الدرس في شرح المنظومة البيقونية 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعرّف الحديث المدرج بأنه ما أدخله راوٍ في متن الحديث دون بيان أنه من قوله، وغالباً يكون لتفسير كلمة. ومثاله حديث أبي هريرة حيث «أسبغ الوضوء» مدرج من قوله و«ويل للأعقاب من النار» مرفوع.
يوضح المقطع الفرق بين ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم وألفاظ الرواة، مبيناً كيفية تمييز الإدراج. ويضرب مثالين: إدراج الزهري في حديث عائشة بتفسير التحنث، وإدراج في حديث أبي هريرة بعبارة طول الغرة والتحجيل.
يشرح مفهوم الإدراج مبيناً أن جملة «فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّتَهُ فليفعل» من قول أبي هريرة لا النبي ﷺ. ويذكر طرق أهل العلم في تمييز الألفاظ المدرجة وفائدة ذلك في عدم اتخاذ قول غير النبي حجة شرعية.
يعلن المحاضر انتهاء الجلسة الحالية مع وعد باستكمال الموضوع في درس قادم. ويختتم بالشكر للحضور على حضورهم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: قال البيقوني رحمه الله: «المدرجات في الحديث: ما أتى من بعض ألفاظ الرواة متصلة». هذا يسمى الحديث المدرج. والحديث المدرج هو ما أدخله أحد الرواة في الحديث بغير بيان أنه من قوله، ما يبين كأن يفسر كلمة. وهذا من أسباب إدراج الكلمات في الحديث: إما للتفسير -تفسير كلمة- أو لغير ذلك من الأسباب. فيميزها العلماء ويقولون: هذه الكلمة ليست من قول النبي عليه الصلاة والسلام، إنما هي من قول فلان من الرواة. فالإدراج بمعنى الإدخال، بمعنى الإدخال؛ يعني يدخل كلمة ليست من أصل الحديث. ومثلوا له بأمثلة؛ لأن الإدراج قد يكون في أول الحديث، وقد يكون في وسط الحديث، وقد يكون في آخر الحديث. فمثلوا على ذلك بأمثلة. فمما جاء من أمثلة الإدراج في أول الحديث: حديث أبي هريرة أنه قال: «أسبغ الوضوء، ويل للأعقاب من النار». قال العلماء: المرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو قوله: «ويل للأعقاب من النار»، هذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام. أما ما جاء في أول الحديث: «أسبغ الوضوء»، فهذا من قول أبي هريرة. فهذه الكلمة تسمى ماذا؟ مدرجة. هذه الكلمة تسمى مدرجة في الحديث. فأنت إذا ما كنت تعرف تظن أن هذا كله من قول الرسول، كله من قول الرسول عليه الصلاة والسلام. والذي قاله الرسول فقط الجزء الثاني: «ويل للأعقاب من النار». أما «أسبغ الوضوء» فهو من قول أبي هريرة. وفرّق بين قول الرسول عليه الصلاة والسلام وبين قول الراوي. ومثلوا للإدراج في الوسط بما رواه الزهري من حديث عائشة في كيفية نزول الوحي، وهو في الصحيحين. فذكر في هذا الحديث أن عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد، والتحنث التعبد». هذا ورد في الحديث. فالذي ما عنده علم بإدراج بشيء من الإدراج بهذا الحديث لظن أن هذا الكلام كله من حديث عائشة فيما ترفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والأمر ليس كذلك. فقوله: «والتحنث التعبد» هذا ليس من قول عائشة فيما ترفعه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من قول الزهري؛ فسر معنى التحنث، وكأنه فسر ذلك لأن التحنث يأتي بعدة معاني. فقد يكون الحنث في الأصل هو الإثم، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَكَانُوا يَصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ﴾، يعني الإثم. وهنا ليس المراد به الإثم، إنما المراد به التعبد. فحتى يميز بين المعنيين فسر الزهري معنى التحنث، فقال: «والتحنث التعبد». والتحنث التعبد: فهذا إدراج في الحديث؛ لأنه ليس من قول الرسول عليه الصلاة والسلام فيما تخبر به عائشة. فهذا مثال للإدراج في وسط الحديث. ومثلوا للإدراج في آخر الحديث بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أمتي يُدعَوْن يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلِينَ من أثر الوضوء». فجاء في هذا الحديث: «فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّتَهُ وتَحْجِيلَهُ فليفعل». فأنت إذا ما عندك علم بأن هناك إدراجًا في هذا الحديث لظننت أن هذا كله من قول النبي عليه الصلاة والسلام، وليس الأمر كذلك. فقوله في أول الحديث: «إن أمتي يُدعَوْن يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلِينَ من أثر الوضوء» هذا هو قول الرسول. وأما ما جاء في آخر الحديث: «فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّتَهُ فليفعل»، فهذا ليس من قول النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من قول أبي هريرة؛ أدرج هذه الكلمة أو هذه الجملة في الحديث. فهمتم الآن معنى الإدراج؟ هذا هو معنى الإدراج: كلمة يدخلها الراوي إما للتفسير، أو للحث على أمر ما، مثل ما جاء في حديث أبي هريرة: هذا حث على إطالة الغر والتحجيل. «فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّتَهُ وتَحْجِيلَهُ فليفعل» حتى ينال الفضيلة التي وردت في أول الحديث. طيب، قد يقول قائل: وكيف أعرف أن هذه اللفظة من قول الرسول أو ليست من قول الرسول؟ الحمد لله، أهل العلم وأهل الحديث بينوا ذلك، ويعرف ذلك إما بجمع الطرق، وإما بمخالفة هذه اللفظة لأصل من الأصول، أو لأسباب أخرى. المهم أن أهل العلم يبينون ذلك. فأنت تقرأ مثلًا في بعض الشروح: «هذه الكلمة ليست من الحديث، بل هي مدرجة من قول فلان، أو من قول الراوي كذا». فمعنى أن هذه اللفظة مدرجة... وما الفائدة من ذلك؟ الفائدة من ذلك أن تميز بين قول الرسول وبين قول غيره؛ فإن قول الرسول حجة، أما قول غيره فليس بحجة. واضح. فما فائدة هذه المدرجة؟ لا نجعلها كقول الرسول عليه الصلاة والسلام. فإن كان معناها صحيحًا عملنا بها لأن معناها صحيح، وإلا فلا يؤخذ منها حكم شرعي؛ لأنها ليست من قول النبي عليه الصلاة والسلام. لعلنا نقف عند هذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى شكرًا لكم.