الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 43، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل حقوق النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة مثل لواء الحمد والمقام المحمود والحوض المورود. يُفصل معنى هذه الصفات مدعوماً بالأدلة من القرآن والسنة.
يُبرز هذا الفصل فضل النبي محمد وأمته وأصحابه يوم القيامة، حيث يكون النبي إمام النبيين وأمته خير الأمم وأصحابه أفضل أصحاب الأنبياء. يُدلل على ذلك بالأدلة من القرآن والأحاديث.
يشرح هذا الفصل تعريف الصحابي وشروطه، حيث يشترط ثلاثة شروط: لقاء النبي مؤمناً به والموت على الإسلام. يُوضح أهمية هذه الشروط في تحديد الصحابة.
يشير هذا الفصل إلى أن المؤلف سيتناول بالتفصيل موضوع أصحاب النبي وترتيبهم في الحقوق، ويختم بالدعاء للنبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا مع ابن قدامة رحمه الله تعالى في رسالته "لمعة الاعتقاد"، وفي هذا الفصل الذي أعده رحمه الله تعالى في بيان حقوق النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: "صاحب لواء الحمد والمقام المحمود والحوض المورود". وهذه من سجاياه عليه الصلاة والسلام. قوله رحمه الله تعالى: "صاحب لواء الحمد"، وهذا يدل عليه ما جاء عند الترمذي بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر". وهذا يدل على أنه لواء حقيقي، لواء حقيقي يقبض فيأخذه نبينا صلوات ربي والسلام عليه. قال: "وصاحب لواء الحمد والمقام المحمود". والدليل على هذا الوصف الذي يقول لنبينا أنه صاحب المقام المحمود ما جاء في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾. وكما قال يقول العلماء: "عسى من الله موجبة"، فهذا أمر محقق. فإن الله عز وجل سيؤتي نبينا صلوات ربي وسلامه عليه المقام المحمود. ومحمود أي أنه هو الذي يحمده عليه الخالق والخلق. وأكثر العلماء، وهذا ما منقول عن جمع من الصحابة، أن المقصود بالمقام المحمود ما يكون من أمر الشفاعة. ما يكون من أمر الشفاعة. فقد نقل هذا عن حذيفة وعن أنس وأبي هريرة وابن مسعود وجابر وعبد الله بن عباس، جمع من الصحابة على أن المقام المحمود هو الشفاعة. أليس تكون لنبينا عليه الصلاة والسلام؟ قال: "والمقام المحمود والحوض المورود". الحوض قد مر معنا، الحوض هو مجمع الماء، والمورود هو الذي يرد عليه الناس، لكن ليس حوضه كأي حوض، بل حوضه كبير وكثير، كبير في حجمه وكثير هم واردوه ممن يشرب من هذا الحوض. واختلف العلماء في مسألة وهي: هل الحوض الذي سيكون يوم القيامة في أرض المحشر هل هو خاص بنبينا عليه الصلاة والسلام أم أن هناك عدة أحواض؟ أم أن هناك عدة أحواض لكل نبي حوض؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء لاختلاف الأدلة. فقد جاء في عند الترمذي أنه عليه الصلاة والسلام أخبر أن لكل نبي حوض، لكل نبي حوض أن يبعث الأنبياء وبين أيديهم أحواض، هذا بحوضه وهذا بحوضه، وكل يسقي أمته يسقي أمته. والاختلاف دب من النظر في هذا الحديث، فمنهم من أعله، فذكر أن هذا الحديث معلول. ومن أعظم علله أنه قد جاء مرسلًا، هذه علة. والعلة الثانية كذلك على رجل متكلم فيه، مروان بن جعفر، الحديث على مداره ومتكلم فيه. وبالمقابل من أهل العلم من يحسن حديثه، كالعلامة الألباني رحمه الله تعالى، فقد أثبت له شاهدًا يشهد لهذا الحديث ويرتقي به، ولهذا ذهب إلى تحسينه. ومن قبله قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "قال: وكان شيخنا المزي يحسنه أو يصححه". كان شيخنا المزي يصححه، فدل ذلك على أن العلماء منهم من كان يرى هذا الحديث قد ثبت عن نبينا لكل نبي حوض. لكن على قول من يقول: لكل نبي حوض، لكن لن يجعل أحد أبدًا أن حوض الأنبياء إن ثبت هذا الحديث كحوض النبي عليه الصلاة والسلام، بل إن حوضه صلوات ربي وسلامه عليه هو الأكبر وهو الأعظم، هو الأكبر وهو الأعظم. إذن فقوله رحمه الله تعالى: "والمقام المحمود والحوض المورود"، فعلى ثبوت على ثبوت أن لكل نبي حوض، إذن هذا الوصف ليس مما تميز به نبينا، ليس مما تميز به نبينا. إذن ما استأثر به الحوض قد تكون من خصائصه إذا قلنا أنه ليس هناك حوض إلا حوضه، تكون هذه من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام. وإن قلنا بأنه هناك أحواض ثبتت لأنبياء، إذن يكون هذا الأمر إنما في ذكر صفة حوضه بأنه حوض مورود، أي كثر واردوه، ليس كحوض غيره عليه الصلاة والسلام. قال: "وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم". وهذه مسائل ثلاث ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى لأنها سيقت في سياق واحد، بما رواه أهل السنن، الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، من حديث أبي بن كعب قال: قال عليه الصلاة والسلام: "إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم". إذا كانت يوم القيامة، يوم القيامة، كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم، فهذه الخصال الثلاث تكون لنبينا عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: "وأمته خير الأمم". كذلك مما يذكر في هذا الموضوع ما يتعلق بفضيلة الأمة المحمدية، وأن الله سبحانه وتعالى فضلها على سائر الأمم، فما هناك أمة توازي ولا تساوي. والأمم جاء ذكرها أن عدد الأمم سبعون أمة، عدد الأمم سبعون أمة، كما جاء ذلك مصرحًا في السنة. فإذا جئت في النظر أن تقلب ناظريك يا عبد الله في هذه الأمم، لرأيت أن أمة محمد عليه الصلاة والسلام هي خير الأمم، وذلك لدلالات الكتاب والسنة. أما من الكتاب قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. فأثنى ربنا جل وعلا بالخيرية لهذه الأمة المحمدية، فلا هناك أحد يدانيها ولا يوازيها. وإن قال بعض الناس: فكيف نجمع بين هذه الآية ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وبين ما جاء في قوله تعالى في حق بني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾؟ فإن الله عز وجل ذكر أنه قد فضل بني إسرائيل على أهل الأرض، فكيف نجمع؟ قال العلماء: لا إشكال، إنما تفضيل الرب لبني إسرائيل إنما كان ذلك في زمانهم، في عهدهم، في عصرهم، لم تكن هناك أمة توازي هذه الأمة من بني إسرائيل لكثرة فضائلها ولكثرة الأنبياء الذين كان يرسلهم ربنا عز وجل عليهم، وكان عندهم من الأحبار والرهبان في وقتهم، نعم ما كان هناك أمة تفضل على أمة بني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. لكن بعد ما جاءت هذه الأمة المحمدية، فإنها خير الأمم على الإطلاق، لا أحد من الأمم لا من بني إسرائيل ولا من قبلهم ولا بعدهم يوازي أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فهي كما قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: "خير الأمم". وهكذا ما جاء في مسند إمام أحمد قال عليه الصلاة والسلام: "أنتم خيرها وأكرمها على الله، توفون أو تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله". فدل ذلك على أن هذه الأمة المحمدية من خيرة الأمة. وليس هذا المقام مقام تفصيل، مقام تفصيل في ذكر الخيرية، فإن الخيرية وقعت لهذه الأمة في دينها أو في دنياها، وكذلك في آخرتها. ويراجع في ذلك الكتب التي استفاضت في ذكر الفضائل التي جعلها ربنا سبحانه وتعالى لأمة محمدية، من حيث زيادة الأجور والأعمال الصالحة. وقد مر ذلك قريبًا فيما جاء في الصحيحين كيف أن الله عز وجل جعل أهل الإسلام تضاعف لهم الأجور والفضائل والثواب ما ليس لغيرهم. زد على ذلك ما أوقع ربنا جل وعلا في شريعتهم من السماحة واللين والرفق ورفع الحرج عنهم، بخلاف الشرائع الماضية السالفة التي كان فيها نوع مشقة. وأما هذه الأمة فقد رفع ربنا عنها الأصر والأغلال، إلى آخر ما يذكر في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: "وأصحابه خير أصحاب الأنبياء عليهم السلام". كذلك بعدما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بحق النبي أو حقوق النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان من صفات، عرج على ما ينبغي أن يذكر لأصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام. والعلماء قد درجوا في كتب الاعتقاد أنهم يردفون بعد الكلام عن حق النبي عليه الصلاة والسلام وعلى أمته ما ينبغي من الاهتمام بحقوق الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وكان ذلك منهم بعدما ظهرت تلك النبتة النبتة الحاقدة التي تحقد على جيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أهل البدع، وعلى رأسهم الروافض. وليس فقط يا عبد الله الروافض فقط هم الذين نصبوا العداء لأصحاب رسول الله، بل ما من مبتدع كما قال بعض السلف: ما من مبتدع إلا ويبغض أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام. المعتزلة كان لهم الحظ الأوفر من الطعن والغمز في عدالة أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام. الخوارج لا أحد يشك في ضلالهم، وخاصة فيما يتعلق بجانب الصحابة، ولأدل على ذلك من رفعهم السلاح، وأنهم قاتلوا وشاهروا السيوف أمام وجه أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام. والروافض كذلك هم الذين انغمسوا في هذا الباب إلى أقصى ما يملكون من الخبث والدناءة في الطعن في عرض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، في سبهم وذمهم ولعنهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون. وهنا كان من أمر السلف رحمه الله تعالى أنهم بعدما يذكرون حق النبي صلوات ربي والسلام عليه، يعرجون على ذكر بعض حقوق الصحابة أو ما يكون من ذكر فضائلهم ومآثرهم ومناقبهم. قال رحمه الله تعالى: "وأصحابه خير أصحاب الأنبياء عليهم السلام". والأدلة كثيرة تدل على ذلك على فضيلة الصحابة، جاء ذلك في كتاب الله جل وعلا في آيات كثيرة، وجاءت الأحاديث المتواترة الدالة على فضل الصحبة، على فضل الصحبة، وأنها مسألة ومقام حباه ربنا سبحانه وتعالى لتلك الفئة الذين جعلهم ربنا سبحانه وتعالى حملة هذا الدين، وصحابة رسوله ورسوله الأمين عليه الصلاة والسلام. والآيات في هذا الباب كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وهكذا في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. وهكذا آيات كثيرة فيها الترضي والثناء الحسن من رب العالمين في حق أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام. وأعظم ما ينبغي أن يذكر في هذا المقام الذكر الضابط: بماذا يعرف الصحابي؟ ومن أفضل تعريف الذي يذكر في هذا المقام ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، إذ أنه نبّه على أن الصحابي هو من توفرت فيه هذه الشروط الثلاثة، فقال: "وكل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على ذلك". فهذه القيود الثلاثة قيود مهمة جدًا، وإخلال بقيد منها يخرج الرجل عن الصحبة. فقوله رحمه الله تعالى: "الصحابي وكل من لقي النبي عليه الصلاة والسلام مؤمنًا به ومات على ذلك". فقوله: "من لقي النبي عليه الصلاة والسلام"، أي: جلسه وعاشره وباشره، سواء كان استطاع أن ينظر إليه أو لم ينظر إليه. وتعمد الحافظ رحمه الله تعالى استخدام لفظ اللقية، ولم يكتف بما كان يذكره العلماء في زمانه بقولهم: "أن صحابي وكل من رأى". أراد الحافظ أن يستعوض عن كلمة الرؤية باللقية، لما قال: أن لو قلنا أن الصحابي وكل من رأى النبي، إذا قيل: ماذا نفعل بمن كان من أهل العمى من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، كابن أم مكتوم، وجماعة من الصحابة كانوا لا يرون النبي للعمى الذي أصابهم، هل لنجعلهم من عداد الصحابة؟ هم من الزمرة الأولى من أصحاب نبينا، قال: إذن نستعوض عن كلمة الرؤية بكلمة اللقية، فكل من لقي النبي فيدخل في اللقاء من رأى بعينه أو من جلس وعاشره عليه الصلاة والسلام. كل من لقي النبي مؤمنًا به، وهذا كذلك شرط، والقيد الثاني وهو مهم، لأن هناك جماعة نعم عاصروا نبينا عليه الصلاة والسلام ونظروا إليه ورأوه وتمعنوا في ملامحه، بل سمعوا حديثه، ومع ذلك لا يعدون أبدًا من الصحابة، كحال الكفار، كحال أهل النفاق، هؤلاء قد عاشروا وعاصروا نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وربما سمعوا حديثه ورأوا ملامح وجهه، ومع ذلك هل هؤلاء لهم شرف الصحبة؟ حاشا وكلا، فأهل الكفر والنفاق وإن كانوا قد لقوا النبي ورأوا النبي، فإنهم لا يدخلون في باب الصحبة لأنهم لم يكونوا قد صدقوا برسالته. فإن من شرط الصحبة أن يكون الرجل يلقى النبي وهو كله إيمان، إيمان بنبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام، فهذا القيد الثاني. ثم قال المؤلف: قال ابن حجر: "ومات على ذلك"، أي: مات على الإسلام، مات على الدين. وأراد بهذا القيد أن يخرج من كان ممن لقي النبي وكان كذلك مؤمنًا به، لكنه ارتد وخرج عن الدين، فهذا لا يكون من عداد الصحابة، لأنه أن نقض الصحبة، بل نقض الملة بالردة التي أوقعها على نفسه، فيخرج من باب الصحبة. فهذه الشروط الثلاثة التي ذكرها الحافظ هي التي ينبغي أن تراعى في باب من يقال عنه أنه صحابي. وسيأتي المؤلف رحمه الله تعالى بالتفصيل المتعلق بأصحاب نبينا وبرتبهم وبآثارهم، وما يتعلق بترتيبهم في الحقوق. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.