التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 34

الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

كلام الحنفية في تسنيم القبور وتجصيصها

ذكر كلام الحنفية في حكم تسنيم القبور وتجصيصها واستدلالهم بحديث سفيان التمار عن قبر النبي ﷺ. وناقش آراء بعض علماء الحنفية في رش الماء على القبر وتجصيصه وتسنيمه.

تحريم البناء على القبور

ناقش آراء الحنفية في كراهة البناء على القبور، وبين أن الكراهة هنا تعني التحريم. وأشار إلى أن الأئمة الأربعة يحرّمون البناء في المقابر المسبلة.

رفض اتخاذ القباب على القبور واتباع السنة

ناقش مسألة اتخاذ القباب على القبور ورفض الاحتجاج بعدم إنكار العلماء لها. وأكد أهمية اتباع هدي النبي محمد ﷺ وعدم اعتبار آراء المتأخرين حجة إذا خالفت السنة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فقد ذكرنا ما ذكره المؤلف رحمه الله من كلام العلماء بمسألة البناء على القبور وتسنيمها، وذكر عن المالكية والحنابلة والشافعية تحريم ذلك. ثم قال رحمه الله: وأما كلام الحنفية، فقال الزيلعي في شرحه على الكنز عند قول المات: ويسنم القبر ولا يربع ولا يجصص، لما روى البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر رسول الله ﷺ مسنما. فقد ذكرنا أن المسنم عندنا ليس مسطحا، مسنمة المثلث مثل السنام البعيد، فكان قبر النبي ﷺ مسنما. هل سنم لما دفن ﷺ أو بعد ذلك؟ الله أعلم، لأنه لم يأت في الحديث أنه سنم قبره لما قبر، فقد يكون، وعلى ذلك بعد ذلك، أو لما قبر ﷺ. وقال إبراهيم النخعي: أخبرني بعض من رأى قبر رسول الله ﷺ وقبري أبي بكر وعمر مسنمة، وسنم محمد بن حنفية قبر ابن عباس؛ لأن ابن عباس مات بالطائف، وصلى عليه محمد بن حنفية، محمد بن علي بن أبي طالب. وقيل له: محمد بن حنفية، نسبة إلى أمه. قال: يسنم قدر شبر، وقيل: قدر أربع أصابع. تقدم في كلام الشافعي أنه قدر شبر، وهذا التقدير لم يثبت في الحديث، الله أعلم. وإنما فقط لئلا يعرف أنه قبر. قال: وقيل: قدر أربع أصابع، ولا يرش الماء عليه حفظا لترابه عن الاندراس. وأما مسألة رش الماء، فإن كان فيها اعتقاد فهي محدثة بدعة، وقد صرح بذلك الشيخ ابن عباس رحمه الله. وأما إن كان رش الماء في القبر إنما لأجل حماية التراب حتى لا تسفه الرياح وتذهب به، فيجعلون فيه ماء، فهذا لا شيء فيه. لكن هنا قال: ولا يرش الماء عليه حفظا لترابه عن الاندراس. وعن أبي يوسف أنه كره رش الماء عليه؛ لأنه يجري مجرى التطين، وهذا من فقهه رحمه الله تعالى. أي يقول الآن أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، القاضي، أن رش الماء يكره. لماذا؟ قال: لأنه يجري مجرى التطين. يجري مجرى التطين، تطين معنى: تعلق الماء والطين، تجعل مثلا مثل اللبن، أو يعمل معنى لئلا يسيل، فمعنى يكون أقوى الماء والطين، فلهذا يكون مثل البناء، فكرهه لأجل ذلك. وأما ما يفعلونه من اللبن في القبر، كذلك وضع الماء والطين، فهذا لا شيء فيه؛ لأجل تقوية القبر من تحت. وقد صفف اللبن على قبر رسول الله ﷺ، لكن فوق القبر لا داعي لاستعمال الماء والطين؛ لأن هذا يعتبر مثل البناء. قالوا: يكره أن يبنى على القبر. وفي الخلاصة: ولا يجصص القبر، ولا يطين، ولا يرفع عليه بناء. وذكر أيضا أن ضي خان في فتاويه، وهي فتاوى الحنفية، أنه لا يجصص القبر، ولا يبنى عليه، بما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن التجصيص والتقسيص، وعن البناء فوق القبر. قالوا: أراد بالبناء الصفط الذي يجعل في ديارنا. وقال ابن الهمام، أو ابن الهمام صاحب كتاب فتح القدير، وهو من أفضل أئمة الحنفية، وأقواله أقرب للسنة، أنا ترجيحاته. وقال ابن الهمام في فتح القدير: قال أبو حنيفة: حدثنا شيخ لنا يرفعه إلى النبي ﷺ أنه نهى عن تربيع القبور وتجصيصها. ومثل التربيع القبور، هذه انفرد بها الحنفية. التربيع القبور: أي لا يجعل مربع ومسطح، وإنما يجعل مسنما. والظاهر أنه لم يثبت عن النبي ﷺ النهي عن التربيع، ولا عن أحد من الصحابة. لكن جاء عن إبراهيم النخعي رحمه الله، وحماد بن أبي سليمان. قال: وروى محمد بن حسن، أي الشيباني، عن أبي حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، قال: أخبرني من رأى قبر النبي ﷺ وقبري أبي بكر وعمر ناجز من الأرض، وعليها فلق أبيض من مدر. وقد ذكر الزيلعي في شرحه على الكنز بسياقة أخرى أنه قال: إبراهيم أخبرني بعض من رأى قبر رسول الله وقبر أبي بكر وعمر مسنما. وهنا ناجز من الأرض، وعليها فلق أبيض من مدر. الله أعلم أيهما الصحيح. قال: فتأمل كلام الحنفية في ذكر كراهة البناء على القبر، والمراد بالكراهة كراهة التحريم التي هي في مقابل الترك الواجب. وهذا غالبا في مذهب الحنفية يطلقون الكراهة، ويريدون بها كراهة التحريم. قالوا: قد ذكر من قواعدهم أن الكراهة حيث أطلقت، المراد منها التحريم. ومن نبه على ذلك ابن نجيم في البحر وغيره. وابن نجيم هو أول من وضع القواعد الفقهية من الحنفية، أنه هو أول من كتب في القواعد الحنفية، وخاصة في القواعد والضوابط الفقهية. قال رحمه الله: حيث قال: وأفاد صحة إطلاق الحرمة على المكراه تحريما. قال: فتأمل كلام الزيلعي، وما ذكرهم للخلاف بين الأصحاب: هل يسنم قدر شبر، أو قدر أربع أصابع؟ وذكر عن أبي يوسف أنه كره رش القبر بالماء؛ لأنه يجري مجرى التطين. وهل هذا منهم رحمهم الله تعالى إلا اتباعا لما عليه السلف الصالح من ترك تعظيم القبور التي هي من أعظم الوسائل للشرك. سبحان الله، تجد أن الحنفية لهم نصوص كثيرة في هذا الباب، في مسألة النهي عن بناء القبور، وكذلك في النهي عن التمسح والدعاء عند القبور وغيرها. إلا أنك تجد خاصة في زماننا هذا أكثر الحنفية ممن ابتلي بمثل تعظيم القبور، الآن في الهند الديوبندية، أجد أنهم كثير منهم من عباد القبور. وأيضا كذلك غيرهم من الكشميريين، ومن أيضا فرقة غير فرقة الديوبندية، أيضا أتباع شارح السنن بداود، فهؤلاء أيضا كذلك هم قبورية، مع أنهم من أهل الحديث، إلا أنهم تأثروا بالقبورية. وهناك في ديوبند أيضا جامعة سلفية وعلماء سلفيون، لكن أقصد الجمعية التي كانت في ديوبند، خاصة التي كان عليها علماء الماتريدية من علماء الحنفية، فهؤلاء كانوا أكثر ميولا إلى هذه القبور، مع أنها كما قلنا أن المذهب الحنفية أكثر نصوصا فيه في النهي عن البناء على القبور، وكذلك التمسح بها وغيره. قال: فتأمل رحمك الله كلام العلماء من أهل المذاهب الذين نقلنا عنهم، والموجود في كلام غيرهم يوافق ذلك، ولا يخالفه. وكلام صريح في النهي عن البناء على القبور. لكن هل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ اختلف في ذلك. فقال بعضهم: هو حرام مطلقا، اتباعا للنص، ولم يفرق بين ملكه وغيره. وبعضهم صرح بالنهي مطلقا، اتباعا للنص، وجعل التحريم في البناء في المقبرة المسبلة. قال: والقول بتحريمه في المسبلة هو قول الأئمة الأربعة. وهذا صريح في إبطال ما ذكره القائل: إن العلماء لم ينكروا ذلك. فإذا كانوا مصرحين بالنهي عن ذلك في كتب أصحاب الأئمة الأربعة، فكيف يقال: لم ينهوا عن ذلك؟ بل أقروهم. وقد صرحوا بتحريمه، ووجوب هدمه إذا بني في مقابر المسلمين. ومع هذا فقد ضيقت المقابر بالقباب في كل مصر من الأمصار، مع وجود النهي والإنكار. فبعض الناس يظن أنه لما يرى هذه القباب منتشرة في بلاد المسلمين، فيقول: هذا إجماع. وهذا تجد يصرح به كثير من القبورية، يقولون: هذا إجماع، إجماع المسلمين على البناء وعلى جوازه. وهذا كلام كذب. فأين الإجماع؟ وقد أنكر أكثر أهل المذاهب. وأيضا كيف يكون إجماعا وهو مخالف لما جاءت به السنة؟ أي إجماع هذا يخالف ما جاءت به السنة؟ وأما استدلالهم بكلام ابن مسعود أنه لما قال: ما أجمع عليه الناس، فهو حسن. فهذا أو بمعنى: فالمراد به كلام الصحابة، وفعل الصحابة رضي الله عنهم، وليس جميع الناس. وأما هؤلاء الذين تعلقت قلوبهم بالقبور، فكيف يؤخذ منهم؟ قال: فظهر لك بهذا وتبين أنه ليس بناء هذه القباب تعظيما وإسراجها بأمر من العلماء، ولا رضا منهم بذلك. بل هم بأمر الذين أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، أشربوا الخمور والمسكرات، وأعرضوا عن سماع الآيات، وأقبلوا على سماع الأبيات. فهل يقول أحدهم: إن هؤلاء الذين تركوا المأمور، وارتكبوا كل المحظور، قد أقرهم العلماء على ذلك، ورضوا به، ولم ينكروه؟ وهذا القائل الذي زعم أن بناء القباب جائز؛ لأن العلماء لم يكرروا، قال لهم: هل وجدتم في زمانهم من ترك الصلاة، ولا يؤتي الزكاة، ويشرب الخمور، ويجاهر بالكبائر؟ أن انتشر في ذلك الوقت بين علماء المتصوفة والكبورية أنهم يتركون الصلاة، ويشربون الخمور؟ بل وكذلك أيضا تجدهم سحرة، تجدهم من السحرة والكهان والعرافين، وهكذا كل بلاء فيهم. قال: فإن قال: لم يوجد، فهذا مكابرة كمن ينكر الشمس بالهاجرة. وإن قال: بل وجد في سائر الأقطار، وكثر في جميع العصور والأمصار، فيقال: هل أجازه العلماء، ورضوا به؟ فإن كان وجود القباب يدل على رضاهم بها، فهذا مثله، أنه إذا كان وجود هذه الأشياء والمنكرات حتى عند من يدعي العلم، فهل معنى ذلك أنهم رضوا بهذا، وهو جائز؟ فهذا في تحليل ما حرم الله، وفي تضييع لدين الله. قالوا: كيف يقال: إن العلماء بذلك راضون، وله فاعلون؟ وهذه كتبهم مشحونة بالنهي عن ذلك، وتحريمه، ويوجبون هدمه في المقابر المسبلة. وقلنا: المقابر المسبلة، أي التي ليست فيها ملك، عن المقابر التي هي لعامة الناس. وهذه المقابر المسبلة مشحونة بالقباب في الحرمين، ومصر، والشام، واليمن، والعراق. وهذا قاله محمد بن ناصر، أنا في زمن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب. ثم أن الله عز وجل بارك في هذه الدعوة، وهدمت القباب في الحرمين، وهدمت القباب في الحرمين. قال: وَأَمَّا فِي بَقِيَّةِ الْأَمَاكِنِ فَقَدْ بَقِيَتْ وَهُدِمَتْ بَعْضُهَا. قال: فهذه المقابر مسبلة مشحونة بالقباب في الحرمين، ومصر، والشام، واليمن، والعراق، وبلاد العجم. وكتبهم تنهى عن ذلك، وتحرمه، وتوجب هدمه. سبحان الله، هم يقولون: نحن متمذهبة، نحن على مذهب أبي حنيفة، ونحن أيضا كذلك يقول الشافعية: نحن على مذهب الشافعي. وهم تجد يخالفون الشافعي في هذا، يخالفون الشافعية في هذه الأمور. لماذا؟ لأن هواهم ذهب إلى هذه الأمور. ولهذا فهم يجدون لهم مسالك. فإذا قلت لهم: إن هذا محرم، ولا يجوز، قالوا: لا، الشافعي لم يقل محرم. قال: يكره. طيب، يكره. الشافعي عنده الكراهة التحريم، يريد الكراهة التحريم. فهم لأجل أنهم اتخذوا هذا دينا، لهذا يأولون ويحرفون كلام العلماء. قال: ولا يقول: إن العلماء لم ينكروا إلا من قصر في العلم، وباعه، وقل نظره واطلاعه. هذا مع أننا نقول كما قال رسول الله ﷺ: «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». قال: فلو قدر أن المتأخرين فعلوا ذلك، أو حضروه، وأقروه، ولم ينكروه، لم يكن قولهم ولا فعلهم حجة. بل لله الحجة البالغة. وكل يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ. ولهذا لا يكون إجماعا أبدا إذا كان مخالفا لهدي رسول الله. قال: فما وافق هديه فهو مقبول، وما خالفه فهو مردود، كما ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». فهذا في الصحيحين الذي تقدم في مسلم. قال: فكل قول يخالف سنته فهو مردود على قائله. طيب، إن شاء الله تعالى نكتب بهذا، ونكمل في درس آخر.