الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 61، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يناقش حكم إضافة النعمة إلى الأسباب مع الله تعالى، ويبين أن الواجب هو إضافة النعمة إلى الله وحده مع جواز ذكر الأسباب. يحذر من التعلق بالأسباب وغفلان مسبب الأسباب.
يناقش تقسيم الكفر والظلم والفسوق والنفاق إلى نوعين: أكبر وأصغر، ويوضح أن النوع الأكبر يخرج من الإسلام بينما الأصغر لا يخرج. يشمل الكفر الأصغر أفعالًا مثل القتال.
يشرح أن القتال بين المسلمين وكفران العشير يعد كفرًا أصغر لا يخرج من الإسلام إلا إذا استحل دم المسلم أو أتى بفعل مخرج من الملة.
يتناول شروط طلب الخلع، ويبين أنه لا يجوز للمرأة طلب الخلع إذا كان زوجها قائمًا بحقوقها، إلا إذا خشيت ألا تقيم حدود الله تعالى.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ما بعد. كان آخر الكلام عند قول المؤلف، رحمه الله تعالى: «والانتفاء التساوي جاز»، ثم مكان الواو «ثم» نصًا، وأهل العلم من تقدّموا، وقلنا: إن التساوي لن يفي، وكان بدل الواو «ثم»، فهذا غير منتقد، وهذا صحيح وجائز. كان يقول: «لولا الله ثم فلان لما حصل كذا»، ويقول: «ما شاء الله ثم شئت يا فلان»، فـ«ثم» لا تفيد التساوي في المرتبة، وإنما تفيد التراخي في المرتبة، فيجوز «ثم» لولا الله، ثم مثلا الرئيس الفلاني أو الأمير أو الجار، مثلا إذا سرق أحد بيته، فعلم بذلك الجار، فخرج فساعده، فوضع على اللصوص، فيقول ذلك الرجل: «لولا الله ثم الجار»، هذا جائز. لكن إذا قال: «لولا الجار لأخذ مال اللصوص وهربوا»، هذا لا يجوز؛ لأن فيه التعلق بالسبب والانقطاع عن مسبب الأسباب جل وعلا، قطع النظر عن مسبب الأسباب. لكن «ثم» يجوز: «لولا الله ثم الجار»، «لولا الله ثم المدرس أفهمنا والدرس»، لا يجوز أن يقول أحد: «لولا الشيخ الفلاني لما فهمنا هذه المسألة»، تقول: مسألة فقهية أو مسألة عقدية أو غير ذلك من المسائل، فيقول الشخص: «لولا الشيخ الفلاني ما فهمنا هذه المسألة»، هذا لا يجوز؛ لأنه فيه التعلق بالسبب. لكن إذا قال الشخص: «لولا الله ثم الشيخ الفلاني، ثم الشيخ فلان أفهمنا هذه المسألة، ووضحها لنا، وبيّنها لنا، لما فهمناها»، نعم. أو مثلا تحصل أمور في مجتمعات الناس، فينصح العلماء بنصائح للناس: «افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا»، حتى تصير الأمور على خير، حتى لا يحصل الخلل، إلى آخر ذلك، فتمر الفتن بسلام على الناس. فإذا قال الناس: «لولا العلماء لاقتتلنا، لتقاتل بعضنا، لقاتل بعضنا بعضا، لولا العلماء نصحوا»، هذا لا يجوز؛ لأنه فيه التعلق بالسبب. لكن لو قال القائل: «لولا الله ثم العلماء ونصائحهم التي نصحوا بها لما ندر أين تكون الآن الأمة، ربما تكون في خبر كان كما يقال»، فالمهم ينتبه إلى الألفاظ. فحصول النعم للناس إنما هي من عند الله جل وعلا، والله جل وعلا جعل أسبابًا. فإذا وظيفت النعمة إنما تضاف إلى مسديها والمنعم بها، وهو الله جل وعلا، فلا تضاف للسبب، ويغفل عن مسبب الأسباب. لكن إذا أردت أن تذكر السبب، فاجعل مرتبته متراخية عن مرتبة المنعم الحقيقي، وهو الله جل وعلا، أو «لا الله ثم فلان»، أو «لا الله ثم كذا». لكن أن تأتي على لفظك إضافة النعمة إلى الأسباب، وقرائن الحال تدل على أنك غافل حين قلت ذلك عن المنعم الذي أنعم عليك، وهو الله جل وعلا، فينتبه لهذه الألفاظ. وكما تقدم: أنه لا يجوز «لولا الله وفلان» إلى آخر ذلك، قال قائل: «فكيف بمن يقول: إذا كان لا يجوز لولا الله وفلان، فكيف بمن يقول: أنا في حسب الله وحسبك، يعني أنا في كفاية الله وكفايتك»، هذا أعظم. إذا كان لا يجوز «لولا الله وفلان لكان كذا وكذا»، فكيف بمن يقول: «أنا في حسب الله وحسبك»، يعني في كفاية الله وفي كفايتك، قال: «هذا أفحش، وهذا أفضع». وهكذا إذا قال: «ما لي إلا الله وأنت»، هذا كذلك أفحش، وهذا قد يقع عند بعض الناس، يقولون: «ما لي إلا الله وأنت»، هذا أفضع من قول «لولا الله وفلان». وهكذا قال رحمه الله تعالى: «وكيف أيضا بمن يقول: الله لي في السماء وأنت لي في الأرض، الله لي في السماء وأنت لي في الأرض»، وهذا أفحش وأفضع. وكيف بمن يقول: «هذا من بركات الله وبركاتك، هذا من بركات الله وبركاتك»، وهذا كذلك أفضع أفحش من قولي «لولا الله وفلان»، وهو شرك أصغر. قول «لولا الله وفلان»، فكيف مثل هذه الأقوال؟ فهذه أعظم وأفضع، ويقع فيها بعض الناس، ويغفلون عن كونها شركا أصغر، وعن كونها تنافي التعظيم الحق لله جل وعلا، لكن بسبب الجهل، بسبب الجهل يقع كثير من الناس في هذه الأخطاء اللفظية التي تأتي على ألسنتهم: «توكلت على الله وعليك، التجأت بالله وبك، اعتصمت بالله وبك»، وهكذا ألفاظ كلها خاطئة تنافي التوحيد، أي كمال التوحيد، فينتبه لذلك. قال رحمه الله تعالى: والكفر والظلم فاعلم ... والفسوق كذلك نفاق كل على نوعين قد يرد فالكفر بالله معلوم ... وسمي بالكفر القتال لذي الإسلام يعتمد والظلم للشرك وصفا ... ثم أطلق فيه تظالم الخلق منه الغش والحسد والفسق في وصف إبليس اللعين أتى ... وقاذف ما عن الإسلام يرتعد كذلك النفاق أتى في الكفر أقبحه ... وجاء في وصف ذي خلف في وصف ذي خلف بعد أن ذكر رحمه الله تعالى الشرك، وأنه على نوعين: شرك أكبر، وشرك أصغر، وذكر بعض أنواع الشرك الأصغر، كالحلف بغير الله جل وعلا، وكقول: «ما شاء الله وشئت»، و«لولا الله وفلان»، ومنه كذلك الرياء، ذكر هنا رحمه الله تعالى الكفر والظلم والفسوق والنفاق. فالظلم والكفر، الكفر على نوعين، كما أن الشرك على نوعين أكبر وأصغر، كذلك الكفر على نوعين أكبر وأصغر، وكذلك الظلم على نوعين أكبر وأصغر، وكذلك الفسق على نوعين أكبر وأصغر، وكذلك النفاق على نوعين أكبر وأصغر. والأكبر هو المخرج من ملة الإسلام. من وقع في الشرك الأكبر خرج من ملة الإسلام، ومن وقع في الكفر الأكبر خرج من ملة الإسلام، ومن وقع في الظلم الأكبر خرج من ملة الإسلام، ومن وقع في الفسق الأكبر خرج من ملة الإسلام، ومن وقع في النفاق الأكبر خرج من ملة الإسلام. وأما الشرك الأصغر والكفر الأصغر والظلم الأصغر والفسق الأصغر والنفاق الأصغر، فهذا لا يخرج من ملة الإسلام، وإنما هو من كبائر الذنوب، وينافي كمال التوحيد، ينافي كمال التوحيد، وصاحبه تحت مشيئة الله جل وعلا، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. إلا أنه حصل خلاف في الشرك الأصغر، فإن بعض العلماء يرى أنه لا بد من أن يعاقب صاحبه، ولا يمحى عنه كما تقدم. فذكر رحمه الله تعالى أولًا الكفر، فقال: «فالكفر بالله معلوم»، يعني الكفر الأكبر هذا معلوم، وهذا أنواع كثيرة. كفر بالله كما تقدم معنا، قد يكون بالقلب، قد يكون باللسان، كفر القول، قد يكون كذلك بالجوارح. كل ذات من الكفر الاعتقادات الكفرية التي تعتقد في القلوب، هذا كفر مخرج من الملة. والكفر باللسان: كسب الله، سب الدين، واستهزاء بشيء من شرع الله، أو السخرية، أو النذر لغير الله، وكذلك ما يكون فيه الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، إلى آخر ذلك، دعاء غير الله، دعاء الأموات. وأما الكفر الأصغر، فذكر رحمه الله تعالى هنا، قال: «وسمي بالكفر القتال لذي الإسلام يعتمدوا»، القتال سمي كفرًا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، فسمى الذين يقتتلون كفارا، فدل على أن القتل كفر، القتال بين المسلمين كفر، وقتل المسلم كفر، لكن كفر أصغر، ليس كفرًا أكبر، إلا إذا استحل دم المسلم، إذا قتل المسلم وقال: «دمه حلال»، بمعنى أنه غير محرم، فهو ليس بحلال الدم، يعني لم يأت بما يستحق قتله، فاستحلال ما حرمه الله جل وعلا كفر بالله جل وعلا مخرج. لكن إذا قتل الشخص مسلمًا فهذا كفر أصغر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، يعني قتال المسلم، وقتل المسلم كفر، والمراد به الكفر الأصغر الذي لا يخرج من ملة الإسلام؛ لأن الله جل وعلا في كتابه الكريم ذكر المتقاتلين من أهل الإيمان سماهم مؤمنين: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله»، فسماهم مؤمنين مع حصول القتال بينهم، فدل على أن المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، أي الكفر الأصغر، ليس الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضربوا بعضكم رقاب بعض»، فهذا نوع من أنواع الكفر الأصغر، وهو قتل المسلم، والقتال بين المسلمين. ثم قال رحمه الله تعالى: «والظلم للشرك وصفا، ثم أطلق فيه تظالم الخلق منه الغش والحسد»، وهذا كذلك من الكفر الأصغر. كفران العشير، كفران العشير، يعني حين يقع من المرأة كفران لزوجها. بعض النساء يقولن لأزواجهن: «ما رأينا منكم خيرا، ما رأينا منكم خيرا، وما فعلتم لنا شيئًا»، وهذا كفران للعشير، يسميه النبي صلى الله عليه وسلم كفرًا، وهو كفران العشير. فقد خطب النبي عليه الصلاة والسلام الناس في أحد العيدين، ثم خطب النساء، وقال: «يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار». فكان من كلام النساء أن النساء أكثر أهل النار، فقالوا: «بما يا رسول الله؟» قال: «بكفرهن»، قالوا: «أكفرن بالله؟» قال: «لا يكفرن العشير، يكفرن العشير»، يعني يكفرن الزوج، يكفرن. نعم، الزوج عليهن، وقيام الزوج بهن، فسماه النبي عليه الصلاة والسلام كفرًا. ولما جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنهما إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالت: «يا رسول الله، إني أكره الكفر في الإسلام»، إني أكره الكفر في الإسلام، المراد بهذا الكفر هو كفران العشير، يعني أنها كانت لا تريد ثابت بن قيس، كان دميم الخلقة، يعني في خلقته دمامة، فإذا بقيت معه خافت ألا تقوم بحقه، فأرادت أن تفارقه، فقالت: «عليهن يسلم يا رسول الله، إني أكره الكفر في الإسلام»، يعني كفران العشير، وأكون ممن يقع في كفران العشير؛ لأنها لا تريد ثابت بن قيس، مع أنه صحابي جليل، بل من المبشرين بالجنة، أحد المبشرين بالجنة ثابت بن قيس بن شماس، لكن كان دميم الخلقة، رضي الله تعالى عنه أرضاه. فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن ترد عليه حديقته، وأن يطلقها تطليقة، وهذا ما يسمى بالخلع، إذا أرادت المرأة أن تفارق زوجها خشية أن لا تأتي بحقه لدمامة خلقه، أو خلقه كذلك، تخشى إذا بقيت معه أن تقع في التقصير في حقوقه، فلها أن تخلع، تخلع ترد مهرها، تعطيه مهرها الذي دفعه لها، ويطلقها تطليقة، وبعد ذلك يتفارقان. لكن هذا إذا خافت، أما أن تتشبع بذلك زوجها قائم بحقوقها، وهو على خلق حسن، فلا يجز لها أن تطلب الخلع لأجل أغراض دنيوية وغير ذلك. بغي الكلام في الظلم والفسق والنفاق هذا يأتي معنا إن شاء الله في دروسنا اللاحقة؛ لانتهاء الوقت. صلى الله وسلم مباركًا على بن محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.