الدرس في شرح كتاب التوحيد 50، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح بتوضيح عموم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم 'من تعلق شيئًا وكل إليه' في التعلقات الظاهرة والباطنة. يشمل هذا الشرح أقسام التعلقات وأنواعها.
التعلق بغير الله يُعد شركًا ويترتب عليه عقوبة التخلية والتوكيل إلى ما تعلق به الإنسان. هذا التعلق قد يكون بأشخاص أو أموال أو أمور دنيوية أخرى ويؤدي إلى ضعف الإنسان.
من تعلق قلبه بغير الله وكل إليه ويعذب به، بينما من علق قلبه لله فالله معه وكافيه ويجعل له مخرجًا من كل ضيق. هذا يبين الفرق بين التعلق بالله وبغيره.
يختتم الشرح بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم ويشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. ومواصل، إخواني في الله، فيما نحن بصدد في هذا الباب، والذي باب عليه المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الرقى والتمائم. وأشرنا إلى ما يتعلق بمعاني هذا الباب، فما هي الرقى وأقسامها؟ وما هي التمائم وأنواعها؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن عبد الله بن عكيم مرفوعًا -مرفوعًا أي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو من قوله- قال: عن عبد الله بن عكيم مرفوعًا: «من تعلق شيئًا وكل إليه». رواه أحمد والترمذي. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث؛ لما له ارتباط بباب التعلقات، وهي التمائم. فأورد رحمه الله تعالى حديث عبد الله بن عكيم، وهو أبو معبد الجهني الكوفي. ومن أهل العلم من توقف في مسألة سماع عبد الله بن عكيم من رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال إمام البخاري رحمه الله تعالى: توقف في مسألة السماع، وهكذا أبو حاتم رحمه الله. وجماعة من أهل العلم يرون ثبوت السماع من عبد الله بن عكيم من رسول الله، فالحديث صحيح متصل، كما ذهب إلى ذلك صاحب النهج السديد، وهكذا العلامة الألباني رحمه الله تعالى، فهو على تحسين هذا الحديث. وقوله عليه الصلاة والسلام: «من تعلق شيئًا وكل إليه». قوله: «من تعلق شيئًا»، هذه اللفظة، إخواني في الله، اجتمعت على عموم من عدة أوجه. فقوله عليه الصلاة والسلام: «من»، «من» أسماء الشرط، وأسماء الشرط تفيد العموم، كما صرح بذلك أهل الأصول. فهذا الحكم يجري مع كل أحد، من عاقل بالغ، كائنا من كان، سواء كان ذكرًا أو أنثى، عظيمًا أو حقيرًا، غنيًا أو فقيرًا، عالما أو غير متعلم، فالكل يشمله هذا الحكم لقوله عليه الصلاة والسلام: «من». وقوله عليه الصلاة والسلام: «تعلقًا»، كذلك، هذا فيه عموم. وجه العموم في هذه الكلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: «من علق»، ما قال: «من علق»، وإنما قال: «من تعلق». والفرق بينهما ظاهر؛ لأن «من علق» سيكون الحكم في الذي يعلق على بدنه، يعلق على جسده، فهي من التعلقات الظاهرة. لكن لما عبر نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: «من تعلق»، شمل ذلك التعلق ما يكون في القلب، ما يكون في القلب من التعلقات، وهذا يدخل فيه التعلقات الباطنية. فهذا الحكم وهذا الحديث إنما يدور على من علق شيئًا، سواء كان ظاهرا في بدنه وجوارحه، علقها في نفسه، علقها في مركوبه، علقها على بيته، علقها على سيارته، أو من تعلق شيئًا بقلبه، قد ما يكون ظاهرًا للعيان، لكن أمر باطني، فؤاده، قلبه، جنانه، قد تعلق بأمر ما. فإذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «من تعلق»، فيه من لفظ العموم ما يشمل التعلقات الظاهرة والباطنة. ثم في قوله عليه الصلاة والسلام: «شيئًا»، «شيئًا» نكرة، والنكرة هنا في سياق الشرط، والقاعدة كذلك عند أهل الأصول أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم. أي شيء، أي شيء من التعلقات الظاهرة يدخل في الحديث. من علق تميمة، من علق خرزة، من علق معدنًا، خيطًا، حديدة، إسورة، مما يعتقد فيها جلب النفع ودفع الضر، فأي تعلق يدخل في قوله: «شيئًا»، هذه التعلقات الظاهرة. أو ما يكون من التعلقات الباطنة، التعلقات القلبية، كمن تعلق قلبه بشخص بعينه، بذات كمن يتعلق بالدنيا، يتعلق بالأموال، يتعلق بالأزواج، يتعلق بالأولاد، يتعلق... يتعلق. فيشمل كلمة «شيئًا» كل ما كان يتعلق به الإنسان من دون الله سبحانه وتعالى. إذن قوله عليه الصلاة والسلام: «من تعلق شيئًا وكل إليه»، «وكل إليه»، أي أن الله جل وعلا يوكلك إلى هذا الأمر الذي أنت تعلقت به. وهذا الإخبار، إخواني في الله، خرج مخرج التهديد، وهذه عقوبة، عقوبة من الله عز وجل، أنه يوكلك، يا عبد الله، إلى غيره. أعظم عقوبة أن الله يتخلى عنك سبحانه، فلا يتولاك، ولا يرعاك، ولا يحفظك، ولا يعتني بك سبحانه وتعالى. والأدلة العامة، إخواني في الله، تدل على ذلك، وهو: من أعرض عن الله، فالله يعرض عنه. من أعرض عن الله، فالله يعرض عنه. وكما جاء في الحديث: وأما أحدهم فقد أعرض، فأعرض، فأعرض الله عنه. فمن كان قد تعلق -مثلا- على أمر ظاهر في جلب الصحة والنفع بتميمة، أو بتيولة، أو بخيط، أو بحرز، فإذا تعلقت، يا عبد الله، بمثل هذه الجمادات، فأنت وشأنك، أنت وما تعلقت به. فربنا جل وعلا يكلك إلى الذي أنت تظنه أنه ينفعك. وهل من نافع غير الله سبحانه وتعالى؟ أو ما كان من التعلق الباطني، تعلقت بإنسان بعينه، فأصبحت شغوفًا به، أو تعلقت بمادة من الدنيا، أو بمال، فأنت وشأنك. ولهذا جاء في الحديث الصحيح -وسأتي معنا-: قال عليه الصلاة والسلام، قال الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن أشرك معي غيري تركته وشركه». يتركك ربك سبحانه وتعالى مع الذي جعلته مع الله شريكًا. وماذا عسى، يا عبد الله، أن تجد من هذا الذي وكلت إليه؟ لن تجد منه شيئًا؛ لأنه مخلوق مثلك. فإذا تعلقت -مثلا- بخارزة، أو تعلقت بخيط، فما عسى الخيط أن ينفع؟ أو تعلقت بميت، بضريح، بصاحب قبة، فما عسى الميت أن ينفعك؟ إذا هو ما نفع نفسه. أو يا من يتعلق بالدنيا، يتعلق بالأموال والدنانير، ولا زالت نفسه تهفو إلى أن يجري خلف الدنيا جريًا عظيمًا، حتى نسي حق الله، فالله جل وعلا يكلك إلى دنياك. لكن ماذا عسى أن تجدت من الدنيا؟ إذ أن الدنيا هي ملك لله جل في علاه، لله سبحانه وتعالى. ولهذا القاعدة العظيمة في هذا الباب: أن الله سبحانه وتعالى يوكل الإنسان إلى ما اتكل عليه، كائنا من كان. وهذا الحديث من هذا الباب. قال عليه الصلاة والسلام: «من تعلق شيئًا ووكل إليه». وهذا إشارة، يا عبد الله، إلى ما ستنضي إليه من ضعف، ومن عز؛ لأنه ما من أحد مالك الملك إلا الله سبحانه وتعالى، بيده كل شيء جل في علاه. أردت الصحة بيد الله، أردت الغنى بيد الله، أردت العافية، أردت حظ الدنيا والآخرة بيد الله، فلماذا، يا عبد الله، تلتفت إلى زيد أو تلتفت إلى عبيد؟ وإن الأمر، إخواني في الله، لا يقتصر على هذه العقوبة فحسب، من أن الله يوكلك إلى من اتكلت عليه، بل إن الأمر أعظم، كما عبر بذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، حين ذكر رحمه الله تعالى: قال: «من تعلق قلبه بغير الله عذب به، ولا بد». من تعلق قلبه بغير الله وكل به. قال: «عذب به، ولا بد». إذا تعلق قلبك بأمر ما، اعلم أن الله سيجعل عقوبتك بيد هذا الذي أنت قد ركنت إليه. ولهذا مر معنا في الحديث الصحيح، عندما مر نبينا على ذاك الرجل الذي علق في عضده خيطًا، وأراد أن تحميه من الحمى، فقال له النبي: «انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنا». عندما قال: «لما علقتها هذه؟» قال: «من الواهنة، يا رسول الله». قال: «انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنا». الشخص إذا تعلق بغير الله، فالله سيعذبك به، سيعذبك به. كحال الذي -مثلا- يعلق الطلاسم، يعلق الخيوط، فلا زال ينظر في هذه التميمة صباح مساء، ليلة نهار، وكل يوم يتحسس في عضده، في أصبعه، في يده. أو علقه في أولاده، فلا زال يفتش: هل هذه التميمة قد علقت؟ أم سحبت؟ وإذا خرجت منه، أو انسحبت من أولاده، لربما أصيب بالذهول، مطمئن حاله، فلا زال يتعذب بهذه التميمة الذي جعلها من دون الله شافية نافعة. وهكذا قس، عبد الله، من تعلق بالأموات، فلا زال قلبه معلقًا بهذا الميت في كل حركاته، في كل سكناته، الرجاء والرهب، والخوف والخشية، يجعلها لهذا الميت، بحيث ينظر إلى نفسه أنه إن غفل عن هذا الميت طرفة عين أن هذا الميت سيغضب عليه. وإذا وجد أن المنافع ما تحققت من هذا الميت، لربما أتى بميت آخر. ولازال عباد القبور فيما بينهم يتهافتون ويتنافسون، كل بمقبوره: «أنا عندي القبر الفلاني، صاحب المدد». وآخر يقول: «لا والله، بل قبر الفلاني هو صاحب العطاء وصاحب الجود والكرم». وذاك الآخر يقول: «اغلقوا أفواهكم، بل صاحبي والله ما من حاجة وسألته إلا وأعطاني». فلا زال الكل يتنافس، وأنت تدور في دوامة بين الأموات، من قبر إلى قبر، من ضريح إلى ضريح، فلا يزال ينتابك الخوف والخشية والقلق، يعذبك الله جل وعلا بالذي وكلت إليهم. وهكذا قل، يا عبد الله، من تعلق قلبه بالدنيا، فلا زالت نفسه تضطرب سعيًا بحثًا عن الدنيا في تحصيلها، وإذا حصلها تعب في القيام عليها، في حراستها، في حسابها، في التحرز أن لا يخرج منها إلا بوجهه، فلا زال على هذه الدنيا يعذبها. أو قل: من تعلق قلبه بصور الحسان، كمن تعلق قلبه بصور المردان، أو بالنساء، فلا يزال يعذب بهذا وبتلك. فيا عبد الله، عقوبة من الله: أن من تعلق بشيء -كما قال ابن القيم- عذب به، ولا بد. هذا في حق من التفت إلى غير الله. لكن من علق قلبه، وعلق ظاهره وباطنه لله جل فعل، فالله معه، فالله معه. قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. حسيبه، وماذا، عبد الله، تريد بعد ذلك؟ أن يكون الله هو حسيبه، وهو كافيك جل فعل، يجعل لك من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا. فالشاهد، إخواني في الله، في هذا الحديث، فيه الذنب لمسألة التمائم، وما هو أعم من ذلك، في كل ما يتعلق به المرء من أمر ظاهري أو أمر باطني. فقال عليه الصلاة والسلام: «من تعلق شيئًا وكل إليه». أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.