شرح العقيدة الواسطية 37

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 37، ألقاها

إثبات صفات السمع والبصر لله عز وجل

يتناول هذا الفصل إثبات صفة السمع والبصر لله عز وجل مستشهدا بأحاديث نبوية وآيات قرآنية، حيث يبين أن السمع والبصر من صفات الكمال لله تعالى.

صفة الرؤية وتفاصيلها في الإسلام

هذا الفصل يفصل في صفة الرؤية لله عز وجل، مبينا أنها من الصفات الفعلية المتعلقة بالمرئيات، مستندا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لإثبات هذه الصفة.

نصر الله وتأييده للنبي صلى الله عليه وسلم

يشير هذا الفصل إلى عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم ونصره له، معتبرا ذلك من باب الكلاءة الإلهية التي حفظ بها رسوله ودفع عنه الأذى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: قال: وأما البصر، فهو الصفة التي يدرك بها الأشخاص والألوان، والرؤية لازمة له. تقدم معنا في الدرس السابق أن البصر، كما ذكر رحمه الله تعالى، هو الصفة التي يدرك بها الأشخاص والألوان. أو البصر من حيث الصفة التي يدرك بها، قال: والرؤية لازمة له. الرؤية لازمة للبصر، بمعنى أن من لوازم الإبصار الرؤية. وقد جاء في حديث أبي موسى: «يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ولكن تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». تقدم معنا أن هذا الحديث متفق عليه. والشاهد من حيث قوله صلى الله عليه وسلم: «ولكن تدعون سميعا بصيرا»، تدعون سميعا بصيرا. وتقدم معنا أيضا في الدرس الماضي أن قوله صلى الله عليه وسلم: «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا»، هذا من النفي المفصل الذي قد يقال إنه ورد لسبب، وهو دفع ما قد يتوهم، أو هو كما مر معنا أيضا يقال أنه نفي مفصل في حكم المجمل، لما تضمنه من نفي عدة نقائص عن الله عز وجل. والقاعدة عند أهل السنة والجماعة في هذا الباب: النفي المفصل هو خارج على الأصل، وأن الأصل في هذا الباب هو النفي المجمل. وما جاء من النفي المفصل، فإنه كما مر معنا في دروس سابقة، لا سيما في القواعد المثلى، أنه يرد لسبب من الأسباب، فهو خارج عن الأصل. وأيضا، كل نفي مفصل أو كل نفي في حق الله عز وجل، فهو متضمن لإثبات كمال الضد، لإثبات كمال الضد. لأن النفي المحض ليس بكمال، بل هو كما قيل: النفي عدم، والعدم ليس بشيء. وما كان ليس بشيء، فهو ليس بكمال. قال رحمه الله تعالى: وكل من السمع والبصر صفة كمال. وقد عاب الله على المشركين عبادتهم ما لا يسمع ولا يبصر. وقد نزلت الآية الأولى في شأن خولة بنت ثعلبة، حين ظاهر منها زوجها، فجاءت تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحاوره، وهو يقول لها: «ما أراك إلا قد حرمت عليه». يعني: هذه الآية نزلت في حق المجادلة، حينما جاءت تجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر زوجها، وأنه تخلى عنها عند الكبر، وهي أحوج ما تكون إليه، فشكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما جاء في هذا: أن الله عز وجل قد سمع تحاور تلك المرأة. والمرأة ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هنا أنها خولة بنت ثعلبة. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أقوالا في تعيين اسم المجادلة، فقيل: إنها خولة بنت ثعلبة، وقيل: خويلة بنت ثعلبة، وقيل: خويلة بنت خويلة، وقيل: خويلة بنت الديلج، وزوجها أوس بن الصامت. قوله رحمه الله تعالى: أخرج البخاري في صحيحه عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا في ناحية من البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآيات». وقوله رحمه الله تعالى: أخرج البخاري في صحيحه، أي: معلقا. ولم يسرده البخاري رحمه الله تعالى، وإنما رواه البخاري رحمه الله تعالى معلقا، وأشار إلى هذا التعليق بقوله: عن عروة، عن عائشة. والحديث وصله وأخرجه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجة، وغيرهم. وإسناده صحيح، وهو في الصحيح المسند لشيخنا رحمه الله. والشاهد من الحديث، كما هو ظاهر، قول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات»، الذي وسع سمعه الأصوات. وهذا يدل على صفة السمع، التي بمعنى إدراك الأصوات، وإحاطة سمع الله عز وجل بالأصوات. قال: «لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا في ناحية من البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآيات». وهذا يدل على إحاطة سمع الله عز وجل بكل مسموع. عائشة رضي الله عنها وأرضاها تحكي هذا الأمر، فتقول: أنا في البيت، وجاء في بعض الروايات: أنا في الحجرة، والمجادلة تجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجها. قالت: وإنه لا يخفى علي بعض كلامها. فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. فقال: قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها حينما سمعت هذه الآيات، هذه المقالة، أي: تستدل على إحاطة سمع الله عز وجل، وعلى ثبوت سمع الله عز وجل. وهذا فيه ما كان عليه السلف رضي الله عنهم وأرضاهم من إثباتهم لظواهر النصوص دون أي إشكال، ودون أي تعرض لها بتأويل باطل يخرجها عن ظاهرها. فهذا من عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهي من كبار علماء الصحابة، إقرار منها على إثبات الصفات على ما هي عليه. ففي قول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «لقد سمع الحمد لله الذي وسع سمع الأصوات»، وذكرت القصة، فيها إشارة إلى إثباتها بهذه الصفة على الوجه اللائق بالله عز وجل، وأنها من الصفات الذاتية، وكذلك من الصفات الفعلية، خلافا للمعتزلة وخلافا للأشاعرة. قال رحمه الله تعالى: وأما الآية الثانية، فقد نزلت في فنحاص اليهودي الخبيث، حيث قال لأبي بكر رضي الله عنه لما دعاه إلى الإسلام: «والله يا أبا بكر، ما بنى إلى الله حاجة، ما بنى إلى الله حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ولو كان غنيا ما استقرضنا». طيب، هذا كما ترون، فيه قصة ما حصل من أبي بكر حينما نزلت: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. جاء في الأثر أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه تكلم مع هذا اليهودي الخبيث، فقال له هذا اليهودي الخبيث: «يا أبا بكر، ما بنى إلى الله من حاجة، وإنه ما بنى إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، لماذا؟ قال: ولو كان غنيا ما استقرضنا». أي: في قوله الله عز وجل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. فهذا الخبيث ظن أن الاستقراض أن الله عز وجل أراد منه أن يقرضه لحاجة، وما علم هذا المسكين أن هذا الأمر في الحقيقة من الله عز وجل على فعل الخير، وأن ما يفعل الإنسان من خير، فإنه عند الله عز وجل مدخر، بل إن الله عز وجل يضاعف أضعافا كثيرة. ثم قال: «والله يقبض ويبسط، فالأمر من الله عز وجل، وبيده الخير سبحانه وتعالى، فهو القابض وهو الباسط سبحانه وتعالى وحده». ولكن هؤلاء بسبب كبرهم وغطرستهم وعنادهم حجبوا عن معرفة الحق. قال: «سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا». فهذا يدل على ما كان عليه أولئك من الكبر، وهذا الكبر جعلهم يبعدون وينأون عن الحق والخير والهداية. والأثر هذا رواه ابن أبي حاتم في التفسير، من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقد قال فيه شيخنا العلام الوادعي في تحقيقه لتفسير ابن كثير: محمد بن أبي محمد مجهول. قال رحمه الله تعالى: وأما الآية الثالثة، وهي قول الله عز وجل: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. قالوا: أما الآية الثالثة، فأم في قوله: «أم يحسبون»، قال: فأم بمعنى بل، والهمزة بعدها الاستفهام. فهي أم المنقطعة، والاستفهام إنكاري يتضمن معنى التوبيخ. قالوا: المعنى: بل أيظن هؤلاء في تخفيهم واستتارهم أننا لا نسمع سرهم ونجواهم؟ بل نسمع ذلك، وحفظتنا لديهم يكتبون ما يقولون وما يفعلون. وهذا يدل على إحاطة علم الله عز وجل وعلى سمع الله عز وجل لجميع الأصوات، وإن خفت، وإن كانت من السر، وإن كانت من النجوى. والنجوى: أي من التناجي بين شخصين أو أكثر بخفاء وستار. فالله عز وجل قال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. وقد ذكر بعض أهل العلم أن النجوى بمعنى الكلام بخفاء بين اثنين، والسر دون ذلك. قال رحمه الله تعالى: وأما الآية الرابعة، في خطاب من الله عز وجل لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، حين شكا إلى الله خوفهما من بطش فرعون بهما، فقال لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. طيب، وهذا كذلك فيه دلالة على أن الرؤية كذلك من الصفات الفعلية. والرؤية هاهنا بقوله: «وأرى»، بمعنى النصر والتأييد، أي: أرى ما تقومان به وما تعملانه، وأنا ناصر لكما، مؤيد لكما. قال رحمه الله تعالى: وأما الآية الخامسة، فقد نزلت في شأن أبي جهل لعنه الله، حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند البيت، فنزل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾. وهذا الشاهد من هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾، ففيه إثبات الرؤية لله عز و عز وجل. وفيه كذلك إثبات أن الرؤية هاهنا بمعنى أنها صفة فعلية تتعلق بالمرئيات. فالله عز وجل يخبر أنه يرى هذا الصنيع من أبي جهل مع رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت. فهذا يدل على تعلق رؤية الله عز وجل بالمرئيات في كل آن، وفي كل زمان، وفي كل مكان. فرؤية الله عز وجل من الصفات الذاتية الفعلية، فهي فعلية باعتبار تعلقها بالمرئيات. وهذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنهما، وهو كذلك في صحيح البخاري عن ابن عباس. بمعنى أن أبا جهل قال: «والله لو رأيتم محمدا يعفر وجهه عند البيت لأطأن على رقبته». فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، أراد أن يفعل ذلك، فهاله ما رأى، فما رآه الناس إلا وهو يجهجه ويدفع بيده. فقيل له: «ما لك؟» قال: «رأيتم أهوالا وأجنحة». فقال ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنه لو اقترب مني لتخطفته الزبانية». أي: الملائكة تخطفته إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه إشارة إلى أن الرؤية هاهنا بمعنى النصر والتأييد. فالله عز وجل نصر رسوله صلى الله عليه وسلم وأيده، وحفظه، ودفع عنه. فهو من باب النصر والتأييد والحفظ والكلاءة لنبيه صلى الله عليه وسلم.

شاركنا على