الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد الكاتب على أهمية اتباع السلف الصالح في التعامل مع القبور، حيث قام الصحابة بإخفاء قبر دانيال لتجنب الفتنة. يجب اتباع هدي النبي وأصحابه في هذا الشأن.
يناقش المؤلف مسألة البناء على القبور ويستدل بكلام العلماء من مختلف المذاهب على كراهة وحرمة هذا الفعل، مستندًا إلى أقوال أئمة الحنابلة والشافعية.
يناقش المقطع آراء الشافعية حول البناء على القبور، حيث يُحرم البناء مطلقًا أو يُكره في المقابر الخاصة ويُحرم في المقابر المسبلة، مع ترجيح التحريم وفقًا لمذهب الشافعية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: ذكر العلامة حمد بن ناصر بن معمر في كتابه الذي ألفه بالرد على الضلالين وسماه «النبذة الشريف النفيسة» فذكر رحمه الله قصة بالعالية، لما فتحوا تستر وجدوا ذلك المسحف، وكذلك وجدوا رجلًا ويقول إنه نبي، وقال اسمه دانيال. فذكر هذه القصة وفيها عبرة، وهي أن الصحابة رضي الله عنهم عموا قبره عن الناس، فحفروا ثلاثة عشر قبرًا وسووها بالأرض حتى لا يعرف أين دفن. وهذا يدل على فقه الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك أيضًا معرفتهم بدين الله، وأن الواجب أنه لا يشرع في القبر، ولا أيضًا إذا كان هناك من يغلو فيه، فلابد أن لا يظهر عند الناس حتى لا يفتتن به الجهلة. ولهذا قال شيخنا: ولو كان الأمر كما زعم أي من إظهار القبور وأن العلماء راضون بإظهارها، فقال: وهنا الآن استدل به بفعل الصحابة، وهم أولى أن يقتدى بهم. فقال رحمه الله: بل لو كان مباحًا لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علمًا ولما أخفوه خشية الفتن به، بل دعوا عنده وبينوه لمن بعدهم. ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من هؤلاء الخلوف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وصرفوا لغير الله أجل العبادات. قالوا: ما أحسن ما قاله الإمام مالك رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». ولهذا الآن يريد أن يبين: ولو كان هناك علماء لا ينكرون البناء على القبور ولا ينكرون أيضًا اتخاذ القبور مساجد، بل يؤيدون هذا الأمر. فلو كان هناك علماء يقولون هذا أو يفعلونه، ليس بهم عبرة إذا كانوا يخالفون ما جاء عن شرع الله جل وعلا. ثم إنه ذكر أن سلف الأمة يخالفونهم في هذا، والعبرة بالسلف لا بالخلوف. هؤلاء الذين ابتدعوا، فلهذا إذا كان هؤلاء لم يمشوا ولم يسيروا على طريقة السلف، فهم طريقتهم طريقة خاطئة وباطلة. لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فلهذا فالواجب هو اتباع السلف: النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. قال: ولكن كلما نقص تمسكه بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وهديه وسنة خلفائه الراشدين، تعوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك. ومثل ما قال ابن عباس: «كلما ذهبت سنة جاءت بعدها بدعة، حتى تموت السنن وتحيا البدع». وهؤلاء فعلوا هكذا، أحيوا البدع وماتوا السنن. قالوا: من له خبر بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند زيارة القبور، وما يفعل بها، وبما يفعل عندها، وبما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم؟ ثم وازن بين هديه صلى الله عليه وآله وسلم وهدي أصحابه، وبين ما عليه المتأخرون اليوم وما يفعلون عند القبور، تبين له ما بينها من التباين والتضاد، وعلم أن بينهما من الفرق أبعد مما بين المشرق والمغرب. كما قيل: «سارت مشرقة وسرت مغربة، شتان بين مشرق ومغربي». فهذا الأمر الأول الذي ذكره رحمه الله في إبطال ما عليه أولًا القبورية، واتباع السلف هو الواجب. قال: الوجه الثالث: يقال قوله: إن كثيرًا من العلماء فعلوا هذه الأمور، وفعلت بحضرتهم فلم ينكروا من ذلك، تتابعهم على بناء القبور. فهذا المعترض الآن يستدل بكلام أو بفعل العلماء كما زعموا، وأن هناك من العلماء من فعلوا هذه الأمور: بنوا على قبور الناس أو على قبور من يعتقدون في الصلاة مسجدًا أو قبة، وفعل ذلك أيضًا بحضرتهم ولم ينكروا. فيقال لهم: بل قد نهوا عن ذلك، وصرحوا بكراهته. إنما يقول المؤلف: أن هذا الكلام الذي نقله وهذا المعترض خطأ، وأيضًا ليس بصحيح. بل العلماء من أهل المذاهب قد صرحوا بكراهة ذلك والنهي عنه. وهذه كتبهم بأيدينا مصرحة بما ذكرنا، ونحن نسوق عباراتهم بألفاظها. لكن يقال: إنه وجد من من ينتسب إلى هؤلاء الأمة من كان يحب التعلق بالمقبورين، بل قد ألف بعضهم -كالسبكي- كتابًا في زيارة القبور والتعلق بها. وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في عدة رسائل، ومنها أيضًا رد شيخ الإسلام على الأخنائي في ردها على الأخنائي في مسألة الزيارة، وهو مجلد متوسط رد فيه شيخ الإسلام وذكر أقوال العلماء وأقوال السلف بما فيه كفاية لمن أراد الحق. ورد أيضًا كذلك على البكري في الاستغاثة. وهذا بيّن طريقة هؤلاء القبورية: كتاب «الاستغاثة» أو «الرد على البكري» بيّن فيه شيخ الإسلام عبد الرحمن بن تيمية رحمه الله طريقة هؤلاء القبورية ونقضها وبيّن زيفها. قال رحمه الله: فيقال: بل قد نهوا عن ذلك، وصرحوا بكراهته والنهي عنه. وهذه كتبهم بأيدينا مصرحة بما ذكرنا، ونحن نسوق عباراتهم بألفاظها. قال: فأما كلام الحنابلة، فقال في «الإقناع»: ويستحب رفع القبر قدر شبر، أنا حتى يعرف أنه قبر، وتحديده بالشبر ليست سنة، وإنما المراد أنه يعرف أنه قبر حتى لا يوطأ. قالوا: يكره فوقه، ويكره البناء عليه سواء سق البناء الأرض أو لا، ولو في ملكه من قبة أو غيرها، للنهي عن ذلك. سواء كانت هذه المقبرة -كما يسمونها- مسبلة أو مقبرة ملك. فإن لو كان مثلًا إنسان جعل له مكان يقبر فيه أهله ومعنى أهل بيته ومن مات من أقربائه، فإن كانت هي أرض ملك له أيضًا لا يجوز له أن يبني عليها. لا يجوز له أن يبني عليها. قال: وقال ابن القيم رحمه الله في «إغاثة اللهفان»: ويجب هدم القباب التي بنيت على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. قال: وهو في المسبلة أشد تحريمًا. تهى كلام القيم. ثم قال المؤلف: وهو في المسبلة أشد تحريمًا. المسبلة كما قلنا التي ليست ملكًا على مقبرة للعامة. قال: وقال الشيخ: هو غاصب. وعنى إذا بنى على قبره. قال: وقال أبو حفص العقبري: إمامنا -إمام الحنابلة- تحرم الحجرة، بل تهدم، وهو الصواب. انتهى كلامه في «الإقناع». معنى الحجرة: معنى إذا فعل حجرة مثل القبة هذه، فإنه قال: تحرم. صرح بذلك أبو حفص العقبري، وهو من أئمة الوجوه للحنابلة -عن الذين لهم وجوه- معنى وجوه: أي آراءهم تذكر في المذهب. قال: وهو الصواب. قال: انتهى كلامه في «الإقناع». قال: وهذا الذي ذكره ذكره غير واحد من أئمة الحنابلة، فلا حاجة إلى الإطالة بنقل عباراتهم. وأما كلام الشافعية، فقال الأذرعي رحمه الله في «قوت المحتاج إلى شرح المنهاج»: عند قول المؤلف: فيكره تجصيص القبر والبناء والكتابة عليه. وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله كره هذا وانكروه بإجماع أصحابه. قالوا: يكره. وهنا يقول الأذرعي رحمه الله: عند قول المؤلف -أي صاحب المنهاج- ويكره تجصيص القبر والبناء والكتابة عليه. فالمنهاج هذا «منهاج القاصدين» للإمام النووي رحمه الله، وهو عمده في المذهب الشافعي. قال: ثبت في صحيح مسلم النهي عن التجصيص والبناء. هذا كلام الأذرعي في «قوت المحتاج». قالوا: في «التربذي» وغيره: النهي عن الكتابة. قالوا: عبارة الفلوانية مملوعة منهما. وعبارة القاضي بن كج: ولا يجوز أن تجصص القبر، ولا أن يبنى عليها قباب، ولا غير قباب. والوصية بهما باطلة. أن إذا أوصى أن يبنى على قبره، فالوصية باطلة. وهذا كلام الشافعية. قالوا: قال الحضرمي في «شرح المهذب»: وقد يقولون -يعني الأصحاب- لا تبنى القبور. وكأنهم يريدون لا تبنى القبور في نفسها بآجر ولبن -يعني لا تجصص بالآجر ولا تبنى باللبن-. قال: قيل: فالمفهوم من كلامهم أن هذا كالتجصيص فيكره، ولا يحرم. إلا أن يريد في المقبرة المسبلة، فيحرم. أن إذا كانت مقبرة ملك يقولون بالكراهة، وإذا كانت مقبرة مسبلة يقولون بالتحريم. قال: قلت: وينبغي تحريم في المسبلة مطلقًا، وإن لم يضيق. لأنه قد أبد بالجس ظهر أن هنا معنى المراد أنه نهي عن الجس وإحكام البناء، فيمنع من الدفن هناك بعد البلاء. أنا بلاء العظم. قال: لا يبعد القول بالتحريم في ملكه وغيره، على من علم النهي عنه. بل هو القياس الحق. هذا الصحيح. لأن الأدلة لم تفرق بين أن يكون في ملكه أو في أرض مسبلة أو مقبرة مسبلة. قال رحمه الله: قوله: ولو بنى في مقبرة المسبلة هدم -أي البناء على القبر فيها-. وعلى الفرق في التحريم بين ملكه وملك غيره جرى كثيرون، منهم القاضيان الحسين والماوردي. القاضي حسين من قضاة الشافعية، والماوردي صاحب كتاب «الحاوي»، وكذلك له أيضًا ألف في «السياسة الشرعية» «الأحكام السلطانية»، وهو من أئمة الشافعية من أهل الوجوه على الطريقة العراقية. لأن طريقة الشافعية على طريقتين: طريقة أهل العراق، وطريقة المروزيّة. وإمام طريقة أهل العراق الشافعي الكبير. وأما طريقة المروزيّة فاختلفوا في إمامهم. فقال هنا منهم القاضيان الحسين والماوردي في موضع آخر: فقال: يكره البناء على القبور كالبيوت والقباب. وغالبًا إذا قالوا القاضي، فالمراد به القاضي حسين. وإذا أرادوا الماوردي صرحوا به. وإذا قالوا الشيخ، فالمراد به الرافعي. وإذا قالوا الشيخان، فالمراد به الرافعي والنووي. قال: يكره البناء على القبور كالبيوت والقباب. وإن كان في غير ملكه لم يجز للنهي عن ذلك والتضييق. قال الشافعي رضي الله عنه: رأيت الولاة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى منها، ولم أر الفقهاء يعيبون ذلك عليهم. انتهى. وهذا كلام الشافعي موجود في «الأم»، وهو حجة على هؤلاء الذين يدعون أن هذه الأشياء تحصل بحضرة علماء ولم ينكر. فهذا الشافعي يقول: إن الولاة بمكة كانوا يأمرون بهدم ما يبنى. قال: ولم أر الفقهاء يعيبون ذلك عليهم. أن لو كان هذا لا يجوز لعاب الفقهاء ذلك. لكن أن يدوم على هذا. قال: وأما مطلق الوصية بمناء القباب وغير من الأبنية العظيمة، وإنفاق الأموال الكثيرة عليها، فلا ريب في تحريمه. والعجب كل العجب ممن يلزم ذلك الورثة من حكام العصر، ويعمل بالوصية بذلك -يعني يلزمهم الوصية بأن يكتبوا أنه يبنى على قبوره-. قال: ويعمل بالوصية بذلك مع قول الأصحاب: لا تنفذ الوصية بالتابوت حيث لا حاجة إليه. ومن جوز البناء في الملك صرح بالكراهة، فكيف تنفذ الوصية على المكرره؟ انتهى كلام الأذرعي رحمه الله تعالى. قال: فصرح بأن البناء مكروه، وساق عبارات الأصحاب. وهل الكراهة كراهة تحريم أم لا؟ أم يفرق بين المسبل وغيرها؟ واختار التحريم مطلقًا -أي الأذرعي في «قوت المحتاج»-. قال: واختار التحريم مطلقًا في ملكه وغيره، على من علم النهي. وقال: بل هو القياس الحق. هذا كلام الأذرعي، وهو من أئمة الشافعية. وذكر كلام الشافعية ورجح التحريم في مسألة البناء. وإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا ونكمل في درس آخر.