الدرس في مقتطفات من فوائد الفوائد 5، الدرس الخامس:( النعم ثلاثة:نعمة حاصلة يعلم بها العبد ونعمة منتظرة يرجوها ونعمة هو فيها لا يشعر بها ). ألقاها
يناقش تقسيم النعم إلى ثلاثة أنواع ويبين أهمية التأمل في النعم المحسوسة والشعور بها. يشرح أمثلة على كل نوع من هذه النعم.
يشرح أهمية التعرف على النعم الحاضرة وشكرها، حيث يؤدي شكر النعم إلى استمرارها وزيادة النعم الأخرى. يُبين أن الله هو المنعم والمعين على الشكر.
يشرح أهمية شكر النعم ودوام الطاعة لله، ويبين أن الله يوفق العبد لشكر النعم ويعينه على اجتناب المعاصي التي تحول بينه وبين النعم المرجوة.
يبدأ بالصلاة على النبي محمد وآله وصحابته، ويعبر عن الثناء والحمد لله رب العالمين. يُظهر التقدير الديني للنبي وأتباعه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، نتكلم اليوم أو في درسنا هذا بإذن الله جل وعلا على فائدة من الفوائد التي ذكرها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الكتاب. فقال رحمه الله: «النعم ثلاثة: نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها لا يشعر بها». فهذه نعم ثلاثة: الأولى نعمة حاصلة قد حصلت وقد وقعت، ويعلم بها العبد، مثلاً نزل بنا في هذه الأيام شهر رمضان، وهو نعمة من نعم الله جل وعلا العظيمة علينا. وهذه النعمة يعلم بها أكثر الناس، أكثر المسلمين يعلمون بهذه النعمة التي نزلت عليهم. قال: «ونعمة منتظرة يرجوها»، أي النعمة الثانية نعمة ينتظرها الإنسان، ينظر إليها متى ستأتي ومتى سيحوز تلك النعمة، سواء كانت هذه النعمة دينية أو كانت هذه النعمة دنيوية؛ دينية كأن يتمنى مثلاً أن يوفقه الله جل وعلا لصيام هذا الشهر على الوجه الذي يحبه الله جل وعلا ويرضاه، وأن يتم عليه هذا الشهر بخير وسلامة وفضل وإنعام إلى غير ذلك من المعاني. هذه نعمة يرجوها هذا العبد، وهي نعمة دينية. ونعمة دنيوية كأن يكون العبد ينظر إلى نعمة يتوقع وقوعها أو يتمنى حصولها، فهو ساع لتحصيلها، ساع إلى تحصيلها. قال: «ونعمة هو فيها لا يشعر بها»، نعمة هو فيها أي في وقته وفي حاله وفي أمره الحاضر، ولكنه لا يشعر بها. وهذا للأسف حال أكثر الناس، وكذلك حال أكثر النعم؛ أكثر النعم تكون مع العبد في وقته وفي زمنه وفي كذلك حاضره وهو لا يشعر بها. لماذا؟ لأنه لم يتأمل في هذه النعمة، ولم ينظر إلى فضل الله جل وعلا عليه في هذه النعمة، ولم ينظر كذلك إلى حاجته إلى هذه النعمة. مثلاً نعمة الصحة نعمة يتقلب فيها الأصحاء ليلاً ونهارًا، ولكن كثير من الناس غافلون عن هذه النعمة. نعمة الفراغ نعمة يتقلب كذلك بها كثير، يتقلب فيها كثير من الناس، ولكنهم لا يشعرون بها. وقل كذلك غيرها من النعم التي تكون على العبد في ليله ونهاره؛ نعمة الحياة، نعمة الأرزاق، نعمة كذلك تلاوة القرآن، نعمة السير إلى المساجد، نعمة الصلوات في بيوت الله جل وعلا، نعمة الأولاد، نعمة الزوجة، نعمة الأمن، نعمة الخير الذي أتاه الله جل وعلا لمن شاء من عبد. هذه نعم، وكثير من الناس لا يشعر بهذه النعم. فالنعم كما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى ثلاث هذه المذكورات. ثم قال: «فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرفه نعمته الحاضرة». إذا أراد العبد إذا أراد الله جل وعلا العبد أن يكرمهم بنعمة أخرى يرجوها ويتطلع إليها وينظر إليها، أكرمه الله ووفقه الله وهداه الله وأعانه الله جل وعلا إلى معرفة النعمة التي هو فيها؛ عرف النعمة التي هو فيها والتي قد غفل فيها كثير من الناس فلم يعلموا بتلك النعمة. قال العلامة ابن القيم: «فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرفه نعمته الحاضرة»، قال: «وأعطاه من شكره»، أي أعانه الله جل وعلا على أن يشكر الله، أعانه الله جل وعلا العبد على شكر الله جل وعلا على النعم التي أعطاه الله جل وعلا إياها. قال: «وأعطاه من شكره قيدًا يقيدها به حتى لا تشرد؛ فإنها تشرد بالمعصية وتقيد بالشكر». فإنها تشرد بالمعصية وتقيد بماذا؟ تقيد بالشكر. وهذا إذا تأمل الإنسان في هذا الكلام يجده من أعظم الكلام ومن أجل الكلام. وهذا الكلام من الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يدل على غوص في معاني الشريعة وغوص كذلك في فضل الله جل وعلا وإنعامه وتفضله على عباده ليلاً ونهارًا. فالله جل وعلا هو المنعم على العبد، ثم هو المعرف للعبد بتلك النعمة، ثم هو المعين للعبد على أن يشكر الله جل وعلا على تلك النعمة، ثم هو الموافق للعبد لأن يحصل النعمة التي يرجوها والذي يتطلع إليها. فالفضل إليه سبحانه وتعالى أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنًا. فبالشكر أولاً تقرم تلك النعم الحاضرة وتبقى وتقيد، وبالمعاصي تذهب تلك النعم الحاضرة. فمثلاً نعمة الأمن وهي من أعظم النعم التي أنعم الله جل وعلا بها على عباده، من وفقه الله جل وعلا لأن يتعرف على هذه النعمة وأن ينظر إلى عظيم فضل الله جل وعلا وإنعامه وإكرامه عليه بهذه النعمة، كان هذا التعرف سببًا لأن يكون العبد شاكرًا لله جل وعلا على هذه النعمة العظيمة التي أنعم الله جل وعلا بها على من شاء من عباده. فإذا شكر الله جل وعلا على هذه النعمة زاده الله جل وعلا فوق هذه النعمة نعمة أخرى؛ زاده الله جل وعلا فوق تركاء النعمة نعمة أخرى وفضلا آخر وإكرامًا آخر. ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾. من لن يتعرف على النعمة الحاضرة وما قابلها بالشكر بل قابلها بالكفر -والمراد بالكفر هاهنا كفران النعم- قابلها بالمعاصي، الله جل وعلا ينعم عليك وأنت تقابلهم بالمعاصي، ماذا تتوقع؟ هل يأتي الشر بالخير؟ لا والله، بل الشر لا يأتي إلا بشر مثله، ويكون سببًا لنزع النعمة التي أنت فيها الآن. لذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وأعطاه الله من شكره قيدًا يقيد به يقيدها به حتى لا تشرد؛ فإنها تشرد بالمعصية وتقيد بالشكر». قال: «ووفقهم لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة التي ينتظرها والذي يرجوها». قال: «وبصرهم» أي يبصرك أيها العبد يبصرك ربك جل وعلا. قال: «وبصره بالطرق التي تسدها وتقطع طريقها»، أي يبصرك ربك جل وعلا إن وفقك لشكر النعم الحاضرة يبصرك ربك جل وعلا بالطرق التي تمنعك والتي تحول بينك وبين ما تريده وترجوه من النعم. فإذا تبصرت بهذه الطرق التي تحول بينك وبين تلكم النعم كان سببًا لاجتنابها والابتعاد عنها. قال: «ووفقهم لاجتنابها». قال: «وبصره بالطرق التي تسدها وتقطع طريقها ووفقهم لاجتنابها». من الموفق لك أيها العبد؟ إنه الله رب العالمين. قال: «وإذا بها قد وافت» أي النعم، وإذا بها قد وافت إليه على أتم الوجوه، وعرفه النعم التي هو فيها ولا يشعر بها. فانظر أيها العبد إلى عظيم نعمة الله جل وعلا عليه؛ كيف أنعم عليك أولاً، ثم عرفك بالنعم ثانيًا، ثم وفقك لشكرها ثالثًا، ثم أعانك بعمل تستعين به على تحصيل نعمة ترجوها، ثم بعد ذلك بصرك بالحواجز والسدود التي تحول بينك وبين ما ترجوه، ثم وفقك إلى اجتنابها، ثم وفقك إلى أن أنعم عليك بالنعمة التي ترجوها. فإذا صارت تلك النعمة التي ترجوها حاضرة عرفك الله جل وعلا بها، فإذا عرفك الله جل وعلا بها كان سببًا مرة أخرى لأن تشكر الله؛ لأن تشكر الله. فإذا شكرته عاد الأمر وعادت النعم واستمرت النعم واستمر الخير الإله والإمداد الإله لك أيها العبد. إذن هو فضل من الله جل وعلا أولاً وآخرًا، فله الحمد سبحانه وتعالى أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنًا. قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «ويحكى أن أعرابيًا دخل على الرشيد فقال: أمير المؤمنين، ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها بإدامة شكرها». تأمل إلى هذه الكلمات وإلى هذه العبارات: «ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها بإدامة شكرها». قال: «وحقق لك النعمة التي ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته ودوام طاعته؛ لأن دوام الطاعة كذلك من الشكر لله جل وعلا». قال: «وعرفك النعم التي أنت فيها» أي الحاضرة «ولا تعرفها لتشكرها» أي لتشكر هذه النعم وتشكر وتشكر الله جل وعلا على إنعامه لك بتلك النعم. قال: «فأعجبه ذلك منه وقال: ما أحسن تقسيمه». والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحابته أجمعين، والحمد لله رب العالمين.