الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 37، ألقاها
يشرح المفهوم العام للشفاعة في الإسلام، حيث تكون بإذن الله ورضاه وتنفي عن المشركين. الشفاعة التي يدخرها النبي لأمته حق وتكون لمن ارتضى الله شفاعتهم.
يشترط لإثبات الشفاعة أن يكون المشفوع له والشافع من أهل التوحيد والإيمان. هناك شفاعات عامة وخاصة، وتختلف باختلاف الشافع والمشفوع له.
تتناول شفاعات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، مثل شفاعته لعمه أبي طالب وأهل الكبائر من أمته، ورفع الدرجات في الجنة، وثبوتها بالأحاديث الصحيحة.
رسول الله، الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أخذنا بالدرس الذي مضى: الحوض. ذكرنا بعض المسائل، فقال المؤلف: الحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثًا لأمتي حق، أكرمه أكرم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأكرمه بهذا الحوض، وأيضًا بما هو أعظم وهو الكوثر. كما قلنا: إن الكوثر نهر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطانيه الله عز وجل نهرًا في الجنة»، وهذا الحوض يستمد ماءه من هذا النهر. ولهذا جاء في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وله شِربان، وكذا قيل: ميزابان، له ميزابان، أي: صبّان، في هذا الحوض. وجاء في صفة النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى النهر أو الكوثر سماه حوضًا، كما جاء في بعض الروايات. وهذا يظهر أنه ليس المقصود هو الحوض هذا؛ لأن هذا الحوض يستمد ماءه من هذا النهر العظيم، فهو قال: غياثًا لأمتي حق. وكأن المؤلف يرى، كما ذكرنا قبل في الدرس الذي مضى، خلافًا للعلماء في الحوض: هل هو قبل الصراط أو بعد؟ وكأن المؤلف هنا يرى أنه قبل الصراط؛ لأنه غياث للأمة بعد الحساب، فالناس يصيبهم من الضمأ في يوم الحساب، فأول ما يأتون يشربون من هذا الحوض العظيم. ولهذا ذهب أكثر العلماء على أنه قبل، وبعضهم قال: إنه بعد، لكن يشكل عليه، كما ذكرنا، مسألة من يصلى في النار. قال: فالشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار. والشفاعة هي مصدر من شَفَعَ يشفع شفاعة، المراد بها: الزوج، شفع وهو ضد الوتر. هذا في اللغة. أما في الشرع، فالمراد: ما يكون أو ما يتصف به عند الرب جل وعلا، ويدعى ويطلب منه سبحانه وتعالى شيئًا يطلبه الإنسان لغيره. وهذه الشفاعة جاءت فيها الأحاديث المتكاثرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشفاعات المتنوعة. لكن أصل الشفاعة موجود في القرآن في آيات كثيرة: أن الشفاعة موجودة في القرآن في آيات كثيرة. وجاء أكثر ما جاء في القرآن هو نفي الشفاعة، نفي الشفاعة عن المشركين. وكذلك أيضًا تعلق المشركون بآلهتهم بالشفاعة: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»، قالوا أيضًا: «إنما هم شفعاؤنا عند الله»، قالوا: «إنما هم شفعاؤنا عند الله»، أي: واسطتنا عند الله. فنفى الله عز وجل هذه الشفاعة التي يطلبها المشركون، سواء كانت الشفاعة لهم، أي: للمشركين، أو كانت مما يطلبه المشركون من آلهتهم، فكلها منفية في القرآن. وكذلك أيضًا ما هو عام من ذلك، وهو الشفاعة التي تكون بدون إذن ولا رضا للرب العالمين سبحانه وتعالى: «ولا يشفعون إلا لمن ارتضى»، «من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه»، «وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى». فتبين أن الشفاعة لا بد من الإذن فيها، وكذلك الرضا. والإذن يكون إذنًا كونيًا وشرعيًا، إذنًا كونيًا وشرعيًا. وأيضًا فيها رضا الله عز وجل عن الشافع والمشفوع له، رضا الله سبحانه وتعالى عن الشافع، وكذلك عن المشفوع له، وكذلك إذنه للشافع. وأيضًا إخلاص المشفوع له، وكذلك الشافع، أن يكون من أهل التوحيد. وأما أهل الشرك، فلا تنفعهم شفاعة الشافعين. أهل النار الذين هم أهلها، وهم أهل الشرك والكفر، لا تنفعهم شفاعة الشافعين، كما أخبر الله عز وجل، فقال جل وعلا: «وما تنفعهم شفاعة الشافعين». وكذلك أيضًا قال الله عز وجل: «فما لهم من شفعاء يوم القيامة»، على أنهم «ليس لهم شفيع ولا حميم»، «ولا شفيع يوم القيامة». فلهذا لا بد من أن يكون هذا المشفوع له من الموحدين. وكذلك أيضًا الشافعين لا بد أن يكون من أهل التوحيد وأهل الإسلام وأهل الإيمان، كما ذكر الله عز وجل. وهناك شفاعات عامة وشفاعات خاصة. الشفاعات العامة هي شفاعات يشفع بها العظيم سبحانه وتعالى، وهو رب العالمين جل وعلا، له شفاعة عظيمة يشفع في أهل النار فيخرج قبضة، كما جاء في الحديث بحديث أنس وحديث أبي سعيد، يقول الله عز وجل: شفع شفاعات الأنبياء والملائكة والصالحون، فما بقيت إلا شفاعة أرحم الراحمين، فيضع يده في النار فيأخذ ناسًا لم يعملوا خيرًا قط. فهذه شفاعة الرب سبحانه وتعالى. وأيضًا تشفع الملائكة ويشفع الصالحون والأنبياء، فكلهم يشفعون. وهذا باتفاق الناس على هذا، أي: أهل الإسلام، لم يختلفوا في ذلك. وكذلك اتفقت فرق الإسلام المنتسبة إلى الإسلام على شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف، أنه يشفع لأهل الموقف. ومن ثم اختلفوا في بعض الشفاعات الأخرى، مثل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر. فالشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عدة شفاعات، منهم من أوصلها إلى ثمان، ومنهم من جعل بعضها في بعض. أي: من العلماء من جعلها مفصلة أوصلها إلى ثمان شفاعات، ومن العلماء من جعل بعضها في بعض. ونذكر منها ما تيسر هنا. فمن الشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم الشفاعة في الموقف، وهي التي فسرها جابر بن عبدالله: «عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا». وقال جابر: «ليس الفخر أن تقرأ القرآن»، ثم ذكر له هذه الآية، فذكر بعد ذلك حديث الشفاعة: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف، ففسرها؛ لأن هذا المقام المحمود هو شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الموقف. فلم يشفع فيهم إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يأتون إلى آدم، ويأتون إلى نوح، ويأتون إلى إبراهيم وموسى وعيسى، وكلهم يتبرأ ويقول: «نفسي نفسي»، «اذهبوا إلى غيري»، حتى يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول: «أنا لها»، فيسجد للرب سبحانه وتعالى، فيقول الله عز وجل: «يا محمد، ارفع رأسك واشفع تشفع، وسل تعطى». قال: «وسل تعطى واشفع تشفع». فهذه شفاعة عظمى خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك من شفاعات رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشفع في دخول الجنة، يشفع لأهل الجنة في دخول الجنة، كما جاء في الحديث: «أمرنا أن لا نفتح لأحد حتى يفتح لك»، فيفتح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الجنة، أول من يفتح الجنة هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك أيضًا من شفاعات رسول الله صلى الله عليه وسلم الخاصة أنه يشفع عليه الصلاة والسلام في عمه أبي طالب، يشفع عليه الصلاة والسلام في عمه أبي طالب. وهذه شفاعة خاصة. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في الصحيحين: أن العباس بن عبد المطلب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، عمك أبي طالب كان يحوطك ويمنعك، فهل تنفعه يوم القيامة؟» قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». فشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام ليس لإخراجه من النار، وإنما لتخفيف العذاب، وهي شفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم إكرامًا له، أكرمه الله عز وجل بها. وإلا فقد قال الله عز وجل في الكفار: «لا يخفف عنهم من عذابها»، «ولا يخفف عنه من عذابه». لكن خفف الله عز وجل إكرامًا للنبي صلى الله عليه وسلم لعمل بيده، لكن هو في النار. هذه ثلاث شفاعات خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهناك شفاعات يشفع فيها النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، يشفع فيها النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء وغيرهم. وهذه شفاعات منها: الشفاعة لمن يستحق النار أن لا يدخلها، وكذلك الشفاعة لمن هو في النار ثم يخرج منها، أن يكون من أهل التوحيد. فهذه أيضًا من الشفاعات. ومن الشفاعات أيضًا التي ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره أيضًا: رفع الدرجات في الجنة. وأيضًا من الشفاعات التي يشفع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فيما جاء عند أحمد والترمذي وغيرهما: أنه قال عليه الصلاة والسلام: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». فيشفع النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر يشفع النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته عليه الصلاة والسلام. فهذه أيضًا خاصة. وهذه التي أنكرها بشدة الخوارج والمعتزلة، أنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر. وهذه الأحاديث تدل على هذا، ليس فقط هذا الحديث، بل الأحاديث التي جاءت أيضًا: أنه يخرج من النار ناس ليس لهم أعمال تذكر، وأناس يخرجون من النار كذلك، وهم قد عملوا كل شيء من المعاصي، ما من معصية إلا ودخلوها، كما جاء في بعض روايات مسلم. فكل هذا فيه الشفاعة، وكله يدل على أن من كان منهم من أهل الكبائر يشفع له يوم القيامة. قال رحمه الله: والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار. وجاءت كما قلنا: الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم متواترة عن الشفاعة. وقد ألف شيخنا مقبل الوادعي رحمه الله كتابًا في ذلك، أي: في حديث الشفاعة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا بعض ما يذكر في هذا المقام، أو في الشفاعة التي تكون يوم القيامة. وإلا الشفاعة شفاعات، شفاعة في الدنيا وشفاعة في الآخرة. كذلك هناك أيضًا شفاعة في الدنيا، لكن المقصود المؤلف هي الشفاعة التي تكون في الآخرة: الشفاعة التي تكون في الآخرة. أما الشفاعة التي تكون في الدنيا هي مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تُعطَروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء». الحمد لله رب العالمين.