شرح العقيدة الواسطية 32

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 32، ألقاها

توجيهات حول توبة القاتل عمدًا

يناقش توجيهات العلماء حول مقولة ابن عباس بعدم قبول توبة القاتل عمدًا، ويحاول التوفيق بين آراء أهل السنة والجماعة المختلفة حول هذه المسألة. يُظهر أن باب التوبة مفتوح لجميع الذنوب.

تفسير أثر ابن عباس في التوبة من قتل النفس

يستعرض تفسير أثر ابن عباس في التوبة من قتل النفس وتوجيهات العلماء المختلفة لهذا الأثر، مع التركيز على معنى التوبة في حق الله وحق المقتول. يُفسر معنى الأسف في الآية الكريمة وعلاقته بالانتقام.

إثبات صفات الله تعالى و الرد على المعطلة والمشبهة

يثبت صفتي الإتيان والمجيء لله تعالى كما ورد في الآيات القرآنية، ويرفض تأويلات المعطلة لهذه الصفات. يؤكد على تفرد الله في صفاته وعدم مثيل له، ويُثني على الله ويُستغفر ويُتوب إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال رحمه الله تعالى: وقد ذهب ابن عباس وجماعة إلى أن القاتل عمدًا لا توبة له، حتى قال ابن عباس: إن هذه الآية من آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء. والصحيح أن على القاتل حقوقًا ثلاثة: حقًا لله، وحقًا للورثة، وحقًا للقتيل. فحق الله يسقط بالتوبة، وحق الورثة يسقط بالاستيفاء في الدنيا أو العفو. وأما حق القتيل فلا يسقط حتى يجتمع بقاتله يوم القيامة، ويأتي رأسه في يده، ويقول: يا رب، سل هذا فيما قتلني. قال رحمه الله تعالى: وقد ذهب ابن عباس وجماعة إلى أن القاتل عمدًا لا توبة له. هذا كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، من المشكلات في هذه المسألة، إذ أن مذهب أهل السنة والجماعة في أن الذنوب كلها، كبيرها وصغيرها، فإن التوبة تمحوها. يقولون: إن التوبة تمحو جميع الذنوب، بل الكفر، كما قال الله عز وجل: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغفَر لَهُم مَا قَد سَلَفَ﴾، وكذلك قول الله عز وجل في آيات كثيرة يحث على التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، وكما قال الله عز وجل في كَذَا وَكَذَا ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وكذلك قال الله عز وجل خاصة في أمر المشرك والقاتل النفس: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. فما روي عن ابن عباس في هذا الباب مشكل بهذا الاعتبار. كيف يقول ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه أن القاتل عمدًا لا توبة له، ومن المقرر عنده وأهل السنة والجماعة والذي دلت عليه الأدلة المتظاهرة من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن باب التوبة مفتوح لا يغلق إلى يوم القيامة، إلى أن تطلع الشمس من مغربها. لذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى توجيهات لما روي عن ابن عباس. وهذا المروي عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه ثابت عنه، فقد أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في قصة طويلة لسعيد بن جبير رضي الله عنه ورحمه الله، وأنه انطلق من الكوفة إلى مكة لأجل أن يسأل ابن عباس عن هذه الآية أو عن حكم من قتل مؤمنًا متعمدًا بغير حق. فقال ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: أن له التوبة، وأن له التوبة، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي المقتول...» وذكر الحديث. فلما ذكر له آية الفرقان قابلها بالآية الأخرى، وقال: «إن هذه الآية كانت آخرًا». فالحاصل أن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا تخريجات لهذا المروي عن ابن عباس. فمن هذه التخريجات المذكورة أولًا: قالوا إن هذا القول من عبد الله بن عباس رضي الله عنه ما كان في أول الأمر، ثم رجع عنه. قالوا: ويدل عليه أنه ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما -كما في الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله تعالى- أن رجلًا أتاه فقال: «ابن عباس قتلتم امرأة»، فقال له: «تب إلى الله واعمل صالحًا». وهذا يدل على أن ابن عباس رضي الله عنهما أمره بالتوبة، وهذا يخالف الأول الذي قال فيه: «وأن له التوبة». وقوله: «واعمل صالحًا» في إشارة إلى أنه رجع إلى القول بآية الفرقان: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. واضح على جميع من هذا أحد التخريجات والتوجيهات لأثر ابن عباس رضي الله عنهما. وكذلك من هذه التوجيهات التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى: أن قالوا إن قول ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: «أن له التوبة»، قالوا: كأن مقصودهم أن التوبة أو أن قتل النفس عليه ثلاثة حقوق. أن القاتل للمؤمن المتعمد بغير حق عليه ثلاثة حقوق: أولًا حق الله عز وجل، وثانيًا حق الورثة أو حق الورثة وحقه القتيل، والحق الثالث حق المقتول. قالوا: فابن عباس رضي الله عنه وأرضاه لما قال: «أن له التوبة»، لا يعني حق التوبة في حق الله عز وجل، فإن التوبة في حق الله عز وجل بابها مفتوح، وإنما أراد التوبة في حق المقتول. قالوا: وهذا فيه إشارة إلى أن المقتول إذا خاصم يوم القيامة قاتله -كما جاء في الحديث في ذلك- فإن الله عز وجل إن كان لذلك القاتل حسنات كبيرة مكفرة، فإن المقتول يأخذ من حسنات القاتل ما يكتفي بها. واضح جماعة كما جاءت الأحاديث في ذلك: «إن أو أتدرون من المفلس الذي يأتي يوم القيامة له حسنات مثل الجبال...» الحديث. فشاهد منه أن المقتول يوم القيامة يأخذ من حسنات القاتل ما يرى أنه قد استوفى حقه. قالوا: هذا حال كحال من استدان من الناس ديونًا، وكان عنده فضل على تلك الديون، فإن كل صاحب حق يأخذ دينه، وما فضل فهو له. فكذلك حال مقتول مع قاتله. واضح جماعة فيحمل قول ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: «أن له التوبة» بمعنى أن التوبته على نفسه وبينه وبين الله عز وجل نافعة، أما المقتول فلابد له من استيفاء حقه. واضح جماعة فلابد له من استيفاء حقه. وهذا القول وجيه، وهذا القول له وجاه إذا لم نقل بأن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه تراجع. قال رحمه الله تعالى: وأما قوله: «فلما آسَفوا»، فالأسف يستعمل بمعنى شدة الحزن، وبمعنى شدة الغضب والاسخط، وهو المراد في الآية. والانتقام المجازى بالعقوبة مأخوذ من النقمة، وهو شدة الكراهة والاسخط. قال رحمه الله تعالى: فلما آسَفوا، قال: فالأسف يستعمل لمعنيين: شدة الحزن والغضب. وقد يستعمل لأحدهما على انفراده. واضح هذا يا إخوان؟ الأسف قد يطلق ويراد به كلا المعنيين: بمعنى شدة الغضب مع الحزن، وقد يراد أو يطلق ويراد به أحد المعنيين: إما الحزن وإما الغضب. قال رحمه الله تعالى: وقول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أي: فلما أغضبونا. فالمراد بالأسف في الآية شدة الغضب. قوله: والمراد في الآية والانتقام في قوله: ﴿انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، والانتقام: المجازى بالعقوبة مأخوذ من النقمة، وهي شدة الكراهة والاسخط. قال رحمه الله تعالى: قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، كلا إذا دكت الأرض دكا دكا، وجاء ربك والملك صفا صفا، يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلًا. قال رحمه الله تعالى: في هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل له سبحانه، وهما صفتا الإتيان والمجيء. والذي عليه أهل السنة والجماعة: الإيمان بذلك على حقيقته، والابتعاد عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل. قال رحمه الله تعالى: ولعل من المناسب أن ننقل إلى القارئ هنا ما كتبه حامل لواء التجهم والتعطيل في هذا العصر، وهو المدعو بزاهد الكوثر. قال في حاشيته على كتاب الأسماء والصفات للبهقي: ما نصه: قال الزمخشري -أي عند هذه الآيات: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾- قال: «إن الله يأتي بعذاب في الغمام». إن الله يأتي بعذاب في الغمام الذي ينتظر منه الرحمة، فيكون مجيء العذاب من حيث تنتظر الرحمة أفضع وأهول. قال رحمه الله تعالى: فأنت ترى من نقل هذا الرجل عن أسلافه في التعطيل مدى اضطرابهم في التخريج والتأويل. واضحة جماعة ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. هذا القول أو هذه التعطيلات لما كانت من عند غير الله عز وجل، كان فيها اضطرابًا واختلافًا كثيرًا. قال رحمه الله تعالى: على أن الآيات صريحة في بابها، لا تقبل شيئًا من تلك التأويلات. فالآية الأولى تتوعد هؤلاء المصرين على كفرهم وعنادهم واتباعهم للشيطان بأنهم ما ينتظرون إلا أن يأتيهم الله عز وجل في ظلل من الغمام لفصل قضاء بينهم، وذلك يوم القيامة. ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾. قال رحمه الله تعالى: والآية الثانية أشد صراحة، إذ لا يمكن تأويل إتيان فيها بأنه إتيان الأمر أو العذاب، لأنه ردد فيها بين إتيان الملائكة وإتيان الرب وإتيان بعض آيات الرب سبحانه. قال الشيخ إسماعيل أنصاري معلقًا على هذا الموضع: قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة: «فرق بين إتيان الملائكة وإتيان الرب وإتيان بعض آيات الرب». فقسم ونوع، ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمين واحدًا. فتأمل. قال رحمه الله تعالى: وقول في الآية التي بعدها: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، قال: لا يمكن حملها على مجيء العذاب، لأن المراد مجيئه سبحانه يوم القيامة لفصل القضاء، والملائكة صفوفًا إجلالًا وتعظيمًا له. وعند مجيئه تنشق السماء بالغمام، كما أفدته الآية الأخيرة. وهو سبحانه يجيء ويأتي وينزل، وهو فوق عرشه بائن من خلقه. فهذه كلها أفعال له سبحانه على الحقيقة. ودعوى المجاز تعطيل له عن فعله واعتقاد أن ذلك المجيء والإتيان من جنس مجيء المخلوقين وإتيانهم. قال رحمه الله تعالى: اعتقاد أن ذلك المجيء والإتيان من جنس مجيء المخلوقين وإتيانهم نزوع إلى التشبيه يفضي إلى الإنكار والتعطيل. أي: دعوة للتعطيل أن إثبات هذه الصفات على الوجه اللائق بالله عز وجل يلزم منها مشابهة الخالق سبحانه وتعالى المخلوق من حيث أنه إذا أتى شغل حيزًا وفراغًا وترك حيزًا وفراغًا. واضح جماعة؟ وهذا القول باطل، إذ أن الله عز وجل لا يماثله شيء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا.

شاركنا على