التعليق على مذكرة أصول الفقه 76

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 76، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في القول بالموجب وأحكامه

يتناول هذا الفصل مفهوم القول بالموجب وتفاصيله، حيث يعرف بأنه تسليم المعترض دليل الخصم مع استمرار النزاع في الحكم. يشمل أربعة أوجه عند الأصوليين.

شروط المجتهد وصفاته في استنباط الأحكام

يتناول هذا الفصل الشروط الواجب توافرها في المجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية، مثل إحاطته بمدارك الأحكام ومعرفته بالناسخ والمنسوخ وتمييزه بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة.

أحكام ومسائل متعلقة بالاجتهاد

يناقش هذا الفصل مسائل الاجتهاد مثل تجزئته، التعبد بالقياس، اجتهاد النبي، وكيفية التعامل مع اختلاف المجتهدين وتعارض الأدلة.

حكم الجهل بأحد الحديثين المتعارضين وتطبيقاته

يتناول هذا الفصل كيفية التعامل مع الجهل بأحد الحديثين المتعارضين، حيث يجب الاجتهاد لتحديد الأقرب للأصول وأقواهما دليلا ثم اتباعه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام شنقيطي، رحمه الله، لكتابه مذكرة صول الفقه: قال السؤال الحادي عشر: التركيب. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: وهو القياس المركب إلى آخره. قال: اعلم أن القياس المركب هو مركب الأصلي ومركب الوصفي، وهما داخلان في المنع كما قدمناه واضحا؛ لأن مركب الأصل يمنع المعترض فيه كون الوصف علة، ومركب الوصف يمنع فيه وجود الوصف، كما تقدم، فذكر هذا القادح تكرار مع ذكر قادح المنع، قد مر ذكره. قال السؤال الثاني عشر: القول بالموجب وضابطه تسليم المعترض دليل الخصم مع بقاء النزاع في الحكم، يعني يقول المعترض: أنا أسلم لك هذا الدليل، لكن يبقى النزاع في حكم المسألة. قال: وذلك يجعل بجعل الدليل الذي سلمه ليس هو محل النزاع، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ الآية، فابن أبي، في هذه الآية، استدل على أنه يخرج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة، بأن الأعز قادر على إخراج الأذل، والله سلم له هذا الدليل، يعني أن الأعز يخرج الأذل. قال: مبينا أنه لا يجديه، يعني لا ينفعه هذا الاستدلال؛ لأنه هو الأذل، حيث قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. قال: واعلم أن القول بالموجب عند الأصوليين يقع على أربعة أوجه. الوجه الأول: أن يرد لخلل في طرف النفي، وذلك أن يستنتج المستدل من الدليل إبطال أمر يتوهم منه أنه مبنى مذهب الخصم في المسألة، والخصم يمنع كونه مبنى مذهبه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه. وأكثر القول بالموجب من هذا النوع، كأن يقال في وجوب القصاص بالقتل بالمثقل: التفاوت في الوسيلة من آلات القتل وغيره لا يمنع القصاص كالمتوصل إليه من قتل أو قطع أو غيرهما. قال: فيقول المعترض، كالحنفي: سلمنا أن التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص، يعني الاختلاف في الوسيلة، وسيلة القتل، هذا لا يمنع القصاص. قال: ولكن لا يلزم الإبطال مانع انتفاء جميع الموانع ووجود جميع الشروط بعد قيام المقتضى، ثبوت القصاص متوقف على جميع ذلك، فقول المستدل لا يمنع القصاص نفي؛ لأجل ما وقع فيه من الخلل، ورد القول بالموجب. فكأن الحنفي يقول للمستدل: ما توهمت أنه مبنى مذهبي في عدم القصاص في المثقل ليس مبناه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبي، بل مبنى مذهبي شيء آخر لم تتعرض له في اعتراضك. قال: الوجه الثاني: أن يقع على ثبوت، وضابطه أن يستنتج المستدل من الدليل ما يتوهم منه أنه محل النزاع أو ملازمه، ولا يكون كذلك، كأن يقال في القصاص بالقتل بالمثقل: قتل بما يقتل غالبا لا ينافي القصاص، فيجب فيه القصاص قياسا على الإحراق بالنار. فيقول المعترض، كالحنفي: سلمنا عدم المنافاة بين القتل بمثقل وبين ثبوت القصاص، ولكن لما قلت أن القتل بمثقل يستلزم القصاص، وذلك هو محل النزاع، يعني هل يستلزم القصاص أو لا، هذا هو محل النزاع. قال: الوجه الثالث: أن يقع لشمول لفظ المستدل صورة متجافا عليها، ويحمله المعترض على تلك الصورة، ويبقى النزاع فيما عداها، يعني فيما عدا الصورة المتفق عليها. كقول الحنفي في وجوب زكاة الخيل: حيوان يسابق عليه فتجب فيه الزكاة، كالإبل: حيوان يسابق عليه فتجب فيه الزكاة، يعني جعل علة وجوب الزكاة في الإبل كون يسابق عليه، كذلك الخيل يسابق عليه، إذن فيه الزكاة. فيقول المعترض: أقول به إذا كانت الخيل للتجارة، يعني بهذا القياس، وأن الخيل فيها زكاة، لكن إذا كانت الخيل للتجارة، وأما إذا كانت للقنية فليس فيها زكاة، يعني اقتناها الإنسان لنفسه، ليس للتجارة، فلا زكاة فيها. قال: الوجه الرابع: أن يقع لأجل سكوت المستدل عن مقدمة غير مشهورة، مخافة منع الخصم لها لو صرح بها، يعني يقع الموجب لسكوت المستدل عن ذكر مقدمة غير مشهورة، يخشى لو ذكرها وأظهرها من يمنع الخصم من هذه المقدمة. كقول مشترط النية في الوضوء والغسل: كل ما هو قربة تشترط فيه النية، كالصلاة، وسكت عن الصغرى، وهي الوضوء والغسل قربة، يعني ذكر أن الصلاة اشترط لها النية، وسكت عما هو أقل من الصلاة، كالوضوء والغسل. قال: فيقول المعترض، كالحنفي مثلا: نسلم أن كل ما هو قربة تشترط فيه النية، ولا يلزم من ذلك اشتراطها في الوضوء والغسل، يعني الآن المستدل سكت عن هذه المقدمة، وهو اشتراط النية في الغسل والوضوء، وأتى بكلام عام، وذكر شيء أعلى مما تشترط له النية، وهو الصلاة، وسكت عما دونها. فيقول هذا المعترض: نسلم ذلك، أن كل ما هو قربة تشترط فيه النية، لكن ما نسلم باشتراط النية في الغسل والوضوء. قال: فصل في حكم المجتهد. قال: اعلم أن الاجتهاد في اللغة بذل المجهود في استفراغ الوسع في فعل، ولا يستعمل إلا فيما فيه جهد، أي مشقة، يقال: اجتهد في حمل الرحى، ولا يقال: اجتهد في حمل النواة؛ لأن النواة لا يحتاج إلى جهد في حملها. قال: والجهد بالفتح: المشقة، وبالضم: الطاقة، تقول: ابذل جهدك، يعني طاقتك، وتقول: جهدت من هذا الأمر، يعني أصابت المشقة. قال: ومنه قول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ يعني طاقتهم، قاله القرافي. قال: والاجتهاد في اصطلاح أهل الأصول: بذل الفقيه وسعه بالنظر في الأدلة؛ لأجل أن يحصل له الظن أو القطع بأن حكم الله في المسألة كذا. بذل الفقيه وسعه بالنظر في الأدلة، إذا الذي يبذل الجهد، والفقيه الذي عنده أهلية الاجتهاد، فيبذل الوسعة وطاقة حتى يصل الحكم الشرعي، ينظر في الأدلة الشرعية للوصول إلى الحكم الشرعي، يصل إلى ظن، يعني يغلب على ظن أن حكم المسألة كذا، أو يصل إلى حكم قطعي. قال: والأصل في الاجتهاد قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوُو عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ يعني في قتل الصيد في حال الإحرام، أمر الله جل وعلا بالجزاء. وقال داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث، والشاهد قوله جل وعلا: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ومعناه أنه اجتهد في الوصول إلى هذا الحكم، ولم يكن هناك نص، ولو كان الأمر بالنص لم يخص سليمان بالفهم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب» الحديث، حديث عمر بن العاص في الصحيح: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». قال: وشروط المجتهد: أولا: إحاطته بمدارك الأحكام المثمرة لها من كتاب وسنة وإجماع واستصحاب وقياس، ومعرفة الراجح منها عند ظهور التعارض، وتقديم ما يجب تقديمه منها، كتقديم النص على القياس، يعني يكون عند المجتهد معرفة بالطرق التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، من كتاب وسنة وإجماع وقياس، وكذلك الترجيح بين الأدلة إذا حصل فيها شيء من التعارض في الظاهر، كيف يرجح بينها، وكيف يتعامل معها، وأيهما يقدم عند التعارض أو عند الترجيح. قال: ثانيا: يشترط علمه بالناسخ والمنسوخ، لابد أن يعلم الناسخ والمنسوخ؛ لأن من لم يعرف ذلك ربما حكم بحكم هو منسوخ، ويبطل حكما هو الثابت، هو الدليل الناسخ، فيقع في الخبط، فلا بد أن يعرف الناسخ من المنسوخ، سواء بدراسة الكتب التي ألفت في ذكر الناسخ المنسوخ من القرآن، أو كذلك ما كان فيه ذكر الناسخ المنسوخ من السنة. قال: ويكفيه أن يعلم أن ما يستدل به ليس منسوخا، وأن المسألة لم ينعقد فيها إجماع من قبل، يعني عند بحث للمسألة يعلم أن هذه المسألة غير منسوخة، وأنه لم يجمع عليها، بل فيها خلاف. قال: ثالثا: لابد من معرفته ما يصلح للاحتجاج به من الأحاديث، من أنواع الصحيح والحسن، والتمييز بين ذلك وبين الضعيف الذي لا يحتج به، لمعرفته بأسباب الضعف المعروفة في علم الحديث والأصول. فيكون عنده معرفة بشيء من علوم الحديث حتى يميز بين الصحيح والضعيف، فلا يستدل بحديث ضعيف، يبني عليه مسألة، ثم يتبين أن الحديث الذي بنى عليه هذه المسألة ضعيف، فتنهار هذه المسألة كلها. قال: رابعا: وكذلك القدر اللازم لفهم الكلام من النحو واللغة، يعني يكون عنده شيء من اللغة العربية والنحو؛ لأن القرآن والسنة باللغة العربية، ولا يعني يفهمهما إلا باللغة، وكثير من المسائل والأحكام تتعلق باللغة العربية. قال: تجزء الاجتهاد. قال: والصحيح جواز تجزء الاجتهاد، يعني لا يلزم في المجتهد أن يكون مجتهد مطلق، يعني عنده معرفة بسائر أو كل أحكام الشريعة في سائر أبواب الفقه. قال: التعبد بالقياس، واختلف في جواز التعبد بالقياس في زمنه صلى الله عليه وسلم، فمنعه قوم لإمكان الوحي بالوحي، لإمكان الحكم بالوحي، يعني قال: لا يمكن يقاس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الوحي موجود، فينزل الوحي بالحكم. وأجازه قوم لقصة معاذ حين بعثه إلى اليمن، قال: «أحكم بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي»، ولا آلو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله»، لكن الحقيقة ضعيف، كما سمعنا، لا يصح. قال: اجتهاده صلى الله عليه وسلم، واختلف في اجتهاده صلى الله عليه وسلم، فمنعه قوم لقوله تعالى: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ﴾ واجازه قوم لقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ ونحوها، يعني من السور التي فيها اجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام، كاجتهاده في قضية ابن أم مكتوم لما أعرض عنه. قال: اختلف في هل المصيب واحد من المجتهدين المختلفين أو كل مصيب؟ قال: والأول هو اختيار المؤلف، وهو الصحيح، يعني أن المصيب واحد، أن من اجتهد فالمصيب واحد، ومن لم يصب الحق هو مخطئ، وليس كل مجتهد مصيب كما يقول أهل الكلام. قال: وهو الصحيح كما يدل عليه حديثه: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ» الحديث، فهو نص صحيح صريح في أن المجتهدين منهم المخطئ ومنهم المصيب، فالمصيب له أجران: أجر اجتهاده وأجر إصابة الحق، والمخطئ له أجر على اجتهاده، وخطأه مغفور. قال: وإذا لم يترجح عند المجتهد أحد الدليلين المتعارضين، وجب عليه التوقف، وقيل: يخير، وقيل: يأخذ بالأحوط منهما، وهو أظهرها لحديث: «ما يريبك إلى ما لا يريبك». إذا حصل التعارض ولم يترجح عند أحد الدليلين، فيأخذ بالأحوط الذي يكون الأخذ به أسلم، وأبعد من المعاتبة، أو كذلك من وقوعه في الخطأ، أو في عدم صحة العمل، أو نحو ذلك. قال: وليس للمجتهد أن يقول قولين في المسألة في حال واحدة، في قول عامة الفقهاء، إلا أن يرجح أحدهما، أو يكون له قول ثم يتراجع عن هذا القول ويأتي بقول آخر، كما ينقل عن أقوال الأمة، كالإمام أحمد والإمام الشافعي، فيقال مثلا: للإمام قولان، أو للإمام الشافعي في هذه المسألة قولان: يقول له قول قديم وقول جديد. قال: واعلم أنه إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلة بينها، فكل وصف توجد فيه تلك العلة، فحكمه حكم ما نص عليه، فلأصحابه العارفين بمذهبه أن يحكموا عليها أنها كمذهبه، نظرا للعلة الجامعة التي بيّنها المجتهد. فالمجتهد المقيد يلحق ما سكت عنه إمامه بما نص عليه للعلة الجامعة، كما يفعله المجتهد المطلق بالنسبة لنصوص الشرع العامة. قال: ولأجل هذه القاعدة أوجب بعض المالكية الزكاة في التين، مع أن مالكا لم يذكر في التين زكاة، ومعلوم أن علة الزكاة في الثمار عنده إنما هي الاغتيات والادخار، فلما كان الاغتيات والادخار موجودا في التين، جعل بعض أصحابه الزكاة فيه كالزبيب، بمقتضى علته المذكورة. قال: وإن المجتهد في مسألة واحدة على حكمين مختلفين، فإن عرف الأخير منهما فهو مذهبه على الصحيح، الإمام الشافعي رحمه الله له مذهب القديم الذي في العراق، والمذهب الجديد الذي في مصر، فالقديم هو المذهب الأول، والجديد هو الذي في مصر، فيكون الأخير الذي في مصر هو المذهب الصحيح له. قال: وإن لم يعلم الأخير، اجتهد في أشبههما بأصوله وأقواها دليلا، فتجعل مذهبا له، وتكون الأخرى كالمشكوك فيها. صلى الله عليه وسلم، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.