الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 94، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
في السنة التاسعة للهجرة بعث النبي صلى الله عليه وسلم المصدقين لجمع الزكاة، وأرسل علي بن أبي طالب لهدم صنم طي فغنم المسلمون وسبوا سفانة بنت حاتم، بينما هرب أخوها عدي إلى الشام تاركاً أخته في الأسر.
أكرم النبي صلى الله عليه وسلم سفانة ومنّ عليها لمكانة أبيها حاتم، فرجعت إلى أخيها تحثه على الإسلام، فقدم عدي طائعاً وأسلم بعد أن بين له النبي بطلان ما كان عليه من دين.
بين المقطع فرح النبي بدخول الناس في الإسلام، وأكد أن الصدقة ولو كانت يسيرة كشق تمرة أو كلمة طيبة تقي من النار، ونهى عن احتقار أي معروف، ووصف الأمن المستقبلي الذي يسود في عهده حتى تسير المرأة وحدها بين يثرب والحيرة بلا خوف.
أشار المتحدث إلى أن قصة عدي بن حاتم تُروى في كتب السير كمراسيل لا يُعرف صحتها إلا لله، ونقلها ابن هشام وغيره، ثم ختم الدرس بالاكتفاء بهذا القدر والحمد لله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": قال: فصل حوادث سنة تسع. قال: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ودخلت سنة تسع، بعث المصدقين يأخذون الصدقات من الأعراب. المصدقين: يعني الذين يجمعون الصدقة، وهم السعاة لجمعها من أهل النصاب. فهذا من حوادث هذه السنة. فمن أسلم، فمن أركان الإسلام إيتاء الزكاة، وكانوا يؤدون الزكاة إلى بيت مال المسلمين، ثم تصرف هذه الزكاة لمستحقيها. قال: وفيها -أي في سنة تسع- بعث علياً رضي الله عنه إلى صنم طي ليهدمه. فشنوا -أي المسلمون- الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، ومنهم وينسبون إليه حاتم الطائي المشهور في الجاهلية بالكرم. قال: فهدموه. وهذا فيه ما تقدم من أنه لا يجوز إبقاء مواضع الطواغيت والشرك بعد القدرة عليها. فبعدما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وطهرها من الشرك، انتقل إلى تطهير ما حولها وما حول المدينة من براثن الشرك، ومن ذلك هذا الصنم: صنم طي. قال: وملأوا أيديهم من السبي والنعم والشاء -أي غنموا غنائم كثيرة. قال: وفي السبي سفانة أخت عدي بن حاتم الصحابي الذي ستأتي قصة إسلامه. قال: وهرب عدي إلى الشام، ووجدوا في خزانته ثلاثة أسياف وثلاثة أدرع. أدرع: جمع درع، وهو ما يلبس في الحرب. وقسم علي الغنائم في الطريق، ولم يقسم السبي من آل حاتم حتى قدم بهم المدينة، فأخر السبي وقدم الغنائم من النعم والشاء. وسيذكر المؤلف قصة إسلام عدي. فقال: قال عدي -أي عدي بن حاتم-: ما كان رجل من العرب أشد كراهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني، أي كان يكرهه كراهية شديدة. قال: حين سمعت به، وكنت رجلاً شريفاً نصرانياً -يعني من قبيلة شريفة وكريمة، كما ذكرنا، أبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم. قال: وكنت أسير في قوم بالمرباع. قال المعلق: المرباع: الربع من الغنائم، يعني القطيع من الغنم. قال: وكنت في نفسي على دين -يعني دين النصرانية. فقلت لغلام لي راع لإبلي: أعدد لي من إبلي أجمالاً دلالاً سماناً -يعني من أحسن إبله، عينها وجهزها- فإذا سمعت بجيش محمد قد وطئ هذه البلاد فآذني -أي فأعلمني. إذا سمعت أن جيش محمد سيدخل بلدنا فأخبرني بذلك. قال: فأتاني ذات غداة، فقال: ما كنت صانعاً؟ -أي أتاه هذا الخادم أو الغلام، قال: ما كنت صانعاً إذا غشيتك خيل محمد؟ فاصنع الآن، يعني قد جاء خيل محمد، فإني قد رأيت رايات، فسألت عنها، فقال: هذه جيوش محمد. قلت -أي عدي-: قرب لي أجمالي التي قلت لك أعددها لي. قال: فاحتملت بأهلي وولدي -أي خرج وأخذ معه أهله وولده- ثم قلت: ألحق بأهلي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام. وخلفت بنتاً لحاتم في الحاضرة -يعني في المكان الذي كانوا فيه، وهو مساكن آل حاتم. قال: فلما قدمت الشام أقمت بها، لأن الشام كانت أرض نصارى، وهو على دين النصارى، فأراد أن يأوي إليهم لأنهم على دينه. قال: وتخالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم -يعني بعدما خرجت، تبع خيل محمد خروجي، أنا خرجت وهم دخلوا- قال: فتصيب ابنة حاتم، يعني تسبي ابنة حاتم، وهي سفانة ابنة حاتم. قال: فقدم -فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طي، أي قبيلته. قال: وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام -يعني أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عدياً قد هرب إلى الشام. قال: فمر بها -أي مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخته سفانة- فقالت: يا رسول الله، غاب الوفد، وانقطع الوالد. والوفد: أي من يرعى المرأة، يفد بها ويحميها ونحو ذلك، تعني أخاها الذي هرب إلى الشام. قالت: غاب الوفد، وانقطع الوالد -يعني مات الوالد- وأنا عجوز كبيرة، ما بي من خدمة -يعني ما أستطيع أن أخدم أحداً- فامنن علي، من الله عليك -يعني اترك سبي، واجعلني حرة- ودعت له بالمن. فقال: من وافدك؟ -يعني من الذي كان يرعاك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الذي فر من الله ورسوله -يعني هرب-. وكررت عليه القول ثلاثة أيام -يعني ثلاثة أيام، وهي ليست تقول له: امنن علي، من الله عليك، وهو لا يستجيب لها عليه الصلاة والسلام-. قالت: فامنن علي -أي في الثالثة-. قالت: وسألته الحملان -يعني أن يعطيني شيئاً من المال- فأمر لها به، وكساها، وحملها، وأعطاها نفقة -يعني أحسن إليها-. وهذا فيه تنزيل النبي صلى الله عليه وسلم الناس منازلهم. فلما كانت هذه المرأة من قبيلة ذي شرف، وكان أبوها ذا مكانة وكرم، فمن عليها وعرف منزلتها. قال: فأتتني -يعني يقول عدي: أتتني أختي سفانة- فقالت: لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها. بمعنى أن محمداً صلى الله عليه وسلم ذو كرم، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم ذو كرم وذو إحسان. فأبوك حاتم كان كريماً، لكن محمداً كان أكرم منه. هذا معنى كلامها: لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها. قالت: إيته -يعني اذهب إليه- تقول لأخيها عدي: ائت إيته راغباً أو راهباً -يعني راغباً في الإسلام أو خائفاً منه- فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. بمعنى أنه يحسن إلى من جاء إليه، ويعطي، ويحسن إلى من أساء إليه. قال: فأتيته -يعني جاء عدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد. فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. قال: وجئت بغير أمان ولا كتاب -يعني جاء دون أن يطلب الأمان من أحد، ولم يكتب كتاباً ولا اتفاقاً ولا شيئاً. قال: فأخذ بيدي، وكان قبل ذلك قال: إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي. انظر إلى رحمته عليه الصلاة والسلام، وحسن أخلاقه ومعاملته. فأخذ بيد عدي، وهذا فيه لطف، وفيه معنى من معاني الرحمة والاطمئنان، أن يطمئن عدي ولا يخاف. قال: فقام إلي، فلقيته امرأة ومعها صبي، فقال: إن لنا إليك حاجة -أي نريد منك حاجة- فقام معها حتى قضى حاجتهما -أي حاجة المرأة والصبي- ثم أخذ بيدي حتى أتى داره، فألقت له الوليدة وسادة -يعني الخادمة أتت له بوسادة يجلس عليها- قال: فجلس عليها، وجلست بين يديه -يعني أمامه- فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قال: ما يفرك -يعني ما يحملك على الفرار والهرب؟ لما هربت إلى الشام، ما يفرك؟ أيفرك أن تقول: لا إله إلا الله؟ يعني فررت حتى لا تقول: لا إله إلا الله. فهل تعلم من إله سوى الله؟ تعلم أن هناك إلهاً غير الله؟ فقلت: لا. فتكلم ساعة -أي تكلم لحظة، الساعة هنا المراد فترة من الزمن-. ثم قال: أيفرك أن يقال: الله أكبر؟ وهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟ قلت: لا. فقال -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: فإن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون. فقلت: فإني حنيف مسلم -يعني أنت على دين النصارى، فالنصارى ضالون، وإن كنت ترجع إلى دين اليهود فاليهود مغضوب عليهم. لكن عدياً قد دخل الإيمان إلى قلبه، وجاء طائعاً راغباً في الإسلام-. فقال: فقلت: فإني حنيف مسلم. فرأيت وجهه ينبسط فرحاً. وهكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله، يفرح بدخول الناس في الإسلام. وهكذا رجوع الناس إلى الحق، إلى التوحيد، إلى السنة، فيفرح وينبسط ويتبشبش. فرأيت وجهه ينبسط فرحاً. هكذا يقول عدي بن حاتم. قال: ثم أمر بي فأنزلت عند رجل من الأنصار -أي أوصى به رجلاً من الأنصار-. قال: وجعلت آتيه طرفي النهار -أي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويتعلم منه-. فبين أنا عنده إذ جاءه قوم في ثياب من صوف، من هذه النمار -فصلى، ثم قام فحث بالصدقة عليهم- يعني عليهم ثياب بالية، ثياب ممزقة. فحث الصحابة أن يتصدقوا عليهم. قال: فحث بالصدقة عليهم، وقال: «يا أيها الناس، ارضخوا من الفضل». ومعنى ارضخوا: أي أعطوا. ورضخ له: أي أعطاه عطاء غير كثير. بمعنى: يعني أعطوا ولو شيئاً يسيراً. ارضخوا من الفضل، ولو بصاع، ولو بنصف صاع. الصاع: أربعة أمداد، ونصف الصاع: مدان. ولو بقبضة، قبضة يد من الطعام، بر أو حنطة أو غير ذلك. قال: ولو ببعض قبضة -يعني ولو بشيء أصغر من القبضة، بعض هذه القبضة، ليست قبضة كاملة-. وهذا فيه أن المسلم لا يحقرن من الصدقة شيئاً، ولو كانت هذه الصدقة شيئاً يسيراً. قال: ولو ببعض قبضة، يقي أحدكم وجهه حر جهنم والنار. ولو بتمرة، ولو بشق تمرة -يعني يقي أحدكم وجهه من النار، ولو أن يتصدق بتمرة، يعني شيء يسير، بل ولو بشق تمرة، يعني نصف تمرة. شق تمرة: يعني نصف تمرة، ليس التمرة كاملة. قال: فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة -الذي لا يجد ما يتصدق به، فليتكلم بكلمة طيبة-. فلا تحقرن من المعروف شيئاً، ولا تحقرن من العطاء شيئاً، ولا تحقرن من الصدقة شيئاً. ربما بعضنا يزيد معه شيء من الطعام وهو ليس بحاجة إليه، فإذا عزم على أن يتصدق به قال: إيش هذا؟ يأتي الطعام، ماذا سينتفع به من سأعطيه؟ فيحقر هذه الصدقة، يحقرها. «يا نساء المسلمين، لا تحقرن من المعروف شيئاً، أو تصدقن ولو بفرسن شاة» -يعني الكراع، حق الشاة، العظام، شيء ربما يرمى به في زماننا هذا، لكن لو أعطيته مستحقاً لفرح به وانتفع به-. فلا تحقرن من المعروف شيئاً. قال عليه الصلاة والسلام: «ولو بتمرة، ولو بشق تمرة، فإن لم تجد، فبكلمة طيبة». كذلك هذا من الصدقة. قال: «فإن أحدكم لاقن الله» -أي ملاقٍ ربه- «فقائل له: ما أقول لكم؟ ألم أجعل لك سمعاً وبصراً وقلباً؟» يقول: بلى. فيقول: «أين ما قدمت لنفسك؟» فينظر قدامه وخلفه، وعن يمينه وعن شماله، فلا يجد شيئاً يقي به وجهه حر جهنم. فليسأل كل واحد منا: ماذا قدم لنفسه؟ هذا السؤال سنسأله يوم القيامة: أين ما قدمت لنفسك؟ قال: فلا يجد شيئاً يقي به وجهه حر جهنم. ليقِ أحدكم وجهه النار، ولو بشق تمرة. فإن لم يجد، فبكلمة طيبة. فإني لا أخاف عليكم الفاقة -أي الحاجة والفقر- فإن الله ناصركم ومعطيكم، حتى تسير الضعينة ما بين يثرب والحيرة. والضعينة: هو الهودج الذي يوضع على ظهر البعير، فتركب فيه المرأة. والمراد به هنا: المرأة الضعيفة، المرأة، لأنها هي التي تركب الهودج. قال: حتى تسير الضعينة ما بين يثرب -وهو اسم للمدينة- والحيرة، ما تخاف على مطيتها السرق -يعني ما تخاف على راحلتها من السرق، لوجود الأمن والأمان-. فلذلك قال عدي: فجعلت أقول: فأين لصوص طيء؟ أين -يعني سرق طيء، قبيلته- حتى لا يعني تمس هذه المرأة بشيء في راحلتها. ففي ذاك الزمان ينتشر الأمن والأمان، فلا يوجد أمثال هؤلاء. وقصة عدي رضي الله تعالى عنه يذكرها أهل السير، وهي مراسيل، والله تعالى أعلم بصحتها، ولكن يتناقلها أهل السير، فقد ذكر هذا ابن هشام وغيره من أهل السير، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.