باب التقوى من رياض الصالحين 3

باب التقوى من رياض الصالحين 3

الدرس في باب التقوى من رياض الصالحين 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التقوى معيار الكرامة عند الله

يشرح المقطع حديث أبي هريرة وقوله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ مبيناً أن الأنساب والأموال لا تقرب إلى الله. ويؤكد أن الإيمان والعمل الصالح والتقوى هما الميزان الحقيقي للكرامة عند الله.

فضل التقوى وأكرم الناس في الإسلام عند السؤال عن الأنساب

يوضح المقطع أن التقوى أساس الكرامة، ويستعرض حديث النبي صلى الله عليه وسلم في "معادن العرب" بأن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام بشرط الفقه والتقوى. ويبين أن السؤال عن الأنساب في الإسلام مرده إلى التقوى لا إلى النسب المجرد.

شرف النسب مشروط بالتفقه في الدين وفضل العلم في رفع الدرجات

يبيّن المقطع أن شرف النسب كشرف بني هاشم لا ينفع إلا مع الفقه في الدين، وأن أهل السنة يعظمون آل البيت تعظيماً شرعياً. ويبرز فضل طلب العلم في رفع قدر الإنسان وإن كان من وضعاء النسب مستشهداً بعطاء بن أبي رباح.

شرف الفقه والعلم ورفعة النسب بالخاتمة

يتحدث المتحدث عن شرف الفقه والعلم مبيناً أن اجتماعهما مع النسب الشريف يرفع قدر الإنسان درجات. ويختم الجلسة مكتفياً بما ذُكر من فضائل التقوى والعلم والنسب الشريف.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب التقوى، الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: "أتقاهم". فقالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فيوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا". متفق عليه. "فقه" بضم القاف على المشهور، وحُكي كسرها، يعني: فقهوا، أي: علموا أحكام الشرع. هذا الحديث فيه عدة مسائل، أولها: ما نحن بصدده في هذا الباب، باب التقوى. فلما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: "من أكرم الناس؟" أي: عند الله عز وجل، وعند أولياء الله، قال عليه الصلاة والسلام: "أتقاهم". وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فالله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الأنساب، ولا ينظر إلى الأحساب، ولا ينظر إلى الجاه والأموال، وإنما الميزان الشرعي في كرامة الإنسان عند الله عز وجل هي التقوى. فهذا فيه فضل التقوى، وأنها هي الميزان عند الله سبحانه وتعالى. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. فنعم، بالإيمان والعمل الصالح، بتقوى الله عز وجل يكرم الإنسان. وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾. الذي يدع التقوى ويرتكب ما يخالف شرع الله عز وجل فقد أهان نفسه، فقد أهان نفسه. ومن اتقى الله عز وجل فهو الكريم عند الله سبحانه وتعالى. فهذا فيه فضل التقوى. وأما قولهم: "ليس عن هذا نسألك"، لأن السؤال عام، ففهم النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يسألون عن أكرم الناس عند الله عز وجل. فلما قالوا: "ليس عن هذا نسألك"، ظن عليه الصلاة والسلام أنهم أرادوا شخصًا بعينه، فقال لهم: "يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله". نعم، لأن يوسف نبي من سلالة الأنبياء، فيوسف هو ابن يعقوب، ابن إسحاق، ابن إبراهيم، وهكذا يتسلسل في آبائه بيئة الأنبياء. نعم. فقالوا: لسنا عن هذا نسألك كذلك. فقال لهم: "فعن معادن العرب تسألون؟". ومعنى "معادن العرب": يعني أصولهم وأنسابهم، أصولهم وأنسابهم من أفضل العرب أصلًا ونسبًا. هذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "فعن معادن العرب تسألوني"، يعني: عن أصولهم وأنسابهم. ثم أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا". يعني: أن أكرم الناس من حيث النسب والمعادن والأصول هم الخيار في الجاهلية، فمن كان من خيار الناس في الجاهلية فهو من خيار الناس في الإسلام، بشرط. بشرط: إذا تحقق هذا الشرط كان الأمر كما ذكر عليه الصلاة والسلام، من أنهم من أكرم الناس. ما هو هذا الشرط؟ "إذا فقهوا"، يعني: إذا تفقهوا في دين الله، وآمنوا بالله، واتقوا الله عز وجل، وعرفوا دين الإسلام. فمن كان في الجاهلية ذا نسب، وفي الإسلام ذا علم وفقه، فهو من أكرم الناس، وهو من أفضل الناس. فمثلًا: بنو هاشم، معروف كانوا في الجاهلية من خيار قريش، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان منهم، عليه الصلاة والسلام، فيكونون خيار الناس في الإسلام ممن فقه منهم، وممن تفقه في دين الله سبحانه وتعالى. ففي هذا دليل على أن الإنسان يشرف بنسبه، لكن بشرط أن يكون له فقه في دينه، أن يكون له فقه في دينه. وهذا يدل على أن النسب له أثر، له أثر. ولهذا كان بنو هاشم أطيب الناس وأشرفهم نسبًا، ولذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نعرف حق قرابته، أن نعرف حق قرابته. وهؤلاء هم الصالحون منهم، الأتقيا منهم، الفقهاء منهم، فلهم حق الإسلام، ولهم حق القرابة. فأهل السنة لا إفراط عندهم ولا تفريط، فيحبون ويعرفون قدر آل البيت، ويعظمونهم تعظيمًا شرعيًا، من غير جفاء ولا غلو، من غير جفاء ولا غلو. فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا فقهوا". وهذا فيه كذلك فضل التفقه في الدين، فإنما يشرف الإنسان بتعلمه وبتفقهه، ولو كان من أقل الناس نسبًا، ولو كان ممن هو من وضعاء الأنساب، إذا تعلم وتفقها يرفعه العلم، كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. فكم من إنسان وضيع في النسب رفعه العلم! انظروا إلى علمائنا: عطاء بن أبي رباح، كان مولى من الموالي، لكن رفعه الله سبحانه وتعالى بالفقه والعلم، فكان من أفقه الناس، ومن أعلم الناس بالمناسك، لا يُفتى في أمور الحج إلا عطاء بن أبي رباح، وكان الأمراء يبعثون أولادهم إليه ليتفقهوا على يديه. فانظروا إلى شرف الفقه والعلم، فكيف لو كان هذا الفقه مع إنسان ذا نسب؟ فلا شك أنه يرفع بهذا العلم وبهذا الفقه. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.