الدرس في شرح المنظومة البيقونية 17، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح هذا المحور مفهوم الحديث المدبج الذي يقوم على التبادل في الرواية بين كل قرين وقرينه بالتساوي، مميزاً إياه عن مجرد رواية الأقران. ثم ينتقل لبيان قسمي الحديث المتفق والمفترق، موضحاً أن المتفق يتحد فيه اللفظ والخط.
يفصل هذا المحور في مصطلح المتفق والمفترق كاشتراك اللفظ والخط مع اختلاف المعنى، ومصطلح المؤتلف والمختلف كاتفاق الخط وتقارب اللفظ مع اختلاف المعنى. ويبين أهمية هذين القسمين في تجنب الوهم والاشتباه بين الرواة خاصة في غياب الضبط بالنقاط قديماً.
يناقش هذا المحور تعريف الحديث المنكر بأنه تفرد الراوي الضعيف بما لا يحتمل تفرده، مبيناً أن الأصح عند المتأخرين كابن حجر هو مخالفة الضعيف لمن هو أوثق منه. كما يفرق بينه وبين الشاذ الذي هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.
يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى أن الحديث المذكور في السياق يُعد حديثاً منكراً. ثم يعلن انتهاء الجزء الحالي من الدرس مع الوعد باستكمال الباقي في الدرس القادم.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام البقوني رحمه الله: «وما روى كل قرين عن أخه مدبج فاعرفه حقا وانتخه». قوله: «وما روى كل قرين عن أخه مدبج»، هذا نوع من أنواع الحديث يقال له المدبج، نسبة إلى ديباج الخد. هذا يقال له ديباج، والحديث المدبج هو أن يروي القرين عن قرينه، وكل واحد يروي عن الآخر. والقرين هو الذي اتفق مع قرينه في السن، أو في الشيخ، أو في وقت الطلب، يجتمعوا في شيء من هذا، ويقال: فلان قرين فلان. قرين معناه: قريب عليه في العلم، أو في الطلب، أو في الرتبة والدرجة، في الرتبة والدرجة، فليس أحد أرفع من أحد، فهذا يسمى قرين. فمثلا: زيد وعمرو، كل واحد قرين للآخر، فزيد روى عن عمر، وعمر روى عن زيد، هذا يسمى ماذا؟ مدبج. هذا يسمى الحديث المدبج. أما إذا روى أحدهما عن الآخر، ولم يروي الآخر عن الأول، فهذا لا يسمى مدبجا، يسمى رواية الأقران، رواية الأقران. فيشترط في المدبج أن كل قرين يروي عن قرين، واضح؟ يروي عن قرين. أنت تروي مثلا، أنت وعبد الرحمن قرينان، طيب، عبد الرحمن روى عنك، وأنت رويت عنه، وأنت حدثت عنه، وحدث عنك، هذا يسمى ماذا؟ مدبج. أما إذا رويت عن عبد الرحمن أنت فقط، وعبد الرحمن ما روى عنك شيئا، فروايتك عنه تسمى رواية الأقران، ليست في رواية المدبج. فهمتها؟ فيشترط في المدبج أن كل قرين يروي عن قرينه. وهذا معنى قوله: «وما روى كل قرين عن أخه»، يعني: عن أخيه. وهذه لغة في الأسماء الخمسة، وهو أن تعرب بالحركات، تعرب بالحركات، هذه لغة. فمعنى «عن أخه» يعني: عن أخيه. «مدبج» يعني: اسمه مدبج. «فاعرفه حقا» يعني: اضبط هذا وعرفه حق المعرفة. وأما قوله: «وانتخه»، يعني: مع معرفتك لهذا النوع من أنواع الحديث، ميز وفرق بينه وبين غيره، فرق وميز بينه وبين غيره. هذا هو الحديث المدبج، وليس له علاقة بالصحة أو الضعف، وإنما هو اصطلاح اصطلح عليه أهل المصطلح. وقد يقول قائل: لماذا سمي مدبجا؟ قلنا: نسب إلى ديباج الخد، إلى ديباج الخد، فكل واحد كأنه يصرف خده إلى قرينه كي يحدثه، فهذا يصرف خده، وهذا يصرف خده، فلذلك سمي مدبجا، سمي مدبجا. ثم قال: «متفق لفظا وخطا متفق، وضده فيما ذكرنا المفترق». هذا كذلك قسم آخر من أقسام الحديث، وهو ما يسمى بالحديث المتفق والمفترق، وهو قسم واحد في الحقيقة، قسم واحد من أقسام الحديث يسمى الحديث المتفق والمفترق. المتفق والمفترق، خلافا لما يتوهم من كلام الناظر أنه قسمان، فهو قسم واحد، ليس قسمان، قسم واحد يسمى الحديث المتفق والحديث المفترق. والحديث المتفق كما ذكر: يتفق في اللفظ والخط، يعني: النطق واحد، والكتاب واحد. فقوله: «لفظا» يعني: النطق، وقوله: «خطا» يعني: الكتابة. فيتفق في اللفظ، ويتفق في الخط، لكن يختلف في ماذا؟ في المعنى. يختلف في المعنى. وهذا مثلا: رجل اسمه عباس، وآخر اسمه عباس، فالآن اللفظ ماذا؟ واحد، والكتاب واحد، لكن هذا عباس ابن محمد، وذاك عباس ابن أحمد، فذاك رجل، وذاك رجل آخر، فالمعنى اختلف، المعنى ماذا؟ اختلف. فهذا يسمى متفق ومفترق، متفق في اللفظ والكتاب، ومختلف في المعنى، ومختلف في المعنى. فهذا هو الذي يسمى متفق ومفترق. وهذا تجده كثيرا في شيوخ المحدثين، فمثلا: حافظ التقريب يذكر مثلا في من اسمه محمد، ربما مئات الرواة اسمه محمد، وربما عشرون أو خمسون من هؤلاء مشايخ لتلميذ واحد، أو تلاميذ لشيخ واحد، فاللفظ والنطق واحد، متفق، لكن الرواة يختلفون، مع أن أسماءهم متفقة، لكن أفرادهم مختلف. فهذا هو الذي يسمى متفق ومفترق، متفق في اللفظ والخط، ومفترق في ماذا؟ في المعنى، في المعنى. ثم قال: «مؤتلف متفق الخط فقط، وضده مختلف، فخش الغلط». هذا أيضا قسم آخر من أقسام الحديث مما اصطلح عليه الرواة، وهو ما يسمى بالمؤتلف والمختلف، المؤتلف والمختلف. فالمؤتلف من الاتلاف، وهو الذي اتفق خطا، ولكنه اختلف لفظا، الخط ربما يشتبه، لا يوجد فرق، ربما إلا حرف واحد، لا يوجد فرق إلا في حرف واحد، وهو على وزن واحد، فهذا المراد بالاعتلاف، المراد بالاعتلاف يعني: تقارب اللفظ، ليس تطابق اللفظ، وإنما تقارب اللفظ، واضح؟ مع اختلاف النطق. وهذا معنى قوله: «وضده مختلف، فخش الغلط»، النطق والمعنى ربما يختلف. مثلوا له مثلا بعباس وعياش، فرق بينهما حرف واحد، وهما على نفس الوزن، صح؟ أه، أو العفاري والغفاري، يعني: هناك تشابه في ماذا؟ في النطق واللفظ، صح؟ فيوجد اختلاف، لكن هناك اختلاف في المعنى، اختلاف في المعنى. إذا ما الفرق بين المتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف؟ هناك فرق: المتفق والمفترق يكون الخط واللفظ واحد، واضح؟ والمعنى يختلف. لكن المؤتلف والمختلف يكون اللفظ متقارب، ليس واحد، مؤتلف، اللفظ والمعنى يختلف، والمعنى ماذا؟ يختلف. فهذا معنى قوله: «مؤتلف متفق الخط فقط»، يعني: الكتابة، «وضده مختلف، فخش الغلط»، يعني: ما يسمى بالمؤتلف والمختلف. وهذا يفيد في ضبط الرواة، فقد ربما يوهم بعض الرواة، فيجعل عباس عياش، ويجعل عياش عباس، صح؟ خصوصا في الزمن الأول، ما كان يستخدمون النقاط، فلو كتبت هذه سيكون نفس الكتابة: عين ونون وألف وسين فقط، ثلاث، ما في نقاط، فماذا تقرأ؟ عباس أو عياش؟ إذا ما عند الرواة ضبط في الرواة، وأن فلانا روى عن فلان، وفلان شيخ فلان، وفلان تلميذ فلان، ربما يتم خلط، صح، بين الرواة. فهذا فائدته، هذا فائدته، وهو ضبط الوهم في الرواة، في الرواة، والبعد عن الاشتباه بين الأشخاص، البعد عن الاشتباه بين الأشخاص. وبعضهم قال: إذا كان هناك يعني عدم ضبط من الرواة للفرق بين عباس وعياش، فهنا يحكمون على الحديث بالضعف، يقولون: الراوي هنا ما ضبط، ما ضبط، يعني: السند، فيحكمون عليه بالضعف، لأن الراوي اضطرب في هذا، أو وهم في هذا، أو نحو ذلك. فإذا له فائدة، معرفة الفرق بين المؤتلف والمختلف فيه فائدة، فيه فائدة، كما أن أيضا الفرق بين المتفق والمفترق فيه فائدة، وماذا؟ الفرق بين أسماء الرواة من حيث الآباء، فهذا محمد بن فلان، وذاك محمد بن فلان، فكيف تميز بينهم؟ بالآباء، فيكون هناك اعتناء بضبط الآباء. وأما المؤتلف والمختلف ففائدته كما تقدم: عدم الوهم في الرواة، في الرواة. فهذا من الفوائد التي ذكرها العلماء في ذلك. ثم قال: «والمنكر الفرد به راو غدا تعديله لا يحمل التفرد». هذا الحديث المنكر، ولكن المؤلف هنا تعريفه للمنكر هو في الحقيقة تعريف للحديث الغريب، لأنه قال: «والمنكر الفرد به راو غدا»، يعني: فسر المنكر بما تفرد به راو، لكن هذا الراوي تعديله لا يحمل التفرد، يعني: يريد أن هذا الراوي ليس بضابط، فخص المنكر بضعف ضبط الضعيف، يرويه ضعيف واحد، ولم يضبط، هذا هو معنى قول الناظم هنا: «والمنكر الفرد به راو غدا»، يعني: رواه فرد واحد، وهذا الفرد ضعيف، فانفراده بالحديث لا يحمل التفرد، لا يمكن أن نأخذ بهذا الحديث، لأنه ليس بثقة. بخلاف لو تفرد بالحديث ثقة، فإنه يؤخذ به، صح؟ لو أن حديثا رواه جماعة من الرواة، لكن في طبقة من طبقات سنده فيه شعبة فقط رواه شعبة، هل يقبل حديثه؟ نعم، لأن شعبة إمام من أئمة الحديث. لكن لو حديث تفرد به مثلا ابن لهيعة، أو تفرد به سعد بن رشدين، وهؤلاء ضعفاء، هل نقبله؟ ما نقبله، لماذا؟ لأنه ضعيف، لا يحمل التفرد. هذا مراد النظم هنا. ولكن ذكر الحافظ ابن حجر أن التعريف الصحيح للحديث المنكر هو: مخالفة الضعيف لمن هو أوثق منه، كما أن الشاذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، صح؟ والضعيف هو: مخالفة الثقة، أو مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه، أو أوثق منه، أو نحو ذلك، فهذا يسمى منكر. فمثلا: لو جاء ابن لهيعة وخالف سفيان، أو شعبة، أو نحو هؤلاء الأئمة، فيحكم على حديث ابن لهيعة بأنه حديث ماذا؟ منكر، لأنه خالف من هو أولى منه. فهمتم هذا الآن؟ ففي المخالفة معنى حديث شاذ، ومعنى حديث منكر، فالحديث الشاذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، والحديث المنكر: مخالفة الضعيف لمن هو أوثق منه، أو أولى منه. وهذا هذا الآن، فهذا هو التعريف الصحيح للحديث المنكر، وهذا الذي جرى عليه اصطلاح المتأخرين من علماء الحديث. فإذا رأيت مثلا الألباني رحمه الله يقول: هذا حديث منكر، معنى أن في سنده ضعيفا خالف الثقات، خالف الثقات، فيحكم على الحديث بالنكارة، يحكم على الحديث بالنكارة. فهذا هو الحديث المنكر، هذا هو الحديث المنكر. فعلى نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله لدرس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.