الدرس في شرح المنظومة البيقونية 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح هذا المحور تعريف الحديث المسند اصطلاحاً بأنه المتصل الإسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون اشتراط السماع المباشر، مبيناً معانيه الثلاثة. كما يوضح تعريف الحديث المتصل واشتراط السماع فيه، والفرق الجوهري الذي يتمثل في اشتراط السماع للمتصل واكتفاء المسند بالعنعنة.
يواصل هذا المحور تفصيل الفرق بين المسند والمتصل مؤكداً أن المتصل يشترط فيه اتصال السند وسماع كل راوٍ ممن فوقه دون اشتراط الصحة أو السلامة من العلة. ثم ينتقل لتعريف الحديث المسلسل بأنه ما اتفق فيه الرواة على صيغة أو حال معينة عند الأداء، ضارباً مثال المسلسل بالأولوية بحديث الراحمين.
يُعرف هذا المحور الحديث المسلسل تفصيلاً بأنه اتفاق الرواة على ذكر حال أو صفة محددة عند الأداء مثل الضحك أو قول «إني لأحبك»، مع ذكر أمثلة كحديث أبي هريرة في المجامع رمضان وحديث معاذ. ويبين أن فائدته تكمن في إثبات ضبط الراوي وقوة سماعه، وقد يكون قربة إذا تضمنت الصفة دعاءً أو محبة في الله، مع التنبيه أنه وصف للرواية لا حكم على الصحة أو الضعف.
يختم الدرس ببيان فضل التبسم في وجه الأخ المسلم وأنه يُعد صدقة متفق عليها بين الرواة، مما يزيد القربة إلى الله تعالى. ويشير إلى أن أهل العلم ذكروا فوائد أخرى لهذا الخلق الكريم، مكتفياً بهذا القدر من البيان.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال البيقوني رحمه الله تعالى: «والمسند المتصل الإسناد من راويه حتى المصطفى ولم يبن». أشار هنا إلى قسم آخر من أقسام الحديث، وهو ما يسمى بالحديث المسند بفتح النون. الحديث المسند وتعريفه كما في هذا البيت: هو المتصل الإسناد من راويه حتى المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام. فكل حديث اتصل إسناده وانتهى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يسمى مسنداً عند أهل الاصطلاح الخاص في هذا العلم. وإلا فحق المسند في اللغة أن يطلق على كل حديث إلى منتهاه أو إلى قائله، سواء كان النبي عليه الصلاة والسلام أو من دونه من الصحابة والتابعين. ولكن اصطلح أهل هذا الفن أن الحديث المسند هو ما اتصل إسناده من راويه حتى المصطفى عليه الصلاة والسلام. فقوله «ولم يبن» يعني تفسيراً للاتصال، ومعنى «لم يبن» يعني لم ينقطع، ما يوجد فيه انقطاع، ما يوجد فيه انقطاع ظاهر. هذا هو المسند، الحديث المسند عند أهل الاصطلاح. فإذا سمعت من يقول لك: هذا حديث مسند، معناه متصل الإسناد إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وليس له علاقة بالصحة أو الضعف؛ لأن المسند ما تطرق إلى ضبط الرواة، أو إلى عدالة الرواة، أو إلى عدم الشذوذ والعلة. صح مجرد أن هذا السند كل راوٍ سمع من الآخر وانتهى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يسمى مسنداً. واضح؟ فقد يكون صحيحاً، وقد يكون ضعيفاً، وقد يكون ضعيفاً. هذا إذا كان جاء بلفظ المسند، وفي هناك شيء يسمى مسند، مسند، ومسند. والمسند هذا الراوي الذي يروي عن غيره يسمى مسنداً بالكسر، وهناك معنى مسند إليه، وهو الراوي الذي أسند إليه المسند، هذا يسمى مسنداً، وهذا يسمى مسنداً إليه، مسنداً إليه. فإذا معنى مسند، ومسند، ومسند إليه: فالمسند الحديث المتصل الإسناد إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والمسند بكسر النون هو الراوي الذي يروي عن شيخه يسمى مسنداً، تسند الحديث إلى شيخ، والمسند إليه هو الشيخ الذي روى عنه المسند، الذي روى عنه المسند. فهذا هو الفرق بين هذه الثلاثة، بين هذه الثلاثة. وقلنا هذا اصطلاح عندهم خاص، وإلا فالمسند في اللغة أعم، فيشمل نسبة القول إلى كل قائل، سواء كان النبي عليه الصلاة والسلام أو من دونه، أو من دونه. قال: «وما بسمع كل راوٍ يتصل إسناده للمصطفى فالمتصل». وهذا أيضاً قسم آخر من أقسام الحديث، وهو الحديث المتصل. الحديث المتصل وحسب كلام المؤلف هنا أن الحديث المتصل تعريفه مشروط بشرطين اثنين: السماع، بأن يسمع كل راوٍ ممن روى عنه. وهذا فرق بينه وبين ماذا؟ وبين المسند المتقدم. فالحديث المسند ما يشترط فيه السماع، وإنما يشترط فيه ماذا؟ الاتصال، سواء كان بالعنعنة أو بالتصريح أو ليس بالتصريح، المهم أن كل راوٍ روى عن من قبله، سمع منه أو لم يسمع. لأنه قال في هذا النوع: «والمسند المتصل الإسناد من راويه حتى المصطفى ولم يبن»، ما يكون هناك فيه انقطاع، ما يكون هناك فيه انقطاع ظاهر، وإنما اتصل إسناده. لكن هذا يشترط فيه السماع، ولذلك قال: «وما بسمع كل راوٍ يتصل»، يعني كل راوٍ سمع من الآخر، فلا يكون فيه «عن» عنه بحيث أننا لا ندري أسمع هذا الراوي من الآخر أم لا. لكن المسند يمكن تكون فيه «عن» عنه، فإذن هذا فرق بين هذا والذي قبله، بين المسند والمتصل. فالمسند لا يشترط السماع، فقد يكون هناك «عن» عنه موهمة للسماع، وفي الحقيقة لا يوجد سماع. يُراد «ولم يبن» يعني لم ينقطع انقطاعاً ظاهراً. وأما المتصل فلابد فيه من السماع، ولذلك قال: «وما بسمع كل راوٍ يتصل إسناده». والشرط الثاني: أن يكون الاتصال إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فإذن أيش الفرق بين هذا والذي قبله؟ نعم، المسند لا يشترط فيه السماع، فقد يأتي بالعنعنة أو بصيغة موهمة للسماع. وأما هذا فيشترط فيه السماع. أي نعم. وذاك نفس الشيء يشترط فيه الاتصال إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الصلاحات لأهل العلم، وكذلك هذا لا يعني يشترط فيه الصحة، لأنه قد ما تطرق لأمر الرواة، ما تطرق لأمر الرواة، ولو كان الراوي ضعيفاً، طالما أنه سمع من من قبله، فهذا يسمى متصلاً، ولو كان ضعيفاً. وكذلك ما تطرق لعدم الشذوذ والعلة، لعدم الشذوذ والعلة. فأيضاً هذا النوع لا يشترط فيه صحة أو ضعف، فقد يكون صحيحاً، وقد يكون ضعيفاً، وقد يكون ضعيفاً. قال: «مسلسل قل ما على وصف أتى مثل... أما والله أنبأ الفتى كذا كد... حدث حدثنيه قائماً أو بعد أن حدثني تبسماً». هذا يسمى الحديث المسلسل. الحديث المسلسل وتعريفه: الحديث المسلسل هو الذي اتفق فيه الرواة فنقلوه بصيغة معينة أو حال معينة. مثلاً يأتي تلميذ فيقول: حدثني شيخي فلان، طيب، فيأتي بوصف معين، مثلاً: حدثني وهو يبتسم، فابتسم هذا التلميذ كشيخه، قال: حدثني شيخي عن شيخه أنه حدث بهذا الحديث وهو يبتسم، فكل واحد يعني ماذا؟ كان يبتسم عندما يحدث بهذا الحديث. هذا الحديث يسمى مسلسلاً لأن كل راوٍ أو الرواة اتفقوا فيه على صيغ معينة، على حال معينة، حال معينة. وهذا مأخوذ من قوله: «كذلك قد حدثني قائماً أو بعد أن حدثني تبسماً»، يعني يقول هذا حال، يقول: حدثني شيخ وهو قائم، وهو حدث به وهو قائم، قال شيخ: حدثه شيخ وهو قائم. وهذا كلهم يتتابعون على هذه الحال، أو يتتابعون على صيغ معينة، فيقول مثلاً التلميذ: والله حدثني شيخ بهذا الحديث، قال شيخ: هو الله حدثني شيخ بهذا، كلهم يقسمون. وهذا معنى قوله: «مثل أما والله أنبأني الفتى»، يعني كل واحد يقول: أما والله أنبأني فلان، وهكذا. وكل واحد يأتي بوصف معين، سواء كان بصيغ معينة أو حال معينة، فهذا يسمى حديثاً مسلسلاً. ويذكر له مثال: حديث «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». هذا يسمونه مسلسلاً بماذا؟ بالأولوية. يعني كل شيخ يقول: حدثني شيخ وهو أول حديث حدثني به، قال: حدثني شيخ وهو... كل واحد يحدث بهذا الحديث ويذكر أن أول ما حدثه شيخ بهذا الحديث. وكان العلماء رحمهم الله أول ما يأتي إليهم الطالب يحدثونه بهذا الحديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». قال العلماء: وسببوا تحديثهم الطالب بهذا الحديث في أول طلبه لأن هذا العلم رحمة، هذا العلم ماذا؟ رحمة. فكأنه ينبه الطالب، يقول له: لا تأخذ هذا العلم من أجل أن تحفظه فقط، ومن أجل أن يعني تستفيد منه وحدك، بل كن منفقاً لهذا العلم، راحماً غيرك بتبليغ هذا العلم، بتبليغ هذا العلم. فهذا يسمى الحديث المسلسل بالأولوية، المسلسل بالأولوية. فيتفق الرواة أو بعض الرواة على صيغة معينة أو على حال معينة، أو على حال معينة. طيب، ثم قال: «كذلك قد حدثني قائماً»، يعني من صور المسلسل أن يقول الراوي: حدثني فلان قائماً، قال: حدثني فلان قائماً، وهكذا. أو متكئاً على فراشه، كل واحد يحدث على هذه الهيئة. أو مثلاً يقول: حدثني فلان وهو يبتسم، قال: حدثني فلان وهو يبتسم، وهكذا. كل راوٍ يذكر يعني هذه الحال المعينة، هذه الحال المعينة. وذكروا لهذا أمثلة، منها حديث أبي هريرة في قصة الرجل المجامع في نهار رمضان. فلما قال: يا رسول الله، أعلى أفقر مني؟ فقالوا: فصار كل محدث يضحك إذا وصل إلى هذه الجملة، لأنها جملة تستدعي ذلك، تستدعي ذلك. يعني رجل جامع في نهار رمضان، معروف الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: هلكت، قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان. فقال له: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: تستطيع أن تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا. فبينا هو كذلك إذ أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكتل فيه تمر، فقال: خذ هذا فتصدق به. فقال هذا الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتي المدينة أهل بيت أفقر مني. يعني يريد هذا أيضاً، الصدق الذي في الحقيقة صدق عليه، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له: خذه، حتى بدت نواجذه عليه الصلاة والسلام. فكان الرواة لما يحدثون بهذا يضحكون كما... عندما يصل إلى هذه الجملة، عندما يصل إلى هذه الجملة، فهذا يسمى الحديث المسلسل، بالحديث المسلسل، يسمى الحديث المسلسل. طيب، قد يقول قائل: ما الفائدة من معرفة هذا النوع من أنواع الحديث؟ ما هي الفائدة؟ الفائدة من الحديث المسلسل: أن الرواة كونهم يتفقون على حال معينة، فهذا ماذا يدل؟ على ثبوت الحديث وقوة الحديث، إذ الكل يعني يفعل ذلك، الكل يفعل ذلك، فكأنه يؤكد أن فلاناً حدثه، وأنه شاهد من شيخه أنه يفعل كذا وكذا، يفعل كذا وكذا. فهذا فيه قوة سماع، صح، وأنه سمع منه هذا الحديث. وفيه كذلك ضبط الراوي، دليل على ضبط الراوي، إذ أنه نقل لنا حتى هذه الأحوال الصفات التي عليها الشيوخ الذين روى عنهم، الذين روى عنهم. ويمثلون أيضاً بحديث معاذ، لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إني لأحبك». فكان بعض رواة هذا الحديث إذا حدث تلميذه يقول له: والله إني لأحبك، فلا تدع أن تقول دبر كل صلاة كذا وكذا. يعني قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: إني أحبك، فلا تدع... فتوالى الشيوخ على قول ذلك لطلابهم، لطلابهم. فقالوا: هذا من فوائد الحديث المسلسل، أنه مما يقرب إلى الله، مما يقرب إلى الله. فأنت لما تقول مثلاً في هذا الحديث تقول لتلميذك: إني أحبك، هذه عبادة وقربة، حث النبي عليه الصلاة والسلام عليها، فقال: «إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه». يعني تقول له: إني أحبك. فتوالى الشيوخ على هذا القول، فيه زيادة قربة. وليس معنى هذا أن الحديث المسلسل من قسم الحديث الصحيح، لا، هذا ليس له علاقة بالصحيح والضعيف، فقد يكون صحيحاً، وقد يكون ضعيفاً. وإنما هو وصف خاص فقط، وصف خاص قد يصدر من بعض الرواة، فتتابعوا عليه واتفقوا عليه. ففيه مثل هذه الفوائد كما تقدم: ضبط الرواة، وربما القربة إلى الله عز وجل بتطبيق بعض ما في هذه الصفة. فمثلا إذا تبسم، التبسم هذه صدقة، تبسمك في وجه أخيك صدقة، فقوم الرواة تتابعوا على هذا، هذا فيه زيادة قربة، وغير ذلك من الفوائد التي ذكرها بعض أهل العلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.