التعليق على تقريب التدمرية 38

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 38، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

منهج أهل السنة والسلف في التعامل مع لفظ الجهة وإثبات علو الله

يبيّن المحور أن الألفاظ المحدثة المجملة ككلمة "الجهة" لا تُثبت ولا تُنفي مطلقاً بل يُستفصل عن المراد بها، فإن أريد بها علو الله على عرشه وفوقيته على خلقه قُبل، وإن أريد بها إحاطة المخلوق بالخالق رُفض، وهذا منهج السلف الذين لم يسألوا عن الجهة لفقههم نصوص العلو والفوقية الثابتة بالكتاب والسنة.

الرد على قول الجهوية وبيان معنى قولنا الله في السماء

ينفي الشيخ أن يكون الله في جهة تحيط بها المخلوقات مؤكداً أن الله لا يحاط به شيء بل هو المحيط بكل شيء، ويوضح أن معنى (الله في السماء) هو العلو المطلق ذاتاً وقدراً وقهراً مستدلاً بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، ومفسراً حديث الجارية بأنها أقرت بالعلو لا بالحصر في السماء الدنيا.

الخاتمة بالصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه

يختتم المتحدث الدرس بالصلاة والتسليم والبركة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، وفق الصيغة الشرعية المعتادة في ختام المجالس العلمية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: وأما ما تنازع فيه المتأخرون مما ليس في الكتاب والسنة ولا عند سلف الأمة، فليس على أحد بل وليس لأحد أن يثبت لفظه أو ينفيه لعدم ورود السمع به، وليس له أن يقبل معناه أو يرده حتى يعلم المراد منه. فإن كان حقاً وجب قبوله، وإن كان باطلاً وجب رده. ولذلك أمثلة، منها المثال الأول: الجهة. أي لو قال قائل: إن الله في جهة، أو هل لله جهة؟ فيقال له: لفظ الجهة ليس في الكتاب والسنة إثباته ولا نفيه. فليس فيهما أنه في جهة أو له جهة، ولا أنه ليس في جهة أو ليس له جهة. وفي النصوص ما يغني عنه، كالعلو والفوقية والاستواء على العرش، وصعود الأشياء إليه ونزولها منه. وقد اضطرب المتأخرون في إثباته ونفيه. فإذا أجريناه على القاعدة قلنا: أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود ذلك. وأما المعنى فينظر: ماذا يراد بالجهة؟ أيراد بالجهة شيء مخلوق محيط بالله عز وجل؟ فهذا معنى باطل، لا يليق بالله سبحانه. فإن الله لا يحيط به شيء من مخلوقاته، فقد وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يؤوده حفظهما، ولا يمكن أن يكون داخل شيء من مخلوقاته. أم يراد بالجهة ما فوق العالم؟ فهذا حق ثابت لله عز وجل. فإن الله تعالى فوق خلقه، عال عليهم، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لجارية كانت له: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». والمثال الثاني: الحيز، وسيأتي الكلام فيه. ذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذا الموضع بعد أن ذكر في بداية هذا الفصل أن الواجب التسليم لخبر الله جل وعلا وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، وإثبات ما ثبت في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك إثبات الصفات لله رب العالمين جل وعلا على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى. وذلك لأن الله جل وعلا هو الذي أخبر بذلك، وهو أعلم بنفسه جل وعلا من غيره، وهو جل وعلا أصدق القائلين سبحانه وتعالى. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. وهكذا رسول الله عليه الصلاة والسلام، المبلغ عن ربه جل وعلا، هو الصادق المصدوق، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. قد أمر الله جل وعلا باتباعه وتصديق خبره عليه الصلاة والسلام. فالإيمان لا بد فيه من التسليم لخبر الله ولخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، ما علمه الإنسان وما لم يعلمه. فما علمه فهذا واضح، وما لم يعلمه فإنه يؤمن بذلك ثم يستفصل عن هذا الذي جهله، ويسأل عن هذا الذي خفي عليه، فسيجد في الأمة من يبين له هذا الذي خفي عليه وجهله. ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك أن ما نقل عن السلف الصالح إلينا من اتفاق أو إجماع، فالواجب قبول ذلك. لأن ما نقل إلينا ونقله السلف الصالح إنما هو مستنبط من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، خاصة فيما يتعلق بهذا الباب، باب الأسماء والصفات. فهو باب توقيفي لا يمكن أن ينقل إلينا عن السلف الصالح في هذا الباب أنهم اتفقوا على شيء وأجمعوا عليه، ولا يكون ذلك منصوصاً عليه في الكتاب والسنة أبداً. بل إجماعهم واتفاقهم على ذلك الذي نقل إلينا هو ما أخوذ من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وذلك الفهم الذي فهموه، اتفقوا عليه وأجمعوا عليه ونقلوه، هو ما وافق كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. أي أنهم وافقوا لكتاب الله ولسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ثم تطرق رحمه الله تعالى إلى ما أحدث بعد عهد السلف الصالح، قرون الفضيلة. فإنه قد أحدث في هذا الباب الشيء الكثير من الإحداث. وهكذا كلما بعد الناس من عهد السلف، كثر الإحداث، وكثر الاختلاف والاضطراب. فمن ذلك ما أحدثه بعض الناس من الإتيان بألفاظ مجملة، ألفاظ مجملة لم يأتِ إثباتها في كتاب الله ولا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهكذا لم تنفَ في كتاب الله ولا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يتكلم فيها السلف الصالح حتى نأخذ بفهمهم في هذه الأمور. فهذه الأمور كان مسكوتاً عنها، مسكوتاً عنها في القرآن، مسكوتاً عنها في السنة، ومسكوتاً عنها في عهد السلف الصالحين. ولكن أحدثت، ولكن أحدثت في وقت ظهر فيه الإحداث في هذا الباب، باب الأسماء والصفات. فجاءوا بألفاظ مجملة، فأراد أن يبين رحمه الله ما هو موقف المسلم السني السلفي تجاه هذه الألفاظ المجملة: هل يقبلها مطلقاً أو يردها مطلقاً أو ماذا عليه؟ فبين رحمه الله الواجب في هذا الباب ومع هذه الألفاظ المجملة التي أحدثت في هذا الباب، وما هو الواجب تجاهها. فذكر رحمه الله تعالى أن هذا الذي تنازع فيه المتأخرون، فالناس فيه على طرفين ووسط. فمن قبل هذه الألفاظ مطلقاً فلم يوفق للصواب، ومن ردها مطلقاً لم يوفق للصواب. وإنما الحق أن يستفصل، أن يستفصل الإنسان عن المراد بهذه الألفاظ. لأن من هذه الألفاظ ما تتضمن معاني صحيحة، ما تتضمن معاني صحيحة دل عليها كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. فالإنسان إذا رد هذا اللفظ مطلقاً ولم يقبله مع ما تضمن من معنى صحيح، فإنه يكون قد رد معنى حقاً، رد معنى حقاً دل عليه كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يجوز. لا يجوز أن ترد المعاني الصحيحة. نعم. ولذلك حين يستفصل الإنسان يتبين له المراد. ولذلك الإجمال في الأقوال من سيمة أهل البدع، أنهم يجملون في الأقوال. لكن أهل السنة فإنهم يستفصلون ويسألون: ما المراد بهذا؟ ماذا تريد بهذا؟ فربما قول الشخص يحتمل حقاً وباطلاً من معنى. فإنهم إذا استفصلوا تبين لهم من هذا الكلام ما وافق الكتاب والسنة من معنى فقبلوه، وما خالف فردوه. وهذا من إنصافهم، وهذا من إنصافهم رحمهم الله تعالى. السلف الصالح على إنصاف عظيم، حتى مع هذه الأقوال فإنهم لم يردوها مطلقاً ولم يقبلوها مطلقاً، وإنما يستفصلون، فيقبلون المعنى الحق ويردون المعنى الباطل. فيعرضون تلك الألفاظ على الكتاب والسنة. فذكر رحمه الله تعالى بعض الأمثلة من هذه الألفاظ التي أحدثت، وهي ألفاظ مجملة. فذكر الجهة، لفظ الجهة. هذا اللفظ، لفظ الجهة، يعني أحدث: هل رب العالمين في جهة أو ليس في جهة؟ هذا السؤال ما سأله الصحابة رضي الله تعالى عنهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم من أحرص الناس على معرفة الحق. لو كان في هذا السؤال فائدة، ولو كان في هذا السؤال علم، لسألوه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. لكن لم يسألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا، لماذا؟ لأنهم فقهوا كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. عندهم مئات الأدلة الدالة على علو الله جل وعلا على خلقه، وأنه سبحانه وتعالى عال على خلقه، لا مشارك له في علوه، لا وجود لمخلوق معه في علوه، لا جهة ولا أي مخلوق آخر من المخلوقات. لا مشارك لله جل وعلا في علوه، ولا يشاركه أحد من مخلوقاته، كانت جهة أو كان مخلوقاً آخر. فالله جل وعلا متفرد بصفة العلو، فهو في علوه جل وعلا على جميع مخلوقاته، قد قهرهم سبحانه وتعالى، وقد علا عليهم جل وعلا قدراً وذاتاً وقهراً، قدراً وذاتاً وقهراً. فلما علموا ذلك، سلموا واكتفوا بهذه النصوص الواضحة الصريحة. من أيقن بهذه النصوص وجزم بها وآمن بها حقاً وفهمها حقاً، فإنه لا يسأل بعد ذلك، لا يسأل بعد ذلك: هل الله في جهة أو ليس في جهة؟ لأنه قد علم: الله في العلو، الله فوق سائر مخلوقاته، عال عليها سبحانه وتعالى. ومعنى ذلك أنه لا تحيط به جهة، ولا تشاركه جهة في علوه، ولا يشاركه مخلوق. لكن هؤلاء لما ضعف عندهم العلم، وجهلوا ما كان عليه السلف الصالح في هذا الباب، أتوا بمثل هذه الألفاظ المجملة. وبعضهم لسونية، لسونية، أتى بهذه الألفاظ. الذين مثلاً أرادوا أن ينفوا علو الله جل وعلا، أتوا بمثل هذه الألفاظ. قالوا: إذا كان الله جل وعلا في السماء، يعني إذن هو في جهة، إذن هو في جهة، والجهة مخلوقة، إذن نزه الرب جل وعلا عن ذلك، فعطلوا الله جل وعلا عن علوه. طيب، ماذا قالوا إذن؟ قالوا: في كل مكان، في كل مكان. وماذا قالوا؟ قالوا: ليس فوق ولا تحت، ولا داخل ولا خارج، ولا يمين ولا شمال. عطلوا الله سبحانه وتعالى، زعموا التنزيه بزعمهم، فوقعوا في أعظم التنقيص في حق الله سبحانه وتعالى. ولو أنهم سلموا كما سلم السلف الصالح، وفهموا منهج السلف الصالح في هذا الباب، لكفاهم ذلك، ما وقعوا فيه من ضلال وتخبط وتنقيص في حق الله سبحانه وتعالى. فقال رحمه الله تعالى: لو قال قائل: إن الله في جهة، أو هل لله جهة؟ يقال له: لفظ الجهة ليس في الكتاب والسنة إثباته ولا نفيه. ما نستطيع أن نقول لك: الله في جهة، لماذا؟ لأن ما عندنا دليل، ما عندنا دليل لا في القرآن يدلنا على أن الله في جهة فنقول لك: نعم الله في جهة، والدليل قوله جل وعلا كذا وكذا. وليس عندنا من السنة دليل يدلنا على أن الله في جهة فنقول لك: نعم. أو أنه ليس في جهة، نقول لك: لا ليس في جهة، والدليل كذا وكذا. فهذا الباب لا يتكلم فيه إلا بدليل، إلا بدليل، لأن هذا خبر يتعلق بالله جل وعلا، نعم، وبصفاته وبما يستحقه. ولا يمكن لنا أن نثبت له شيئاً أو ننفي عنه شيئاً إلا بدليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وليس عندنا دليل لا من القرآن ولا من السنة يدلنا على أن الله في جهة أو ليس في جهة. قال رحمه الله تعالى: وفي النصوص ما يغني عنه، كالعلو والفوقية والاستواء على العرش، وصعود الأشياء إليه ونزولها منه. هذا شيء واضح في كتاب الله جل وعلا. لو سُئل: هل الله جل وعلا في العلو؟ لقلنا: نعم، لقلنا: نعم الله في العلو. عندنا عشرات الأدلة بل مئات الأدلة الدالة على علو الله جل وعلا في الكتاب والسنة. ما شئت من دليل، ذكرنا لك. تريد كم دليلاً على علو الله جل وعلا؟ عشرة، عشرين، ثلاثين، أربعين، خمسين، مئة، مئتين، ثلاثمئة، أكثر من هذا موجود في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أدلة دالة على علو الله جل وعلا. فقلنا لك ذلك: نعم الله في العلو، لوجود الأدلة الدالة على ذلك. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، أي على جل وعلا، معنى استوى يعني على. وهكذا الحديث عن الله سبح، وهكذا الآيات. وهكذا كذلك لو سألت عن الفوقية: هل الله جل وعلا فوق؟ قلنا لك: نعم، الله جل وعلا فوق مخلوقاته، فوق مخلوقاته. ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، يخافون ربهم من فوقهم. فالله جل وعلا فوقهم، بمعنى علا عليهم سبحانه وتعالى، وهو فوق مخلوقاته كلها جل وعلا. وإذا سألت كذلك عن الرب سبحانه وتعالى: هل هو كذلك يعني صعد إلى السماء؟ نقول: نعم، الله سبحانه وتعالى صعد إلى السماء، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، ثم استوى إلى السماء. إليه يصعد الكلم الطيب، يصعد إليه. فهذه لها دلالة واضحة في كتاب الله جل وعلا، فيستطيع الإنسان أن يجيب على هذه الأسئلة. لكن السؤال: هل الله في جهة أو ليس في جهة؟ هذا ما عندنا دليل نقول لك: في جهة والدليل كذا، أو ليس في جهة والدليل كذا. لكن نستفصل: ماذا تريد أنت بالجهة؟ نقول لك: أولاً هذا السؤال ما ينبغي أن يسأل، لأنه ماذا؟ لأن هذا السؤال فيه تنطع. قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون». فمثل هذه الأسئلة فيها تنطع، لماذا؟ لأن هذا السؤال لم يصدر عن من هو أفضل مني ومنك، وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فهذا السؤال فيه تكلف، وفيه كذلك تنطع أن يسأل الإنسان بمثل هذه الأسئلة. ومنها السؤال: هل الرب جل وعلا في جهة أو ليس في جهة؟ ولكن مع هذا، أهل السنة كما تقدم من إنصافهم رحمهم الله تعالى يستفصلون، نعم، لأنهم يريدون هداية الخلق، يريدون هداية الخلق للصواب وللمنهج القويم. فمع هذا يبينون للناس الحق من الباطل، والصواب من الخطأ. فلذلك كان من منهجهم رحمهم الله تعالى في هذا الباب، مع أنهم يعني يقولون: هذه الأسئلة هي أسئلة فيها تكلف، وهذه أسئلة فيها تنطع، إلا أنهم كذلك من إنصافهم ومن رحمتهم بالخلق أنهم يدلون الناس إلى الحق والصواب. فكان يستفصلون عن هذه الألفاظ المجملة: ماذا أراد بها من قالها؟ فقال رحمه الله تعالى: فإذا أجريناه على القاعدة قلنا: أما اللفظ فلا نثبت ولا ننفيه لعدم ورود ذلك. وأما المعنى فينظر: ماذا يراد بالجهة؟ أيراد بالجهة شيء مخلوق محيط بالله عز وجل؟ فهذا معنى باطل، لا يليق بالله سبحانه. يقال لهذا الذي قال: هل الرب جل وعلا في جهة؟ يقال له: أتريد أن الله جل وعلا في جهة تحيط به مخلوقاته، أو يحيط به شيء من مخلوقاته؟ فإذا أردت ذلك، فهذا باطل، هذا باطل. لماذا؟ لأن الله جل وعلا لا يحاط به شيء، لا يحاط به شيء، بل هو جل وعلا أحاط بجميع مخلوقاته. ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً. فإذا أردت أن الله جل وعلا في جهة، وردت أنه في جهة بمعنى أنه قد يحيط به شيء، وأحاط به شيء من مخلوقاته، فهذا باطل لا يليق بالله سبحانه وتعالى. لأن الله جل وعلا الكمال المطلق من كل الوجوه، لا يحاط به سبحانه وتعالى شيء من مخلوقاته، لا علماً ولا سمعاً، فضلاً عن أن تكون إحاطة الذات به سبحانه وتعالى، أن يحيط بذاته جل وعلا شيء من مخلوقاته. فإذا كان لا يحاط به جل وعلا علماً، لا يستطيع إنسان أن يحاط بالله جل وعلا علماً ولا سمعاً، فكيف يحيط بالله سبحانه وتعالى ذاتاً؟ فلا شك أن هذا باطل، باطل لا يليق بالله جل وعلا. لأن الله سبحانه وتعالى هو العظيم، كرسيه جل وعلا وسع السماوات والأرض، وسع كرسيه السماوات والأرض. الكرسي وسع السماوات والأرض، هذه السماوات العظيمة وهذه الأراضون العظيمة، فالكرسي قد وسعها، الكرسي قد وسعها. نعم، العرش أعظم من الكرسي، العرش أعظم من الكرسي. هذا الكرسي الذي وسع السماوات والأرض، السماوات والأرض ليست بشيء أما عند الكرسي. نعم، فقد وسعها وقد شملها الكرسي، والعرش أعظم من الكرسي، والعرش أعظم من الكرسي. ولا وزن هنا من مخلوق إلى مخلوق، فالكرسي مخلوق والعرش مخلوق. فهذه مخلوقات عظيمة لله سبحانه وتعالى، شملت السماوات وشملت الأراضين. نعم، والله سبحانه وتعالى استوى على عرشه جل وعلا، استواء يليق بجلاله سبحانه وتعالى. هذا العرش العظيم الذي هو أعظم من الكرسي، استوى عليه الرب سبحانه وتعالى. فكيف تريد أن يكون الله جل وعلا في جهة؟ كيف تريد أن تكون هذه السماوات قد حاطت بالله جل وعلا، وصارت هي في جهة، والله جل وعلا في جهة؟ هذه قد شملها الكرسي، ضاعت عند الكرسي. هذه السماوات العظيمة ضاعت عند الكرسي، وهذه الأراضون العظيمة لا شيء عند الكرسي، وهو مخلوق، والعرش أعظم من الكرسي. فكيف تقول بعد ذلك: الله جل وعلا في جهة، وأن شيء من مخلوقاته يحيط به سبحانه وتعالى؟ بل هذه السماوات العظيمة في قبضة الرحمن جل وعلا، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. هذه الأرض في قبضة الرحمن جل وعلا يوم القيامة، هذه السماوات العظيمة مطويات بيمينه سبحانه وتعالى. فكيف يحاط به جل وعلا شيء من مخلوقاته؟ فالله سبحانه وتعالى لا يحيط به شيء من مخلوقاته، بل كل هذه المخلوقات هي ضعيفة، مفتقرة، مفتقرة إلى خالقها سبحانه وتعالى وتعالى، وتحت قهره جل وعلا. فهو قد قهرها جل وعلا، وقد علا عليها سبحانه وتعالى، علواً عظيماً يليق به سبحانه وتعالى، لا مشارك له في علوه، ولا يحيط به جهة من مخلوقاته. قد قال الطحاوي رحمه الله تعالى: لا تحويه سائر الجهات. لماذا؟ الله جل وعلا ليس في جهة، ولا تحويه جهة، لأن الجهات مخلوقة، والمخلوق لا يحيط بالله سبحانه وتعالى، لأن المخلوق لا يحيط بالخالق، بل الخالق جل وعلا هو الذي يحيط بالمخلوقات. فقد أحاط الله جل وعلا بجميع مخلوقاته سبحانه وتعالى، وتنزه وتعاظم جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: أم يراد بالجهة ما فوق العالم؟ فهذا حق ثابت لله عز وجل. فإن الله تعالى فوق خلقه، عال عليهم، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. يقال له: تريد بالجهة ما فوق العالم، ما فوق هذا العالم المخلوق؟ نعم، وهذا الذي تريد به وهو الجهة، لا وجود فيه لمخلوق، لا وجود فيه لمخلوق. فهذا حق، لأن الخالق جل وعلا على مخلوقاته كلها، على مخلوقاته كلها، فلا يحيط به سبحانه وتعالى شيء. فهذا حق، دل عليه كتاب الله، ودلت عليه سنة رسول الله، ودل عليه إجماع السلف الصالح، ودل عليه العقل، ودلت عليه الفطرة. وهو أن الله سبحانه وتعالى فوق العالم، وهو سبحانه وتعالى عال على العالم. يعني كل العوالم وهي المخلوقات، من السماوات ومن الأراضين، ومن البشر، ومن الملائكة، والكرسي والعرش. كل هذه المخلوقات، على عليها رب العالمين جل وعلا. وأدلة العلو كثيرة، قد ذكر ابن القيم رحمة الله تعالى أدلة كثيرة في نونيته العظيمة، وهكذا الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه «العلو للعلي الغفار»، ذكر أدلة كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ونقل إجماع السلف والصحابة وغيرهم ممن له الفهم الثاقب إلى عصره رحمه الله تعالى، ممن يثبت هذا، وهو علو الله جل وعلا على خلقه سبحانه وتعالى. فهذا حق، كما تقدم، دل عليه أدلة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. وذكر هنا رحمه الله حديث معاوية بن الحكم السلمي، لما أراد أن يعتق تلك الجارية التي ضربها، ثم ندم على ضربها، فجاء النبي عليه السلام، فقال: «ائتني بها». فسأل النبي عليه الصلاة والسلام هذه الجارية هذين السؤالين، هذين السؤالين. السؤال الأول: أين الله؟ أين الله؟ وهذا السؤال فيه السؤال عن المكان. أين الله؟ قالت: في السماء. في السماء، أي في العلو. لأن معنى السماء العلو. معنى السماء العلو. بعض الناس يفهم إذا قال السماء مباشرة، يعني ذهب ذهنه إلى هذه السماء، هذه السماء، السماء الدنيا التي يراها. لا، النصوص الواردة في الكتاب والسنة في السماء، يراد بها العلو. فكل ما عليك يقال له سماء، كل ما عليك يقال له سماء. فالمراد بالسماء العلو. ولذلك قال العرب في أشعارهم: إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا. إذا نزل السماء، أطبقوا على المطر سماء، لأنه يأتي من جهة العلو، لأنه يأتي من جهة العلو. فمعنى في السماء: أي في العلو. لا، ليس المراد في السماء يعني في السماء الدنيا. بعض الناس يلبس من أهل البدع وأهل التصوف على الناس، يقول: هؤلاء يقولون الله في السماء، يعني هذه السماء تحصر الله عز وجل وتحيط به. تلبيس على الناس. لا، الله في السماء يعني في العلو، يعني أنه جل وعلا عال على جميع مخلوقاته سبحانه وتعالى، لا يعلى عليه شيء جل وعلا، بل له العلو المطلق من كل الوجوه، علو القدر والقهر والذات. وسيأتي إن شاء الله بقية ما جاء في هذا في درس قادم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.