الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 56، ألقاها
يبدأ المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يعبر عن التبجيل والتقدير للنبي. هذه البداية تعكس أهمية الدعاء للنبي في بداية الحديث عن أحكام دينية.
يشرح حكم الإطعام عن العاجز عن الصيام لكبر سنه، حيث يجب الإطعام على من كان عاقلاً ويشق عليه الصيام، بينما يسقط عن المجنون أو من فقد عقله. كما يبين أن نزول الدم من الصائم بسبب الرعاف لا يفسد صومه لأنه ليس باختياره.
إذا عجز الإنسان عن الصيام لكبر سن أو مرض لا يرجى شفاؤه، فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا. وإذا شفي بعد ذلك، فعليه أن يصوم رمضان المستقبل ولا يلزمه قضاء الأيام التي أطعم عنها. كما يتناول أحكام قضاء الصيام لمن أفطر في رمضان لعذر.
يتناول ترتيب قضاء الأيام، وكفارة من عجز عن الصيام، وجواز الصيام عن الميت الذي عليه صيام إذا مات ولم يقض ما عليه. هذه الأحكام توضح التفاصيل الدقيقة المتعلقة بقضاء الصيام والكفارة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ محمد عبد الوهاب وصاب رحمه الله في كتابه مذكرة في أحكام الصيام، في ذكره الفتاوى: قال: «رابع والعشرون أو الثالث والعشرون: الإطعام عن العاجز عن الصيام لكبر سنه، هو الذي يعقل، فأما إذا فقد وعيه سقط عنه الإطعام. الإطعام عن العاجز عن الصيام لكبر سنه عرفنا أن الكبير في السن الذي يشق عليه الصيام، فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكين. فهذا الذي عليه الإطعام الذي يعقل، إذا كان عاقلا لكن يشق عليه الصيام، فهذا الذي يطعم. أما الذي ذهب عقله وصار مجنونا أو مخرفا، فهذا يسقط عنه الصيام، وكذلك أيضا يسقط عنه الإطعام، ليس عليه إطعام. وإنما الإطعام على من كان ذا عقل، لكن يشق عليه الصيام». قال: «الرابع والعشرون: إذا أصيب الصائم بالرعاف، والرعاف خروج الدم من الأنف. قال: فصومه صحيح؛ لأن الرعاف ليس باختيارك، فلا يترتب على وجوده الحكم بالفطر. والذي يدل على ذلك أدلة يسر الشريعة، ومنها قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، وقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، وقوله تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾. هذه الفتوى في نزول الرعاف، إذا رعف الصائم ونزل منه الدم من أنفيه، فصومه صحيح. وذلك أن نزول هذا الرعاف ليس باختيار الصائم، ينزل بغير اختياره. وعلى هذا فلا يضره نزوله؛ لعموم هذه الأدلة في عدم تكليف الإنسان بشيء ليس في وسعه: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾. وهذا من الحرج الذي لا يستطيع الإنسان أن يدفعه، فلا يؤاخذ به. ولأن المفطرات لا يفطر بها الصائم إلا إذا حصلت منه على جهة العمد والاختيار، أما إن حصلت على جهة الخطأ أو النسيان أو الإكراه، فإنه لا يحصل بها الفطر». قال: «الخامس والعشرون: ليس لإفطار الشيخ الكبير سن معينة، بحيث إذا وصلها جاز له الإفطار في رمضان. وإنما العمدة في ذلك العجز الدائم عن الصيام. يعني إذا قال قائل: الآن الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذان لا يطيقان الصيام ويطعمان، طيب ما هو حد هذا الكبر؟ هل له حد معين؟ هل له سن معين إذا وصل إليه يصير بذلك ممن يجب عليه الإطعام؟ فالجواب: ليس له سن معينة. الكبر والشيخوخة ليس له سن معينة. متى ما كبر الإنسان وشق عليه الصيام، فإنه يفطر ويطعم. وهذا قد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. قد يصل الشخص مثلا إلى سن الستين مثلا ولا يستطيع الصيام ويشق عليه، فيطعم. وغيره ربما يكون في سن السبعين أو الثمانين، وهو يستطيع الصيام. فالعبرة في ذلك هو بالعجز وعدم القدرة على الصيام. فإذا شق عليه ولم يستطع الصيام، فهنا يطعم. ولا عبرة بالسن، قد يكون كما سمعنا في سن الستين أو أقل من ذلك أو أكثر من ذلك». قال: «السادس والعشرون: إن أفطر رمضان وكان يطعم عن كل يوم مسكينا، على أن مرضه سيستمر به بحسب وصف الطبيب المسلم، ثم أراد الله له الشفاء بعد عامين أو أكثر، فيجب عليه أن يصوم مستقبلا، ولا يعيد ما مضى. المريض مرضا لا يرجى شفاءه، هذا يطعم عن كل يوم مسكينا مثل الكبير في السن. فإذا أخبر الإنسان وهو مريض، أخبره طبيب الثقة المسلم أنه لا يرجى له الشفاء من هذا المرض، فأطعم عن كل يوم مسكين. أطعم عن كل يوم مسكينا. وبعد عام أو عامين شفيا من هذا المرض، عوفيا وأصبح يستطيع الصيام، هل يقضي ما أطعمه في رمضانات التي مضت؟ أم أنه يجزئه الإطعام فيها، ولا يجب عليه إعادة صيامها؟ فالفتوى، فتوى اللجنة الدائمة: أنه يجزئه ولا يلزمه أن يعيد صيام تلك رمضانات التي أفطرها وأطعم فيها. وإنما يلزمه صيام ما سيستقبله من رمضان. وهذا هو الصحيح؛ لأنه أفطرها بعذر شرعي. وكذلك أيضا أخبره الطبيب الثقة المسلم على أنه لا يرجى له الشفاء من هذه الأمراض، فصار حكمه الإطعام وسقط عنه الصيام، فهو أدى الذي عليه، أدى الذي يجب عليه. ثم بعد ذلك كتب الله عز وجل له الشفاء، فإنه يصوم ما سيستقبله من رمضانات». قال: «السابع والعشرون: من كان عنده غسيل كلوي، يفطر الأيام التي يغسل فيها، ويصوم الأيام التي لا غسيل فيها إن كان يقدر على الصيام. أي الذي عنده مرض الكلا، فيحتاج لغسيل للكلا استبدال الدم، فيقول: يفطر الأيام التي يغسل فيها، التي يغسل فيها الكلا يفطر هذه الأيام. والأيام التي لا غسيل فيها يصومها، هل إذا كان يستطيع الصيام؟ وإذا كان لا يستطيع، فإنه يفطر ويطعم. وهناك فتوى لبعض أهل العلم على أن صاحب الغسيل لا يلزمه الإفطار؛ لا يلزمه الإفطار؛ لأن هذا الغسيل ليس في معنى الأكل والشرب، ليس في معنى الأكل والشرب. فلو أنه يعني حصل له هذا الغسيل، فإنه لا يلزمه أن يفطر والله تعالى أعلم». قال: «الثامن والعشرون: من كان عليه قضاء من رمضان لعدة سنوات، يقضيه مرتبا، فيصوم الأيام التي أفطرها من الشهر الأول، ثم يصوم الأيام التي أفطرها من الشهر الثاني، وهكذا إلى آخره. وهذا يحصل لمن فرط في الصيام، فأفطر عدة رمضانات ولم يصمها، ثم تاب بعد ذلك، فإنه يقضي صيامها ويصومها مرتبة. أو كان مريضا، كان مريضا فاستمر به المرض مثلا رمضان، ثم رمضان الثاني، ثم عوفى، فإنه يقضي هذه الأيام التي أفطرها من هذه الأشهر، ويقضيها مرتبة». قال: «التاسع والعشرون: يجوز دفع كفارة من عجز عن صيام رمضان كاملة لواحد من الفقراء. كالكبير في السن إذا عجز عن الصيام، فإنه يطعم عن كل يوم مسكين. فيقول: يجوز أن تدفع هذه الكفارة إلى شخص واحد، يعني يعطي لمسكين واحد طعام ثلاثين مسكين، يعطيه طعام ثلاثين مسكين. والأولى أن يعطيها لثلاثين، يعطيها لثلاثين مسكين؛ لقول الله جل وعلا: ﴿ففدية طعام مسكين﴾، وفي القراءة الأخرى: ﴿طعام مساكين﴾، فحينئذ لا بد من عدة مساكين. فهذا أولى أن يعطيها لثلاثين مسكين». قال: «الثلاثون: لا يجوز الصيام عن الشخص الذي عليه صيام ما دام أنه ما زال على قيد الحياة. الذي يكون الصيام في ذمته، هو من أفطر من رمضان لعذر، ثم زال هذا العذر، مستطاع القضاء ولم يقض، مستطاع القضاء ولم يقض، ثم مات، فهذا يصام عنه أولياءه؛ بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه». طيب إذا كان هذا الذي عليه الصيام في ذمته، وما زال حيا لم يمت، فإنه لا يصام عنه. إذا كان ما زال حيا، فإنه لا يصام عنه. فلو أن هذا الإنسان مثلا الذي كان مريضا في رمضان، ثم عفي وشفي ولم يقض، وما زال حيا، وأراد بعض أوليائه أن يصوم عنه، هل يجزئ؟ الجواب: لا، لا يجزئ. ما دام حيا وهو الذي يصوم، هو الذي يصوم الذي عليه من الأيام ما دام حيا، فلا يصام عنه. وإنما يصام عنه إذا مات، إذا مات فحينئذ يصوم عنه أولياؤه، أو يصوم عنه أولياؤه على جهة الاستحباب. هذا إذا استطاع القضاء. أما إذا لم يستطع، إذا استمر به المرض ولازمه بعد رمضان حتى مات وهو مريض، فهذا لا يصام عنه؛ لأن الصوم في حقه ليس بواجب، فلا يجب عليه الصيام ولا يصام عنه». صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.