإمام النووي رحمه الله تعالى بقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ هذا نافٍ، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهُ﴾ وهذا استثناء، وهذه الصيغة تدل على الحصر، أي أن الله جل وعلا ما أمرهم إلا بأن يعبدوه مُخْلِصين له الدِّين، أي أن يكون العمل الذي يعملونه أن يكون لله جل وعلا وحده لا شريك له، لا يبتغون بذلك أحدًا غير الله جل وعلا، وإنما يريدون بذلك وجه الله جل وعلا. ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي أن يكون العمل خالصًا من كل شائبة تكون لغير الله جل وعلا، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ أي أنهم مائلون عن الشرك إلى التوحيد، وعن كل ما يُكَدِّرهم صفو التوحيد إلى كل ما يُنقِّي طريق التوحيد الذي أصله إخلاص العبادة لله رب العالمين جل وعلا، ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي أن هذا هو الدين القيم الذي يعمل به العبد العمل ابتغاء وجه الله جل وعلا، لا يُريدون بذلك رياءً ولا يُريدون بذلك سُمعةً. وتعلمون الحديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً أشرك به معي غيري تركته وشركه»، كائن من كان، من عمل عملاً -فهي نكرة وسبقها قوله صلى الله عليه وسلم: «من» وهي من عمال موصولة- الذي يعمل عملاً أي أي عمل كان تركته شركه. ويدخل فيه دخولاً أولياً من تعلم العلم؛ فهو من أعظم الأعمال، فإذا كان لله جل وعلا فهو من أعظم العبادات، وإن أشرك به العبد مع الله جل وعلا غيره بأن راءى في ذلك العلم، بأن أراد السمعة من ذلك العلم، بأن أراد الثناء من غير الله جل وعلا في ذلك العلم تركه الله جل وعلا، تركه الله جل وعلا وشركه، أي خذله الله خذله الله جل وعلا، فلم ينفع ذلك العمل لا في دنياه؛ إذ أنه ليس من العمل الصالح لأنه أشرك به مع الله جل وعلا غيره، ولا ينفعه كذلك يوم القيامة، بل يكون حجة عليه إذا وقف بين يدي الله جل وعلا يكون حجة عليه. كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وجاء كذلك في مسند أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة مطولاً في الثلاثة الذين تسعر بهم النار، أول من تسعر بهم النار ثلاثة، وذكر منهم قارئًا للقرآن، يؤتى به يوم القيامة فيذكره الله جل وعلا بنعمه، فيقول له ربنا تبارك وتعالى: ما صنعت ما عملت مقابل النعم التي أنعم بها ربك جل وعلا عليك؟ فيقول: يا رب تعلمت فيك القرآن وعلمته الناس، أي أنه تعلم يقول تعلم القرآن وعلمه ابتغاء وجه الله رب العالمين جل وعلا. فيقول له ربنا تبارك وتعالى: كذبت، وإنما تعلمت القرآن وعلمته ليقال قارئ فقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب على وجهه إلى نار جهنم والعياذ بالله. الحديث بنحوه. أشاهد منه أن هذا العمل وهذه العبادة على جلالتها إلا أن الأمر فيها عظيم وخطير، فينبغي للمتعلم والمعلم أن يُخلِص النية لله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: أي الملة المستقيمة، أي وذلك الدين القيم أي الملة المستقيمة. قالوا: في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي في حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا الحديث أصل، وهذا الحديث من أصول الإسلام، وهو كما قال رحمه الله: هذا الحديث من أصول الإسلام، بل عده جماعة من أهل العلم بأنه ثلث السنة أو ثلث الدين، حديث الأعمال بالنيات؛ لأن الأعمال كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى مبناها وأساسها وأصلها على النية. على النية؛ لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» أي من حيث الصحة من عدمها، إنما تكون صحيحة بالنية، ولا تكون صحيحة إذا فقدت تلك الأعمال النية، «وإنما لكل امرئ ما نوى» أي من الثواب، أو من العقاب، إن نوى خيرًا أثابه الله جل وعلا خيرًا وزاده الله جل وعلا من فضله، ومن نوى شرًا وعزم على ذلك بل وفعله. فالأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القاتل والمقتول في النار»، قل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه»، فبالنية نال ما نال من كونه في النار. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، فمن نوى خيرًا فإنه سيجد خيرًا بإذن الله، ومن عزم على فعل الشر فإن فعله أو منع منه مع عزيمة على فعله فإنه يؤاخذ بذلك العزم وفي تلك النية. قال: وهذا الحديث من أصول الإسلام. قال: وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إنما يحفظ الرجل على قدر نيته»، أي إن كانت نيته كبيرة عظيمة خالصة لله رب العالمين جل وعلا كان الحفظ والعناية من الله جل وعلا به أعظم، وكلما قلت كلما قل الحفظ والعناية. قال: وعن غيره: «إنما يعطى الناس على قدر نياتهم» أي من الحفظ والعناية من الله رب العالمين جل وعلا، فالله جل وعلا إذا علم من العبد صدق النية وإخلاص وإقبال عليه سبحانه وتعالى حفظه الله وعانه الله ووفقه الله، وكلما نقص ذلك العمل القلب من العبد كلما نقص الحفظ والعناية من الله جل وعلا به بحسب ما نقص من قلب العبد من ذلك العمل. فالله رب العالمين جل وعلا يجازي عبدًا بعمله ويتفضل عليه من فضله أي إن كان خيرًا، وإن كان شرًا فإن الله جل وعلا لا يظلم أحدًا سبحانه وتعالى. فهذا كما سمعتم أمر عظيم ينبغي للطالب وسواء كان العالم أو المتعلم أن يعتني به عناية عظيمة. ولهذا المبحث كلام ومسائل وأقوال سيأتي ذكرها بإذن الله جل وعلا في درس قادم. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا لكم.