الدرس في شرح العقيدة الواسطية 33، ألقاها
أثبت شيخ الإسلام صفة الوجه لله تعالى بالأدلة من القرآن والسنة وإجماع السلف، وبيّن أنها صفة ذاتية ثابتة تعبر عن العظمة والكرم. يُثبت ذلك من خلال آيات قرآنية وأحاديث نبوية.
استعرض العلماء الأشياء الثمانية الباقية بعد الفناء مستدلين بالكتاب والسنة، وناقشوا معنى صفة الوجه لله تعالى وتفسيرات العلماء لها، مما يدل على عمق الفهم والتدبر في النصوص الدينية.
يُبيّن المقطع موقف أهل السنة والجماعة من إثبات صفة الوجه لله تعالى، حيث يردون على المعطلة والمجسمة، مؤكدين أن الوجه صفة زائدة على الذات دون تشبيه أو تركيب، مما يعكس منهج أهل السنة في التعامل مع الصفات الإلهية.
روى أبو موسى الأشعري حديثًا عن حجاب الله تعالى، موضحًا أنه النور أو النار، وأنه لو كُشف لأحرقت سبحات وجهه كل ما يراه من خلقه، مما يدل على عظمة الله وقدرته الفائقة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هاتين الآيتين لإثبات صفة الوجه لله عز وجل. والوجه من الصفات الذاتية الخبرية الثابتة لله عز وجل بالخبر. فوجه الله عز وجل ثبت لنا بالأدلة من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك بإجماع السلف على إثبات هذه الصفة لله عز وجل. فأما الكتاب، فكما هو بين أيدينا في هذه الأدلة المذكورة على إثبات الوجه لله عز وجل. وأما السنة، فأدلة كثيرة منها ما رواه الشيخان من حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه، أنه لما نزل قول الله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذوا بوجهك»، قال: «أو من تحت أرجلكم»، قال: «أعوذوا بوجهك»، قال: «أو يلبسكم شيعًا»، قال: «هذا أهوى» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فالشاهد منه أنه كان يقول: «أعوذوا بوجهك»، «أعوذوا بوجهك»، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بوجه الله عز وجل. وكذلك ما جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم». وفي هذا الحديث إبطال لقول المعطلة أن المراد بالوجه الذات، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم نوع وغاير بينه وبين الوجه، فقال: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم»، واللفظ يقتضي المغايرة. وأدلة ذلك كثيرة. والإجماع على هذه الصفة كذلك، نقله غير واحد من أهل العلم. وقد تقدم معنى في أول الكتاب أن هذه العقيدة من أولها إلى آخرها مجمع عليها. وقول الله عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، يقول العلماء: الجلالة أي العظمة، والجلال هو المراد بالجلال العظمة المطلقة. قالوا: لذا هذا الوصف مختص بالله عز وجل. والإكرام المراد به ذو الكرم، وهو الذي يوصل إلى خلقه ما ينفعهم بإحسان وإنعام. وقوله سبحانه أيضًا، في الآية الأخرى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾، بمعنى أنه فان ومنتهي ومضمحل، كما جاء في الآية الأخرى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾. هل الفناء عام لكل شيء؟ لعموم قول الله عز وجل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، فلا يبقى إلا الله سبحانه وتعالى، وأن ما عداه فإنه فان وهالك. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى ثمانية أشياء ثبت باستقرار الكتاب والسنة أنها لا تفنى ولا تهلك، ونظمها السيوطي فقال: «ثمانية حكم البقاء يعمها من الخلق والباقون في حيز العدم هي العرش والكرسي نار وجنة وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم». فهذه الثمانية الأشياء باقية. قد يقول قائل: بماذا استثنيتم هذه الأشياء وقد قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾، وهذا يفيد العموم؟ فالجواب: أن هذه الثمانية الأشياء استثنيت بأدلة وكلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، لا تعارض بينها ولا اختلاف ولا اضطراب. قال رحمه الله تعالى: قال الشارح رحمه الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ إلى آخره. الآيتان تضمنت إثبات صفة الوجه لله عز وجل. والنصوص في إثبات الوجه من الكتاب والسنة لا تحصى كثرة. وقد أشرنا إلى شيء من ذلك من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال: وكلها تنفي تأويل المعطلة الذين يفسرون الوجه بالجهة أو الثواب أو الذات. فالمعطلة تارة يقولون: إن المراد بقول الله عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، قالوا: المراد بالوجه ها هنا الذات. وأحيانا يأتوا بالآيات الأخرى مثل قول الله عز وجل: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾، أي: إلا ابتغاء ثواب ربه. قال رحمه الله تعالى: على أن هذه الآية الأخيرة كما قد أشرنا إليه في دروس مضت، من السلف من قال: إن المراد بها الوجه، ومنهم من قال: إن المراد بالجهة: أن المراد بالوجه ها هنا في هذه الآية: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، أي: فثم جهة الله. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى وكذا تلميذه القيم يقولان: إن هذه الآية ليست من أدلة الصفات، وإنما هذا من الأخذ بظاهر النص، أن الله عز وجل ذكر الجهات في أول الآية، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، فالله عز وجل بدأ الآية بذكر الجهات. قال مجاهد والشافعي: إن المراد بهذه الآية بالوجه: الجهة. دليلهم أول الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وكذلك تبعه تلميذ العلامة القيم رحمه الله تعالى: أنه قد يستدل بهذه الآية على إثبات صفة الوجه، من جهة أن الله عز وجل قال: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، سمى وجه الله حقيقة. وكذلك جهة الله، ولا تنافي بين الأمرين. ومما يؤيد هذا ما جاء في الحديث السابق الذكر، فيه: «إن الله عز وجل قبل وجه المصلي»، وجاء في بعض الألفاظ: «إنه ينصب وجهه قبل وجه المصلي» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فهذا يؤيد هذا. فالحاصل: أن أهل السنة والجماعة كما مر معنا في دروس مضت في القواعد المثلى، أنهم لو ذكروا بعض الآيات التي يقول بعض المعطلة: إن أهل السنة والجماعة قد أولوها، فأهل السنة والجماعة لم يؤولوها، ولكن أهل السنة والجماعة يحملون الألفاظ على ظواهرها بحسب سياقها وسباقها وتركيبها. قال رحمه الله تعالى: والذي عليه أهل الحق أن الوجه صفة غير الذات، ولا يقتضي إثباته كونه تعالى مركبًا من أعضاء كما يقوله المجسمة، بل هو صفة لله على ما يليق به، فلا يشبه وجهًا ولا يشبهه وجه. قوله رحمه الله تعالى: «والذي عليه أهل الحق»، أي: أهل السنة والجماعة، «أن الوجه صفة غير الذات». وهذا فيه رد على من؟ على المعطلة الذين يقولون: إن المراد بالوجه الذات. فيقول الشيخ الهراس: «والذي عليه أهل الحق»، أي: أهل السنة والجماعة، «أن الوجه صفة غير الذات»، ما معنى «صفة غير الذات»؟ أي: صفة زائدة على الذات. فالوجه صفة للذات وليس الوجه هو الذات. الوجه هو صفة من صفات الذات، أي: من صفات ذات الله عز وجل، أنه متصف بالوجه. قال: «ولا يقتضي إثباته أن يكون تعالى مركبًا من أعضاء كما يقوله المجسمة». المجسمة فرقة من الفرق الضالة التي كانت في آخر زمن القرن الثالث، وهم الذين يقولون: إن صفات الخالق سبحانه وتعالى كصفات المخلوق سواء بسواء، ويقولون: إن الله عز وجل مركب من أعضاء وأجزاء كتركيب الإنسان. فأهل السنة والجماعة كما أنهم يردون على المعطلة، كذلك يردون على الممثلة المشبهة. فأهل السنة والجماعة إثباتهم لله عز وجل لا يستلزم منه التمثيل، وتنزيهم لله عز وجل لا يستلزم منه التعطيل. قال رحمه الله تعالى: واستدل المعطلة بهاتين الآيتين على أن المراد بالوجه الذات، إذ لا قصاص للوجه في البقاء وعدم الهلاك. قال الشيخ: ونحن نعارض هذا الاستدلال بأنه لو لم يكن لله عز وجل وجه على الحقيقة، لما جاء استعمال هذا اللفظ في معنى الذات. قال: على أنه يمكن دفع مجازهم بطريق آخر، فيقال: إنه أسند البقاء إلى الوجه، ويلزم من بقاء الوجه بقاء الذات، بدلا من أن يقال: أطلق الوجه وأراد الذات. قال: وقد ذكر الخطابي رحمه الله تعالى أنه تعالى لما أضاف الوجه إلى الذات، وأضاف النعت إلى الوجه، فقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، دل على أن ذكر الوجه ليس بصلة، أي: ليس بزائد. قال: وكيف يمكن تأويل الوجه بالذات أو بغيره في مثل قوله عليه السلام في حديث طائف: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات». والحديث جاء عن عبد الله بن جعفر، وهو ضعيف. وفيما رواه أبو موسى الأشعري: «حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». هذا الحديث رواه الإمام مسلم من حديث أبي موسى. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.