شرح العقيدة الواسطية 80

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 80، ألقاها

مقدمة في الإيمان بمشيئة الله تعالى

يتحدث عن الدرجة الثانية من القدر وهي الإيمان بمشيئة الله تعالى، وأن كل شيء يحدث بمشيئته. يُبيّن أن أفعال العباد تقع بمشيئة الله.

التفريق بين الإرادتين الكونية والشرعية

يشرح الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية لله، حيث تشمل الكونية كل ما يحدث، والشرعية تتعلق بما يحبه الله ويرضاه. يُفصّل أن أفعال العباد منسوبة إليهم ومخلوقة لله.

توضيح العلاقة بين إرادة الله واختيار الإنسان

يشرح كيف أن إرادة الله لا تتعارض مع اختيار الإنسان، حيث أعطى الله الإنسان إرادة واختيارًا. يُوضح أن الإرادتين قد تجتمعان أو تفترقان.

المنهج الوسطي في فهم القدر وأفعال العباد

يشرح مذهب أهل السنة والجماعة في القدر، مؤكدًا أن الله خالق كل شيء، والعباد لهم قدرة وإرادة. يُبين أن الجبرية والقدرية ضلتا في فهم القدر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشارح رحمه الله: قوله: «وأما الدرجة الثانية من القدر إلى آخره» فهي تتضمن شيئين أيضًا، أولهما الإيمان بعموم مشيئة الله تعالى، الإيمان بعموم مشيئته تعالى، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يقع في ملكه ما لا يريد، وأن أفعال العباد من الطاعات والمعاصي واقعة بتلك المشيئة العامة التي لا يخرج عنها كائن، التي لا يخرج عنها كائن، سواء كان مما يحبه الله ويرضاه أم لا. قوله رحمه الله: «في المرتبة أو في الدرجة الثانية من القضايا والقدر» قال: «تتضمن شيئين، أولهما الإيمان بعموم مشيئته تعالى، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن» كما تقدم معنا مرارًا أن معنى قول أهل السنة والجماعة: «ما شاء كان» أو «ما شاء الله كان» «وما لم يشأ لم يكن» معناه: ما شاء الله عز وجل حاصل وقع. وقوله: «أنه لا يقع في ملكه ما لا يريد» معناه: أنه لا يقع في ملك الله جل وعلا إلا ما يريده كونًا، إلا ما يريده كونًا؛ لأن الإرادة على قسمين: إرادة كونية وإرادة شرعية، فلا يقع في الكون إلا ما شاء الله جل وعلا وأراده كونًا. وأما الإرادة الشرعية فقد تقع وقد لا تقع. ومعلوم ومر كذلك فيما مر معنا أن الإرادة على قسمين: أن الإرادة على قسمين شرعية وكونية، الشرعية يحبها الله جل وعلا، ولكن هل تقع؟ الجواب: قد تقع وقد لا تقع. وأما الإرادة الكونية فإنها واقعة لا محالة، ولكن هل يحبها الله جل وعلا أم لا؟ قد يحبها وقد لا يحبها. إذن قوله رحمه الله تعالى: «وأنه لا يقع في ملكه ما لا يريد» أي كونًا، ما لا يريد كونًا، وأن أفعال العباد من الطاعات والمعاصي واقعة بتلك المشيئة العامة. وهذا فيه رد على القدرية الطائفة الأخرى من القدرية الذين ينفون مشيئة الله جل وعلا وخلق الله جل وعلا لأفعال العباد؛ لأن القدرية على قسمين: طائفة، طائفة الغلا وهم الذين ينفون الدرجة الأولى، وهؤلاء كفار باتفاق الذين ينفون العلم والكتابة والطائفة الثانية القدرية النفاة للدرجة الثانية الذين ينفون مشيئة الله جل وعلا وينفون كذلك خلق الله جل وعلا، وهؤلاء قد لقبهم العلماء رحمهم الله تعالى بأنهم «مجوس هذه الأمة» وذلك لأنهم شابهوا المجوس بقولهم: بماذا؟ بالتثنية، إذ أن المجوس يقولون: إن للعالم خالقين، يقولون: بأن للعالم خالقين: إله الخير وإله الشر، إله النور وإله الظلمة. وهؤلاء القدرية يقولون كذلك: للعالم خالقين، الله جل وعلا هو خالق كل شيء إلا أفعال العباد، إلا أفعال العباد، فإن العباد هم الذين يخلقون أفعالًا بأنفسهم. إذن جعلوا العباد خالقين مع الله جل وعلا لأفعالهم، جعلوا العباد خالقين مع الله جل وعلا لأفعالهم. ثم إن هؤلاء من يقول: إن العباد يخلقون أفعالهم مطلقًا، ومنهم من يقول: إن العباد يخلقون أفعالهم من الشر أما من الخير فلا، والقول الأول أشهر. وسبب وقوع هؤلاء بهذا الأمر أنهم نظروا إلى الإرادة ونظروا إلى العباد، قالوا: إذا كان لا يقع في الكون إلا ما أراد الله، ونرى أيضًا أن العباد منهم الكافر ومنهم الفاجر ومنهم الفاسق، فإما أن يقال: إن الله جل وعلا أراد منهم ذلك وهو الذي خلق لهم ذلك، ثم إنه يعذبهم على فجورهم وعلى كفرهم وعلى فسقهم، قالوا: وهذا من الظلم، وهذا من الظلم. فماذا صنعوا؟ قالوا: إذن أفعال العباد ليست من خلق الله جل وعلا وإنما هي من خلق العباد، هم الذين يخلقون أعمالهم بأنفسهم. فلأجل هذا قالوا بما قالوا، فلأجل هذا قالوا: لماذا؟ قال: هؤلاء بما قالوا لما سمعتم؟ لما سمعتم أنهم قالوا: إذا كانت الإرادة، إذا كان الله جل وعلا أراد منهم ذلك، معناه: أن الله جل وعلا أراد منهم ماذا؟ الكفر والفسوق والعصيان، ومعنى هذا أن الله جل وعلا أحب منهم الكفر والفسوق والعصيان، فإذا كان كذلك، إذن كيف بعد ذلك يعذبهم؟ واضح. وأيضًا كيف يحب الله جل وعلا الكفر والفسوق والعصيان؟ وهذا لا يتأتى ولا يكون، قالوا: الله جل وعلا منزه عن هذا. الجواب: نعم، الله جل وعلا منزه عن هذا، لكن ما الذي أوقعكم في ذلك؟ أوقعهم في ذلك أنهم لا يعرفون من الإرادة إلا شيئًا واحدًا، لا يعرفون إلا إرادة واحدة هي الإرادة ماذا؟ الشرعية. وهكذا خلطوا بإرادة الشرعية الإرادة الكونية، بمعنى أنهم قالوا: إن الإرادة الشرعية والإرادة الكونية متلازمتان. لأنهم لا يعرفون إلا إرادة واحدة، قالوا: فما وقع فقد أحبه الله، ما وقع في الكون وأراده الله فهو ماذا؟ فهو محبوب إلى الله. إذن كل ما وقع في الكون فهو بإرادة الله وهو محبوب إلى الله جل وعلا، نظر إلى الكفر والفسوق والعصيان، قالوا: هذا لا يحبه الله بنصوص ماذا؟ بنصوص الشرع. قالوا: هذا الله جل وعلا لا يحبه ولا يرضاه، إذا ماذا؟ نصره، قالوا: هذا فيه دلالة على أن هذه الأشياء الواقعة ليست واقعة بماذا؟ بإرادة الله، إذ لو كانت بإرادة الله لماذا؟ لأحبها الله، وقد ثبت عندنا أن الله جل وعلا يبغضها ولا يحبها. فلأجل هذا قالوا بما قالوا، ولأجل هذا أيضًا في المقابل قالت الجبرية بما قالت، الجبرية كذلك نظر بنفس المنظار، لم يعرفوا إلا إرادة واحدة كونية شرعية، فقالوا: ما في الكون، ما هو واقع في الكون، فإن الله جل وعلا يحبه. قيل لهم: وكفر الكافر، قالوا: وكفر الكافر، قيل لهم: كفر أبي جهل وأبي لهب، قالوا: كفر أبي جهل وأبي لهب، وكفر فرعون وكفر إبليس، قالوا: كذلك، فما وقع في الكون فإنه ماذا؟ فإنه محبوب إلى الله؛ لماذا؟ لأن الإرادة عندهم إرادة شرعية كونية متلازمة. فما وقع فهو محبوب، فما وقع فهو ماذا؟ فهو محبوب. فالذي أوقع الجبرية فيما أوقعهم فيه هو الذي أوقع القدرية فيما أوقعهم فيه، ولكن هؤلاء نهجوا نهجًا وسلكوا طريقًا، وأولئك نهجوا نهجًا آخر وسلكوا طريقًا آخر، والحق بين هؤلاء وبين هؤلاء. فأهل السنة والجماعة يقولون: بأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله، ويقولون أيضًا: لا يريد الله جل وعلا، أي لا يحب الله جل وعلا الكفر والفسوق والعصيان، الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولكن ما وقع في الكون فماذا؟ فهو بإرادته. قال لهم: فماذا تصنعون؟ وكيف تعملون؟ قال أهل السنة والجماعة: هذا إشكال، والجواب عنه يتبين إذا علمنا معنى الإرادة التي أرادها الله جل وعلا، وإذا عرف أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية وإرادة ماذا؟ كونية، إذا تبين هذا الأمر وهذا التقسيم انتهت القضية تمامًا وظهر الحق فيها وذهب الإشكال منها. وذلك لأنه يقال: هل أراد الله جل وعلا الكفر والفسوق والعصيان؟ فالجواب ماذا؟ يقال: أراده الله جل وعلا ولم يرده. كيف هذا الجواب؟ أراده الله جل وعلا كونًا؛ إذ لا يكون في الكون إلا ما أراد الله جل وعلا، ولم يرده شرعًا؛ إذ أن الله جل وعلا لا يحب الكفر والفسوق والعصيان. إذن المعاصي مرادة لله جل وعلا إرادة كونية؛ لأنها واقعة، وما كان واقعًا فهو ماذا؟ فهو بإرادة الله جل وعلا؛ إذ لا يكون في الكون إلا في ماذا؟ إلا بإرادته سبحانه وتعالى، لا يكون شيء إلا بإرادته، لكنه هل هو محبوب؟ الجواب: ليس بمحبوب، بل هو مبغوض إلى الله جل وعلا. فالحاصل أن قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وكذلك قول الشارح رحمه الله تعالى: «وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن» أي: إذا شاء الله جل وعلا شيئًا كان، ولو كان هذا الشيء ليس محبوبًا إلى الله، وإن لم يكن ذلك الشيء محبوبًا إلى الله مثل الكفر، مثل إبليس، مثل فرعون، هل هؤلاء محبوبون إلى الله؟ الجواب: لا، لكن هل هؤلاء وجدوا بإرادة الله جل وعلا أم لا؟ الجواب: أنهم موجودون بماذا؟ بإرادة الله جل وعلا. قالوا: «أنه لا يقع في ملكه ما لا يريد» أي: ما لا يريد ماذا؟ كونًا، «وأن أفعال العباد من الطاعات والمعاصي واقعة بتلك المشيئة العامة التي لا يخرج عنها كائن، سواء كان مما يحبه الله ويرضاه أم لا» أفعال العباد من طاعات ومعاصي، هي أفعال للعباد، أفعال العباد من طاعات أو معاصي، هي أفعال لمن؟ هي أفعال للعباد، فمن فعل خيرًا وجد خيرًا بإذن الله، ومن فعل سوءًا وجد كذلك ماذا؟ وجد ما يستحقه. قال الله جل وعلا: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ وقال ربنا جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ إذن أعمال العباد عائدة إليهم، وبه يثابون أو به يعاقبون. فأفعال العباد منسوبة إليهم، وهل هذه الأفعال واقعة بإرادة الله جل وعلا؟ الجواب: نعم، هل واقعة بمشيئة الله جل وعلا؟ الجواب: نعم، إرادة الله الكونية التي بمعنى ماذا؟ بمعنى المشيئة، كما قال الله جل وعلا: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ هل هذه الأفعال مخلوقة لله جل وعلا؟ الجواب: نعم، أنها مخلوقة لله جل وعلا، قال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقال الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إذن أفعال العباد مخلوقة لله جل وعلا. وأفعال العباد باعتبار المباشرة مباشرة الأفعال هي من ماذا؟ هي من أفعال العباد، وباعتبار خلق الله جل وعلا هي من ماذا؟ هي مخلوقة لله جل وعلا. قد يستشكل مستشكل فيقول: كيف يكون الفعل للعبد والله جل وعلا كذلك فاعل في العبد؟ الجواب: أن هذه الأفعال التي يفعلها العبد من طاعات ومعاصي هي من أفعال العبد باعتبار ماذا؟ باعتبار مباشرة العبد لها، وهي من أفعال الله جل وعلا باعتبار الخلق والإيجاد، من الذي خلق هذه الأفعال في ذلك العبد حتى فعلها؟ من الذي أوجد تلك الأفعال في العبد حتى فعلها؟ من هو؟ الله جل وعلا، إذن بهذا الاعتبار باعتبار الخلق والإيجاد هي من ماذا؟ من فعل الله جل وعلا، وباعتبار المباشرة أي مباشرة تلك الأفعال هي من ماذا؟ من فعل العبد، ولذا يجزى على حسنه بالحسن وعلى سيئه بماذا؟ بما يستحقه. قال رحمه الله: «وثانيهما الإيمان بأن جميع الأشياء واقعة بقدرة الله تعالى، وأن مخلوقة لله، لا خالق لها سواه، لا فرق في ذلك بين أفعال العباد وغيرها» كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قوله: «الإيمان بأن جميع الأشياء واقعة بقدرة الله تعالى» جميع الأشياء من خير أو شر، فإنها واقعة بقدرة الله جل وعلا، ولا يقال كما قالت أولئك القدرية: بأن الخير وقع بإرادة الله جل وعلا ومشيئته، وأما الشر فلا، ولا يقال كما تقول الثنوية من المجوسية: بأن الخير له إله والشر له إله آخر، بل كل تحت مشيئة الله وبخلق الله جل وعلا وجد. قال: «إيمان بأن جميع الأشياء واقعة بقدرته، بقدرة الله تعالى، وأن مخلوقة له، لا خالق لها سواه» كما قال الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا فرق في ذلك بين أفعال العباد كما تقوله القدرية، وغيرها أي من المخلوقات التي خلقها الله جل وعلا. كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وما ها هنا تحتمل أحد أمرين: إما أن تكون «ما» ها هنا موصولة، والتقدير: «والله خلقكم والذي تعملونه» وقد تكون «ما» ها هنا مصدرية، والتقدير: «والله خلقكم وعملكم» وعلى كلا التقديرين تظهر وجه الاستدلال من الآية، وهي: أن الله جل وعلا خلق العباد وخلق أعمالهم، الله جل وعلا خلق العباد وخلق كذلك ماذا؟ وخلق أعمالهم، وهو ظاهر. قال رحمه الله: «ويجب الإيمان بالأمر الشرعي» يجب الإيمان بالأمر الشرعي الذي يقابل الأمر الكوني، والأمر الشرعي كما مر معناه: وما يحبه الله، وقد يقع وقد لا يقع، وأن الله تعالى كلف العباد، فأمرهم بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، ولا منافاة أصلًا بينما ثبت من عموم مشيئته سبحانه لجميع الأشياء، وبين تكليف العباد بما شاء من أمر ونهي؛ فإن تلك المشيئة لا تنافي حرية العبد واختياره للفعل. ولهذا جمع الله بين الشيئين بقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا كذلك بيّن باعتبار من تأمل هذا المعنى: من أنه لا تناقض ولا تنافي بين الإرادتين. فالله جل وعلا له قدرة ومشيئة نافذة، فلا يكون في كونه إلا ما شاء سبحانه وتعالى، والله جل وعلا له إرادة هي الإرادة الشرعية، وهي مناط التكليف، بمعنى: أراد الله جل وعلا بهذه الإرادة ما أراد من العباد مما يحبه سبحانه وتعالى من أمره وشرعه سبحانه وتعالى، وبهذه الإرادة كلفوا. قال الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقال الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وما شابه ذلك من آيات الدالة على أن الله جل وعلا يريد اليسر، أن يحب اليسر ويحب التخفيف. وقال الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ يريد الله أن يخفف عنكم، فالله جل وعلا يريد أن يحب من هذه الأمور يريد أن يبين لنا سبل الخير، وأن نسر كذلك سبل الخير، فمن فعل ذلك، أي فعل ما أراد الله جل وعلا منه شرعًا، وفقه الله لكل خير، وكان ذلك واقعًا بتوفيق الله جل وعلا، ومن لم يكن كذلك، فقد حرم نفسه. ولا منافاة بين الأمرين، فالله جل وعلا جعل لنا إرادة ومشيئة، كل إنسان عنده إرادة ومشيئة، هكذا، كل إنسان منا مختار، يستطيع أن يقوم، يستطيع أن يقعد، يستطيع أن يصلي، يستطيع أن يترك الصلاة، يستطيع أن يفعل المعاصي، يستطيع أن يترك المعاصي، إلى غير ذلك من هذه المعاني. إذن الأمور بيد الله جل وعلا، وهذا العبد جعل الله جل وعلا له إرادة واختيار، جعل الله جل وعلا له إرادة واختيار، بهذه الإرادة والاختيار يكون ثواب أو ماذا؟ أو عقاب، إن فعل خيرًا وجد خيرًا، وإن فعل شرًا وجد ماذا؟ وجد كذلك شرًا، وكما تدين تدان، ولا يظلم ربك أحدًا. فإذا الله جل وعلا أراد منا أي أحب منا الطاعات، ولكن من الناس من وفق إلى فعل ذلك، ومنهم من حرم ذلك. قال الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ الله جل وعلا قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي بينا لهم، وأرشدناهم إلى طريق ماذا؟ طريق الخير والسلامة، فأحبوا الشر على الخير بمعنى بإرادتهم. قال الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ إذا لا منافاة بين الأمرين. قال رحمه الله: «كما أنه لا تلازم بين تركه المشيئة وبين الأمر الشرعي المتعلق بما يحبه الله ويرضاه، فقد يشاء الله ما لا يحبه، ويحب ما لا يشاء كونه» طيب. قال: «فالأول كمشيئة وجود إبليس وجنوده» هل هذا يحبه الله جل وعلا؟ هذا لا يحبه، هل هو واقع أم لا؟ الجواب: واقع. قال: «والثاني كمحبة إيمان كفار، وطاعة الفجار، وعدل الظالمين، وتوبة الفاسقين، ولو شاء الله ذلك لوجد كله لوجد كلهم؛ فإنهم ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن» واضح. الله جل وعلا يحب من الكافر الإيمان أم لا؟ الله جل وعلا يحب الإيمان أم لا؟ يحب الإيمان، ويحب الطاعات، ويحب البر والخير، لكن من الناس من يوفق إلى ذلك، ومنهم من لا يوفق إلى ذلك، من لم يوفق إلى ذلك مثل إبليس، مثل فرعون. الله جل وعلا أرسل موسى وهارون إلى فرعون، فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ أراد الله جل وعلا شرعًا من موسى وهارون أن ماذا؟ أن يذكر فرعون الطاغية الكبير؛ لأجل ماذا؟ لأجل أن يتوب إلى الله جل وعلا، وأن يسلم ويؤمن، هل هذا أو هذه الإرادة شرعية أم كونية؟ يا جماعة، هذه إرادة شرعية وكونية، أراد الله جل وعلا من فرعون الإيمان، فلم يؤمن، إرادة شرعية وكونية شرعية؛ لماذا؟ شرعية؛ لأن الله جل وعلا يحب الإيمان، هل وقع الإيمان؟ الجواب: لم يقع. وكما تقدم معنى في دروس مضت: أن أفعال العباد، أو أن الإرادة الكونية والشرعية بينهما عموم وخصوص ماذا؟ مطلق، بينهما عموم وخصوص ماذا؟ وجه، فالإرادة الكونية قد تكون في مكان ليس في إرادة شرعية، والعكس، وقد يجتمعان، وقد يفترقان. فمثال اجتماعهما في إيمان المؤمن، واضح، مثل إيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، أراده الله شرعًا وأراده الله ماذا؟ كونًا، واضح. إذن هذه إرادة شرعية وكونية مجتمعة، إرادة شرعية وليست بكونية كإيمان أبي جهل وفرعون، أحب الله جل وعلا منهم الإيمان أم لا؟ هل وقع؟ الجواب: لا، أحب الله الإيمان ولم يقع، إذن هذه الإرادة ماذا؟ شرعية. والإرادة الكونية منفصلة ومنفردة ككفر الكافر، كفر أبي جهل، وكفر فرعون، هل يحبه الله جل وعلا؟ هل يريده الله جل وعلا شرعًا بمعنى يحبه؟ الجواب: ماذا؟ لا، هل هو واقع أم لا؟ وقع، إذن هو إرادة ماذا؟ كونية، وليست بماذا؟ وليست بشرعية. وهي تأتي أقسام أربعة للإرادة، وبها يتبين المقصود ويظهر. والله أعلى وأعلم. قال الشارح رحمه الله تعالى: «وكذلك لا منافاة بين عموم خلقه تعالى لجميع الأشياء وبين كون العبد فاعلًا لفعله؛ فالعبد هو الذي يوصف بفعله، فهو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، والله خالقه وخالق فعله؛ لأنه هو الذي خلق فيه القدرة والإرادة التي بهما يفعل». يقول علامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي: «إن العبد إذا صلى وصام وفعل الخير أو عمل شيئًا من المعاصي، كان هو الفاعل لذلك العمل الصالح وذلك العمل السيء، وفعله المذكور بلا ريب قد وقع باختياره، وهو يحس ضرورة أنه غير مجبور على الفعل أو الترك، وأنه لو شاء لم يفعل، وكان هذا هو الواقع، فهو الذي نص الله عليه في كتابه، ونص عليه رسوله، حيث أضاف الأعمال: صالحها وسيئها إلى العباد، وأخبر أنهم الفاعلون لها، وأنهم ممدوحون عليها إن كانت صالحة ومثابون، وملومون عليها إن كانت سيئة ومعاقبون عليها». قال: «فقد تبين واتضح بلا ريب أنها واقعة منهم باختيارهم، وأنهم إذا شاءوا فعلوا وإذا شاءوا تركوا، وأن هذا الأمر ثابت عقلًا وحسًا وشرعًا ومشاهدة» ومع ذلك، ومع ذلك إذا أردت أن تعرف أنها وإن كانت كذلك واقعة منهم كيف تكون داخلة في القدر وكيف تشملها المشيئة؟ فيقال: بأي شيء وقعت هذه الأفعال الصادرة من العباد خيرها وشرها؟ فيقال: بقدرتهم وإرادتهم، هذا يعترف به كل أحد، فيقال: ومن خلق قدرتهم وإرادتهم ومشيئتهم؟ فالجواب الذي يعترف به كل أحد: أن الله هو الذي خلق قدرتهم وإرادتهم، والذي خلق ما به تفعل الأفعال هو الخالق للأفعال. قال: «فهذا هو الذي يحل الإشكال، ويتمكن العبد أن يعقل في قلبه اجتماع القدرة والقضاء والاختيار» ومع ذلك «فالله تعالى أمد المؤمنين بأسباب وألطاف وإعانات متنوعة، وصرف عنهم الموانع، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أما من كان من أهل السعادة، فسيسر لعمل أهل السعادة» وكذلك خذل الفاسقين، ووكلهم إلى أنفسهم؛ لأنهم لم يؤمنوا به ولم يتوكلوا عليه، فولاهم ما تولوا؛ لأنفسهم». قال: «فهذا خلاصة ما يقال في هذا المقام، هذا خلاصة ما يقال في هذا المقام». قال رحمه الله: «وكذلك لا منافاة بين عموم خلقه تعالى لجميع الأشياء وبين كون العبد فاعلًا لفعله؛ فالعبد هو الذي يوصف بفعله، فهو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، والله خالقه وخالق فعله؛ لأنه هو الذي خلق فيه القدرة والإرادة التي بهما يفعل». قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي: «إن العبد إذا صلى وصام وفعل الخير أو عمل شيئًا من المعاصي، كان هو الفاعل لذلك العمل الصالح وذلك العمل السيء، وفعله المذكور بلا ريب قد وقع باختياره، وهو يحس ضرورة أنه غير مجبور على الفعل أو الترك، وأنه لو شاء لم يفعل، وكان هذا هو الواقع، فهو الذي نص الله عليه في كتابه، ونص عليه رسوله، حيث أضاف الأفعال: صالحها وسيئها إلى العباد، وأخبر أنهم الفاعلون لها، وأنهم ممدوحون عليها إن كانت صالحة ومثابون، وملومون عليها إن كانت سيئة ومعاقبون عليها». قال: «فقد تبين واتضح بلا ريب أنها واقعة منهم باختيارهم، وأنهم إذا شاءوا فعلوا وإذا شاءوا تركوا، وأن هذا الأمر ثابت عقلًا وحسًا وشرعًا ومشاهدة» ومع ذلك، ومع ذلك إذا أردت أن تعرف أنها وإن كانت كذلك واقعة منهم كيف تكون داخلة في القدر وكيف تشملها المشيئة؟ فيقال: بأي شيء وقعت هذه الأفعال الصادرة من العباد خيرها وشرها؟ فيقال: بقدرتهم وإرادتهم، هذا يعترف به كل أحد، فيقال: ومن خلق قدرتهم وإرادتهم ومشيئتهم؟ فالجواب الذي يعترف به كل أحد: أن الله هو الذي خلق قدرتهم وإرادتهم، والذي خلق ما به تفعل الأفعال هو الخالق للأفعال. قال: «فهذا هو الذي يحل الإشكال، ويتمكن العبد أن يعقل في قلبه اجتماع القدرة والقضاء والاختيار» ومع ذلك «فالله تعالى أمد المؤمنين بأسباب وألطاف وإعانات متنوعة، وصرف عنهم الموانع، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أما من كان من أهل السعادة، فسيسر لعمل أهل السعادة» وكذلك خذل الفاسقين، ووكلهم إلى أنفسهم؛ لأنهم لم يؤمنوا به ولم يتوكلوا عليه، فولاهم ما تولوا؛ لأنفسهم». قال: «قلتة مذهب أهل السنة والجماعة في القدر وأفعال العباد ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة: من أن الله سبحانه هو الخالق لكل شيء من الأعيان والأوصاف والأفعال وغيرها، وأن مشيئته تعالى عامة شاملة لجميع الكائنات، فلا يقع منها شيء إلا بتلك المشيئة، وأن خلقه سبحانه للأشياء بمشيئته إنما يكون وفقًا لما علمه منها بعلمه القديم، ولما كتبه وقدره في اللوح المحفوظ، وأن للعباد قدرة وإرادة تقع بها أفعالهم، وأنهم الفاعلون حقيقة لهذه الأفعال بمحض اختيارهم، وأنهم لهذا يستحقون عليها الجزاء: إما بالمدح والمثوبة، وإما بالذم والعقوبة، وأن نسبة هذه الأفعال للعباد: فعلًا لا ينافي نسبتها إلى الله: إيجادًا وخلقًا؛ لأنه هو الخالق لجميع الأسباب التي وقعت بها». قال: «وهذا يبين ما تقدم من أن العباد هم الذين يوصفون بأعمالهم من خير أو شر، فيسألون على ما فعلوا من خير، ويؤاخذون كذلك بما فعلوا من شر». قال رحمه الله: «وأن نسبة هذه الأفعال إلى العباد: فعلًا لا ينافي نسبتها إلى الله: إيجادًا وخلقًا؛ لأنه الخالق لجميع الأسباب التي وقعت بها». قال: «وقد ضل في القدر طائفتان، كما تقدم: الطائفة الأولى: القدرية نفات القدر، الذين هم مجوس هذه الأمة، كما ورد ذلك في بعض الأحاديث: مرفوعًا وموقوفًا، وهؤلاء ضلوا بالتفريط، وإنكار القدر، وزعموا أنه لا يمكن الجمع بينما هو ثابت بالضرورة من اختيار العبد في فعله ومسؤوليته عنه، وبينما دلت عليه النصوص من عموم خلقه تعالى ومشيئته؛ لأن ذلك العموم في زعمهم إبطال لمسؤولية العبد عن فعله، وهدم للتكاليف، فرجحوا جانب الأمر والنهي، وخصصوا النصوص الدالة على عموم الخلق والمشيئة بما عدا أفعال العباد، وأثبتوا أن العبد هو الخالق لفعله بقدرته وإرادته، وأثبتوا خالقين غير الله، ولهذا سموا: مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يزعمون أن الشيطان يخلق الشر والأشياء المؤذية، فجعلوا خالقًا مع الله، فكذلك هؤلاء جعلوا العباد: خالقين مع الله». قال: «والطائفة الثانية يقال لهم: الجبرية، وهؤلاء غلوا في إثبات القدر، حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل حقيقة، فلهم في زعمهم لا حرية له ولا اختيار، طيب» قالوا: «وهؤلاء غلوا في إثبات القدر، حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل حقيقة، بل هو في زعمهم لا حرية له ولا اختيار، ولا فعل كالريشة في مهب الريح، وإنما تسند الأفعال إليه مجازًا، فيقال: صلى، وصام، وقتل، وسرق، كما يقال: طلعت الشمس، وجرت الريح، ونزل المطر، فاتهموا ربهم بالظلم، وتكليف العباد بما لا قدرة لهم عليه، ومجازاتهم على ما ليس من فعلهم، واتهموه بالعجز في تكليف العباد، وأبطل الحكمة من الأمر والنهي، والله تعالى أسماء ما يحكمون». قال: «فالحاصل أن هؤلاء غلوا في جانب القدر، كما أن الطائفة الأولى غلت في جانب الشرع، قد يقول قائل: فأي فريقين أحق أو أحسن حالًا؟ الجواب: أن القدرية في هذا الباب أحسن حالًا؛ لماذا؟ لأنهم عظموا جانب الشرع، فما كان من المحرمات نزهوا الله جل وعلا أن تكون منسوبة إليه، ونسبوا إلى ماذا؟ إلى العباد أنفسهم، تنزيهًا لله جل وعلا، أما الطائفة الأخرى فإنها لم تنزه ربها جل وعلا، بل أساء الأدب مع ربها جل وعلا غاية الإساءة، وإن كان الأوائل غلطوا غلطًا فاحشًا في كونهم جعلوا مع الله جل وعلا خالقًا، فالحاصل أن الطائفتين زائغتان عن الحق، إلا أن إحداهما أحسن حالًا من الأخرى بهذا الاعتبار، وإلا فإنهما كلاهما على باطل وعلى ضلال وعلى حراف والعياذ بالله». سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على