الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 69، ألقاها
يتناول شرح تعريف الإيمان عند الإمام الطحاوي والخلاف حوله بين المرجئة الفقهاء وأهل السنة. يُبرز أن الخلاف قد يكون لغويًا أو حقيقيًا مع الاستدلال بالقرآن الكريم.
يذكر أقوال الجهمية والكرامية في الإيمان ويفندها، حيث يُظهر أن قول الجهمية بأن الإيمان هو المعرفة بالقلب فقط وقول الكرامية بأنه الإقرار باللسان فقط باطلان.
يناقش أقوال الكرامية والأشعرية ويرد عليها، مشيرًا إلى أن الإيمان ليس مجرد قول أو تصديق. كما يشير إلى انحراف بعض الناس عن الشريعة والنصوص الشرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والصلاة على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان. وهذا الإيمان -كما قلنا- فيه نقص في التعريف؛ فهو لم يدخل العمل في مسمى الإيمان. وهذا -كما ذكرنا قبل- هو قول مرجئة الفقهاء. وذكر بعض العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية والشارح الطحاوي، أن الخلاف بين المرجئة الفقهاء وبين أهل السنة هو خلاف لغوي؛ لأنهم يرون أن المرتد والكافر يرتد بالقول وبالعمل وبالاعتقاد، فهم يرون أنه يرتد بالعمل كذلك. ولهذا تجد الحنفية -وهم من مرجئة الفقهاء- عندهم أشياء كثيرة تُعد ردة. وأنا ذكرت في الردة أن أكثر مذهب توسعًا في الردة هو مذهب المرجئة، أقصد الحنفية. حتى أن الإمام النووي رحمه الله في كتابه -أعني كتابه الذي ألفه في جمع مذهب الشافعي، والظاهر أنه "تحفة الطالبين"- فهذا الكتاب ألفه، لما ذكر ما يرتد به الإنسان في الردة، ذكر الأشياء التي ذكرها الحنفية، ثم ما كان موافقًا لمذهب الشافعي بينه، وما كان مخالفًا أيضًا بينه. فكان الحنفية عندهم توسع في هذا الباب، فلهذا قال كثير من العلماء: أن الخلاف لغوي؛ ما دام أنهم يقولون أن الردة تكون بالعمل. وقال بعض العلماء: أن الخلاف ليس بلغوي أو صوري، بل الخلاف حقيقي؛ لأنهم لا يقولون أن الإيمان يزيد وينقص، لا يقولون أن الإيمان يزيد وينقص. وكذلك يقولون أن الإيمان جزء واحد لا يتجزأ، من خرج من الإيمان يخرج كله، ومن دخل الإيمان دخل كله. وهذه النقطة قد اتفق عليها أكثر من خالف في الإيمان -معنى الفرق كلها اتفقت- إلا أهل السنة خالفوهم في ذلك، فقالوا: أن الإيمان لا يتجزأ، إما إيمان وإما كفر. وهذا كلام باطل؛ لأنه مخالف للأدلة. الله عز وجل ذكر الزيادة: ﴿ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم﴾، فذكر زيادة الإيمان. وذكر أيضًا في أهل النار أن منهم من عنده مثقال ذرة من إيمان، منهم من عنده مثقال أكثر من ذلك. ﴿يخرج من ذي نار من إيمان﴾، بل منهم من عنده أيضًا مثقال حبة من إيمان. فإيمانهم يتفاوت، إيمان الناس يتفاوت، منهم من هو أقل، منهم من هو أكثر. وهذا لا يقول به هؤلاء، وهذا يدل على أنهم مخالفون للنصوص أيضًا. وكذلك ذكرنا قبل في مسألة الإيمان: أن كثيرًا من الفرق أولها الجهمية خالفوا في الإيمان، فقالوا: الإيمان هو المعرفة بالقلب، الإيمان هو معرفة القلب، إذا عرف قلبه آمن. ولهذا على مذهبهم أن فرعون يعتبر مؤمن؛ لماذا؟ لأنه ﴿قال الله عز وجل وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوا﴾، جحدوا بها: يجحدوا في "لا إله إلا الله"، جحدوا بالتوحيد، لكن في قلوبهم يقين وإيمان: ﴿استيقنتها أنفسهم﴾، فجحدهم هذا ظلمًا وعلوا. فمعنى قولهم أن الإيمان هو المعرفة بالله، فهذا يبين أن هؤلاء الكفار -فرعون ومن معه- كانوا أهل إيمان. وهذا الذي يلزم قول الجهمية. بل أن هناك من جاء من بعدهم -الباطنية- تبنى هذا القول، تبنى هذا القول كابن عربي وغيره، فكانوا يقولون: أن فرعون مؤمن. وهكذا الحلولية والإستحادية وغيرهم. طيب، فهذا القول الأول. القول الثاني: قول الكرامية، قول الكرامية الذين قالوا بأن الإيمان هو إقرار باللسان فقط. وهذا القول: قول أهل جهل -الكرامية-، معنى قوم من جهلة المسلمين. معنى يشبههم الآن أصحاب التبليغ؛ يرون أن المسلم من قال "لا إله إلا الله" وفعل ما فعل، يفعل ما يشاء، لكن يقول "لا إله إلا الله" فهو مسلم وهو مؤمن. فهذا جهل عظيم، حتى لو ناقض هذه الكلمة يقولون: أنه مؤمن ما دام أنه يقول "لا إله إلا الله". فهؤلاء قالوا: أن الإيمان هو قول باللسان فقط. وهذا القول يدخل المنافقين في الإيمان؛ معنى لو قلنا أن قول اللسان فقط هو الذي يدخل الإيمان، فمعنى ذلك أن المنافقين هم من أهل الإيمان. والله عز وجل يقول: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾، فأهل النفاق غالبًا في أحكام الدنيا هم من أهل الإسلام، هم من أهل الإسلام، لكنهم ليسوا بمؤمنين؛ لأن الإيمان هو الذي ينجي من النار. فلهذا نفى الله عز وجل عنهم الإيمان؛ لأن فيهم خليطًا، منهم من هو عنده إيمان، ومنهم وأكثرهم على الكفر وعلى النفاق، كما قال الله عز وجل: ﴿ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم﴾، ﴿نحن نعلم﴾. وقال الله عز وجل أيضًا: ﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾. وذكر ربنا جل وعلا أن الأعراب الذين حول المدينة هم أهل نفاق أو أكثرهم. لكن ذكر ربنا جل وعلا أن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، فهذا يدل على أن هناك منهم من هو أهل الإيمان. لكن كثير منهم كان لشدة طبيعته ولبعده عن الناس وغلظته، فكان قليل من يدخل ويستسلم لدين الله جل وعلا. فقول هؤلاء الكرامية قول باطل، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: أنه من شر الأقوال البدع والملاحد. ولم يقل به أحد لا في الإسلام ولا قبله، أنا حتى يقول: حتى قبل الإسلام ما قال أحد مثل هذا القول. فقول باطل وبعيد عن الحق. فالإيمان -أيضًا- كذلك من هذه الأقوال الباطلة في الإيمان قول الأشعرية؛ الأشعرية قالوا: أن الإيمان هو التصديق فقط. يقولون: لأنه في اللغة أن الإيمان تصديق. وهذا الكلام غير صحيح؛ لأن الإيمان ليس في اللغة تصديق فقط. هم قالوا: أن الإيمان هو التصديق في اللغة وفي الشرع. وهذا كلام ليس بصحيح؛ لأن الإيمان إذا نظرنا في اللغة فليس هو تصديق فقط، بل هو إيمان مشتق من الأمن، مشتق من الأمن. فإيمان بالله لابد فيه من الأمن. آمنت بكذا معناه: أنه آمن به، وليس فقط تصديق. فقد يكون هناك تصديق بدون إيمان؛ لأن الأمان ما عنده. مثلا لو قال رجل لأخيه -مثلا عنده أخ- فقال له: أو جار أو صديق دخل على أخيه إلى البيت وقال: سيارتك -مثلا- ظهر أنه سيأخذها، نصوص وناس كأنهم يريدون أن يأخذوا سيارتك ويسرقوها. فقال له: إن أخاك فلان قد بعث لك فيها فلوس مال، وهو في السيارة، وهو في السيارة موجود. فجلس وقال: أنا أصدق كلامك. هل هذا مصدق صحيح؟ هل يقال له في اللغة أنه مصدق صحيح؟ لو كان مصدقًا لا هرع إلى ذلك المكان الذي ستسرق فيه سيارة؛ لأن فيه حقه، فيه أشياء له. فلهذا حصل مثل هذا الكلام في مثل هذا الباب. فالإيمان ليس تصديقًا فقط كما يظنه أولئك. وسيأتي -إن شاء الله- معنا ما يبين زيغ هؤلاء وبعدهم عن شريعة الله جل وعلا وعن النصوص من الكتاب والسنة. فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.