الدرس في التعليق على القصيدة الهائية 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بشرح أبيات من القصيدة الهائية للعلامة حافظ بن أحمد الحكمي، موضحًا معاني الدنيا وفتنتها. يُبين الفرق بين من ينظر إلى الدنيا ببصيرة ومن يغتر بها.
يشرح المقطع صفات أهل الله وحزبهم، ويبين أهمية العلم في الوقاية من فتنة الدنيا، ويوضح أنواع الجهل وخطره، مشيرًا إلى أهمية تذكر الآخرة والموت.
يتناول التحذير من الانغماس في الدنيا وخطورة الاستدلال بالقدر على المعصية، ويبين أن التوبة تجوز ولكن لا يجوز استخدام القدر كمبرر للمعصية.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم هذه المادة: تعليقات على القصيدة الهائية في الترغيب والترهيب للعلامة حافظ بن أحمد الحكمي، أرحمه الله تعالى، لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، أما بعد. قال الناظم -رحمه الله تعالى- حافظ بن أحمد الحكمي: لَقَدْ نَظَرُوا قَوْمٌ بِعَيْنِ بَصِيرَةٍ إِلَيْهَا فَلَمْ تُغَرِّرْهُمْ بِاخْتِيَالِهَا أُولَئِكَ أَهْلُ اللهِ حَقًّا وَحِزْبُهُ لَهُمْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ إِرْثًا وَيَا لَهَا وَمَا لِإِلَيْهَا آخَرُونَ لِجَهْلِهِمْ فَلَمَّا اطْمَأَنُّوا أَرْشَقَتْهُمْ لِبَالِهَا أُولَئِكَ قَوْمٌ آثَرُوهَا فَأَعْقَبُوا بِهَا الْخِزْيَ بِالْأُخْرَى وَذَاقُوا بِهَا الْوَبَالَ فَقُلْ لِلَّذِينَ اسْتَعْذَبُوهَا رُوَيْدَكُمْ سَيَنْقَلِبُ السَّمُّ النَّقِيعُ زُلَالَهَا لِيَلْهَوْا وَيَغْتَرُّوا بِهَا مَا بَدَا لَهُمْ مَتَى تَبْلُغِ الْحُلْقُومَ تَصْرِمُوا حِبَالَهَا وَيَوْمَ تُوفَى كُلُّ نَفْسٍ بِكَسْبِهَا تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَنِيهَا وَمَا لَهَا ألحق -رحمه الله- هذه الأبيات في ذكره لأمر هذه الدنيا والترهيب من فتنتها، والأمر باعتزالها والحذر منها. فقال -رحمه الله-: «لَقَدْ نَظَرُوا قَوْمٌ بِعَيْنِ بَصِيرَةٍ»، هذه لغة تسمى عند أهل العربية «لغة أكلوني البراغيث»، يعني أن يأتي مرفوع بعد مرفوع. «نَظَرُوا قَوْمٌ» مثل «أكلوني البراغيث»، مرفوع بعد مرفوع، ليس لحنًا. «بِعَيْنِ بَصِيرَةٍ» يعني أنه ناس وفقهم الله سبحانه وتعالى أن ينظروا بعين البصيرة التي أعظم من عين البصر؛ لأن عين البصيرة هي التي يكون بها حسن القرار. قال: «انتفعوا بما سمعوا مما مضى ذكره في الأبيات السابقة، فَلَمْ تُغَرِّرْهُمْ بِاخْتِيَالِهَا» أي لم تغررهم هذه الدنيا بما فيها من فتن وأسباب الاختيال والغرور. ولهذا ينبغي للإنسان أن يذكر نفسه وأهله بين الحين والآخر بأمر الآخرة وقصر أمر الدنيا. ولهذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَادِمِ اللَّذَّاتِ» لأنه نعم المذكر والواعظ. «أُولَئِكَ أَهْلُ اللهِ حَقًّا وَحِزْبُهُ لَهُمْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ إِرْثًا وَيَا لَهَا» يعني أهل الجنة حقا وحزبه حزب الله بحق وصدق، هم الذين لم يغتروا بهذه الدنيا. قال: «وَمَا لِإِلَيْهَا آخَرُونَ لِجَهْلِهِمْ فَلَمَّا اطْمَأَنُّوا أَرْشَقَتْهُمْ لِبَالِهَا» يعني ما لها آخرون بسبب عدم العلم. وفي هذا دليل أن من أحسن ما يستعين به الإنسان في عدم فتنة الدنيا وزخرفها وزينتها العلم؛ فالعلم حصن حصين يتحصن به المسلم من الشهوات، وهكذا كذلك من الشبهات. والجهل جهلان: جهل العلم، وجهل العمل. جهل العلم هو الذي يجعلك لا تعلم أصلا، فعند ذلك أنت تخبط خبط عشواء، لا تميز بين الصحيح من الخطأ والحسنة من السيئة. وآخر: جهل عمل، يعلم لكن عنده جهل بالعاقبة، عنده ضعف استشعار واستحضار لشر وسوء ما يعمل، فمثل هذا عنده جهل آخر يسمى جهل العمل. «أُولَئِكَ قَوْمٌ آثَرُوهَا فَأَعْقَبُوا بِهَا الْخِزْيَ بِالْأُخْرَى وَذَاقُوا بِهَا الْوَبَالَ» يعني هذا الذي يؤثر الحياة الدنيا هم الذين ترشقهم بنبالها، فأعقبوا بالخزي أي في هذه الدنيا وفي الآخرة. «فَقُلْ لِلَّذِينَ اسْتَعْذَبُوهَا رُوَيْدَكُمْ سَيَنْقَلِبُ السَّمُّ النَّقِيعُ زُلَالَهَا» يعني قل للذين استلذوا واستعذبوا وجدوا هذه الدنيا وزينتها عذبة فاسترسلوا وتمادوا فيها. هذا الذي يمشي في الحرام، ما الذي يجعله يمشي ويمادى ويعرف أنه حرام؟ استعذب هذا الحرام عنده. «لِيَلْهَوْا وَيَغْتَرُّوا بِهَا مَا بَدَا لَهُمْ مَتَى تَبْلُغِ الْحُلْقُومَ تَصْرِمُوا حِبَالَهَا» يعني هو إمهال من الله وليس إهمال. هذا الذي اغتر بهذه الدنيا ليلهو ويغتر ويفعل ما بدا له، لكن ليعلم أن له ربا رقيبا لا يزال يرحم ويرفق، لعله يتوب ويستعتب. «وَيَوْمَ تُوفَى كُلُّ نَفْسٍ بِكَسْبِهَا تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَنِيهَا وَمَا لَهَا» يعني يندم حين لا ينفع الندم، في يوم القيامة توفى كل نفس ما كانت تكسب في هذه الدنيا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا بحفظه. قال: «طيب نكتفي بهذا القدر وإلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم». يقول السائل: إذا كان لا يجوز الاستدلال بالقدر على المعصية، فكيف إذا تاب العبد من الذنب؟ فهل له أن يستدل بأن ذلك مكتوب عليه؟ إذا أراد بذلك مصيبة فنعم، كما وقع لآدم -عليه الصلاة والسلام-. وإما إذا أراد أن يبرئ نفسه فهذه معصية لا يجوز أن يستدل بالقدر. ففي فرق أن تستدل بالقدر على المعايب أو تستدل به على المصائب. جزاكم الله خير، شكرا.