شرح العقيدة الواسطية 48

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 48، ألقاها

تأويلات المعترضين لصفة الاستواء والرد عليها

ذكر الشارح تأويلات المعترضين لصفة الاستواء ورد عليها، مستندًا إلى أدلة من القرآن والسنة وإجماع السلف. وناقش ضعف الدليل الذي استندوا إليه من بيت شعري لنصراني.

الرد على تفسير الاستواء بالاستيلاء ودلالة الكتاب والسنة

رد الشارح على تفسير الاستواء بالاستيلاء مستندًا إلى أدلة من القرآن والسنة وإجماع السلف، وناقش صحة البيت الشعري المستخدم في هذا التفسير ولغة العرب في استخدام لفظ الاستواء.

انتقاد قول المتكلمين حول مكان الله تعالى وتوبة أبي المعالي الجويني

ناقش المقطع قول المتكلمين حول مكان الله تعالى وانتقده، وأشار إلى إمكانية التوبة والرجوع عن الأقوال الخاطئة من خلال قصة أبي المعالي الجويني.

التفريغ النصي الكامل

قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما ما يحاولون به صرف هذه الآيات الصريحة عن ظواهرها بالتأويلات الفاسدة التي تدل على حيرتهم واضطرابهم، كتفسيرهم "استوى" بـ "استولى" أو حملهم "على" على معنى "إلى"، واستوى بمعنى "قصد إلى"، آخر ما نقله عنهم حامل لواء التجهم والتعطيل، زاهد الكوثري. ذكر رحمه الله تعالى الشارح هنا أولًا بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، من أله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فذكر الشارح رحمه الله تعالى ها هنا ما اعترض به المعترضون على هذه الصفة كبقية الصفات. فذكر رحمه الله تعالى أنهم حاولوا تعطيل هذه الصفة وتأويلها بتأويلات بعيدة وفاسدة. فمن تلكم التأويلات أنهم قالوا: إن "استوى" معناها "استولى". ومنهم من جعل "استوى على العرش" بمعنى "استوى إلى العرش" أي "قصد إلى العرش". فهذان تأويلان من تأويلاتهم: الأول أن "استوى" بمعنى "استولى"، والثاني أن "على" بمعنى "إلى"، وأن "استوى" بمعنى "قصد". وأرادوا بذلك نفي إثبات علو الله عز وجل على عرشه حقيقة. أما الوجه الأول في قولهم "استوى" بمعنى "استولى"، استدلوا على ذلك ببيت شعري وهو قول الأخطى النصراني: "استوى بشر على العراق من غير دم أو من غير سيف أو دم مهراق". يشير إلى بشر بن مروان أنه استوى على العراق. فقالوا: "استوى" ها هنا بمعنى "استولى". قالوا: فدلت هذه اللغة على أن "استوى" يطلق في لغة العرب ويراد به الاستيلاء. وهذا الدليل الذي استدلوا به مردود من أوجه كثيرة. فمن تلكم الأوجه أولًا: أن دلالة الكتاب والسنة والإجماع يخالف هذا التفسير. دل كتاب الله عز وجل وكلام الله عز وجل هو أفصح الكلام وأبيانه وأوضحه على أن "استوى" بمعنى أريد به الاستواء، الارتفاع والعلو. وكذلك دلت عليه السنة، وإجماع السلف أجمع السلف على أن الله عز وجل مستوٍ على عرشه استواء يليق به، كما نقل ذلك الإجماع غير واحد من الأئمة، ومنهم الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى. أمر ثاني: أن هذا البيت المذكور كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، ليس بصحيح. ذكر بعض الأئمة أنهم نظروا في ديوان الأخطل فلم يجدوا هذا البيت. ووجه ثالث ذكروه أيضًا: أن بعض أهل العلم قالوا: قد روي هذا البيت بلفظ آخر، بلفظ "استولى بشر على العراق". وذكر الأئمة أيضًا أن لفظ "استواء" لا يكون في لغة العرب بمعنى "استولى" أبدًا. ونقلوا ذلك عن جماعة من أئمة اللغة كابن الأعرابي. قال رحمه الله: فكلها تشغيب بالباطل وتغيير في وجه الحق، لا يغني عنهم في قليل ولا كثير. وليت شعري ماذا يريد هؤلاء المعطلة أن يقولوا؟ أيريدون أن يقولوا ليس في السماء رب، ولا فوق العرش إله يُعبد؟ فأين يكونون إذن؟ ولعلهم يضحكون منا حين نسأل عنهم بأين. قال: ونسوا أن أكبر الخلق وأعلمهم بربهم صلوات الله وسلامه عليه قد سأل عنه بأين، حين قال للجارية: "أين الله؟" ورضي عن جوابها حين قالت: "في السماء". وقد أجاب كذلك من سأله بأين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض، بأنه كان في عماء. قال رحمه الله تعالى: إن قصار ما يقوله المتحدلق منهم في هذا الباب: أن الله تعالى كان ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو الآن على ما كان قبل خلق المكان. فماذا يعني هذا المخرف بالمكان الذي كان؟ هل يعني به تلك الأمكنة الوجودية التي داخل محيط العالم؟ فهذه أمكنة حادثة، ونحن لا نقول بوجود الله في شيء منها، إذ لا يحصره ولا يحيط به شيء من مخلوقاته. وأما إذا أراد بالمكان العدمي الذي هو خلاء محض لا وجود فيه، فهذا لا يقال: إنه لم يكن ثم خلق، إذ لا يتعلق بالخلق، فإنه أمر عدمي. فإذا قيل: إن الله في مكان بهذا المعنى، كما دلت عليه الآيات والأحاديث، فأي محذور في هذا؟ بل الحق أن يقال: كان الله ولم يكن شيء قبله، ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وكان عرشه على الماء، ثم استوى على العرش. قال رحمه الله تعالى: إن قصار ما يقوله المتحدلق منهم في هذا الباب، أي الذي يظهر التعالم، إن الله تعالى كان ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو الآن على ما كان قبل المكان. وذكر العلماء في مثل هذا المقام ما ذكره أبو المعالي الجويني، يقال: إن أبا المعالي الجويني صعد يومًا على المنبر فابتدأ خطبته بقوله: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وهو اليوم على ما كان قبله". وكان عنده الإمام الهمداني رحمه الله تعالى، فقال له: "يا أستاذ، دعنا من هذا الكلام كله، وقل لي بربك: ما هذه الحاجة التي يجدها الإنسان إذا سأل ربه عز وجل وجد قلبه يتجه إلى السماء؟". فيقال: إن أبا المعالي الجويني نزل من على المنبر وهو يرطم رأسه ويقول: "حيرني الهمداني". وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أنه يقال إنه تاب بعد تلك الخطبة ورجع إلى مذهب السلف. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على