شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 12

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 12، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

فضل الإكثار من ذكر الله والتفكر في الآخرة

يشرح المحاضر أبياتاً من قصيدة الإلبيري تحث على المداومة على ذكر الله في الدنيا لنيل ذكره في السماء، مبيناً تفوق عيش الآخرة الباقي على عيش الدنيا الفاني. ويستعرض فضائل أذكار مخصوصة كقول «لا حول ولا قوة إلا بالله» والتسبيح والاستغفار، مستدلاً بأحاديث نبوية تبرز شرف ذكر العبد لربه وذكر الله له في الملأ الأعلى.

فضل الذكر وعمارة المساجد بالعلم وغفلة الشباب عن الموت

يبيّن المقطع فضيلة ذكر الله وأن أفضل عمارة المساجد تعليم العلم والقرآن، ويحذر من خداع الأمل الذي يجعل الشباب يظنون أن أمامهم مهلة للتوبة. كما يصف معاناة العجز في الكبر وذهاب الاحترام، ويختم بلوم النفس على التناقض بين النصيحة والعمل.

محاسبة النفس وأحوال الناس مع بحر الخطايا وزيف الدنيا

يشرح المقطع أبياتاً لأبي إسحاق الإلبيري يوبخ فيها نفسه على التفريط في العلم والعمل، ويشبه المعاصي ببحر يغرق فيه الناس بدرجات. ويشبه الدنيا بكأس خمر نتن (أم دفر) يسكر شاربه فيضيع آخرته، مع المقارنة بين عصره الذي كثرت فيه البدع وعصر السلف الصالح الذي علت فيه راية السنة.

الخاتمة والدعاء للعلامة الإلبيري

يختتم المتحدث بالدعاء للعلامة الفقيه الزاهد أبي إسحاق الإلبيري بالرحمة والمغفرة، ويصلي على النبي محمد. كما يشكر المترجمة نانسي قنقر على جهودها في الترجمة.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في هذه القصيدة العصماء والنصيحة النافعة التي قالها أحد شعراء الأندلس في القرن الخامس، وهو العلامة الزاهد إبراهيم بن مسعود الإلبيري القرطبي الأندلسي رحمه الله تعالى، أبو إسحاق، توفي في حدود الستين والأربعمائة للهجرة. قال رحمه الله تعالى: «وأكثر ذكره في الأرض دأبا لتذكر في السماء إذا ذكرت ولا تقل الصبا فيه امتهال وفكر كم صغير قد دفنت وقل يا ناصحي بل أنت أولى بنصحك لو لفعلك قد نظرت تقطعني على التفريط لوما وبالتفريط دهرك قد قطعت وفي صغري تخوفني المنايا وما تدري بحالك حيث شخت وكنت مع الصبا أهدا سبيلا فما لك بعد شيبك قد نكثت وها أنا لم أخذ بحر الخطايا كما قد خطه حتى غرقت ولم أشرب حمية أم دفر وأنت شربتها حتى سكرت ولم أنشأ بعصر فيه نفع وأنت نشأت فيه وأنت نشأت فيه ومن تفعت ولم أحلُل بواد فيه ظلم وأنت حللت فيه وانتهكت لقد صاحبت أعلاما كبارا ولم أرك اقتديت بمن صحبت بقي الإخوان يقولون بيت لم يشرح وهو وليس بنافع ما نلت منها من الفاني إذا الباقي حرمت» وهذا ظاهر معناه مما سبق، وأن من ضيَّع حظ آخرته وضيَّع أعمال آخرته النافعة له لأجل أن ينال نعمةً أو رزقًا أو عيشًا من عيش الدنيا، فإن عيش الدنيا صفته الفناء، وعيش الآخرة صفته البقاء. عيش الدنيا زائل، وعيش الآخرة هو الباقي. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، لا عيش إلا عيش الآخرة». وأما عيش الدنيا فعيش متقلِّب زائل غير دائم، فان غير باق، فهو متاع زائل، فأي شيء ينفعك إذن؟ ولهذا العاقل لا يضيِّع يقيناً بظن، ولا يضيِّع فانياً، ولا يضيِّع باقياً بفانٍ، ولا يضيِّع دائماً بزائلٍ، فليس بنافعٍ ما نلت منها لأنه يزول ويتغيَّر ويذهب، فأي شيء بقي لك من نفعه؟ فليس بنافعٍ ما نلت منها من الفاني من أمورها ومتاعها الفاني إذا الباقي حرمت. يقول رحمه الله تعالى: «وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرت». دأباً أي دائماً، هذا معنى، فالدأب هو المداومة، الدأب على الشيء المداومة عليه. وأكثر ذكره في الأرض دأباً أي دائماً، أكثر من ذكر الله عز وجل، فإن ذكر الله من أعظم الأعمال الصالحة، ذكر الله من أعظم الأعمال الصالحة، وهو من أسهل الأعمال الصالحة، فكل عضوٍ يتعب إذا عمل أعمالاً إلا اللسان، فمهما ذكرت بها ربك لم يتعب. وأكثر ذكره في الأرض دأباً أي دائماً، ولا سيّما الأذكار التي تقال بعد الصلوات، وكذلك أذكار الصباح والمساء، وكذلك الإكثار من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة. لا حول ولا قوة إلا بالله من أعظم الأدعية والأذكار التي تقال، في حديث أبي موسى في الصحيحين: قال أبو موسى: قال صلى الله عليه وسلم: «لما أكثر الناس من التسبيح ورفعوا أصواتهم: إنكم لا تدعون أصم ولا غائب، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». قال أبو موسى: فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلك يا أبا موسى على كنز من كنوز الجنة؟» قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «قل: لا حول ولا قوة إلا بالله». هذا الذكر من الأذكار العظيمة، ولهذا يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وينبغي للعبد أن يكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنه بها يحمل الأثقال ويكابد الأهوال وينال رفيع الخلال». وابن القيم ذكر في هذه الكلمة أنها كلمة عظيمة عند أهل العلم، معناها الاستعانة، أي: لا حول لي ولا تحول لي من حال إلى حال إلا بإعانة الله عز وجل، فهي نوع استعانة. ويخطئ من يستخدمها في موضع «إنا لله وإنا إليه راجعون». ومن الأذكار العظيمة التسبيح، وكان يقول رحمه الله: كان السلف إذا دخلوا في أمر مخوف كالدخول على بعض الظلمة ونحوهم، أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، مجربة، ذكر عظيم يعينك على مكابدة الأهوال ويعطيك رفيع الخلال، يرفع من شأنك عند الله عز وجل. من الأذكار أيضاً: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيتهن بدأت، خير الكلام بعد القرآن، كما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الكلام بعد القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيتهن بدأت». الذكر كثير، ينبغي المسلم أن يكثر من الاستغفار أيضاً، فإنه باب عظيم من أبواب محو الذنوب والعفو من الله عز وجل، ولازم. قال: «وأكثر ذكره في الأرض دأبا لتذكر في السماء إذا ذكرت». قوله: «في الأرض» يقابل «في السماء»، الجزاء من جنس العمل، هذا مقابلة في علم البلاغة، في الأرض، في السماء، مقابلة بين العجز والصدر. وقد ثبت في الصحيحين، صحيح البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». هذا فضل عظيم، لو قيل لإنسان: إن الرجل الفلاني قد ذكرك عند أصحابه وأثنى عليك، يسر بذلك سروراً عظيماً ويفرح قلبه أنه ذكره فلان من الناس، فكيف إذا كان هذا القائل ملكاً في بلاد الملك الفلاني أو السلطان الفلاني أو الحاكم الفلاني ذكرك، يفرح أكثر، فكيف إذا كان الذي يذكرك هو الرحمن الرحيم، هو رب العالمين سبحانه وتعالى؟ هذا هو الفضل العظيم والشرف الذي لا شرف بعده. «وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ أي جماعة ذكرته في ملأ خير منهم». يقول رحمه الله: «وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرت». هذا حاصل غير مقصود، حاصل جزاء عاجل وثواب حاصل، ولكنه غير مقصود، وإنما هو تابع لفضائل الذكر، ولو قصده إنسان لم يكن عليه. «لتذكر في السماء إذا ذكرت» أي: ذكرت الله سبحانه وتعالى. وذكر الله أنواع، ومن أعظم الذكر العلم النافع وقراءة القرآن وتعلم العلم في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. قال العلماء: من أحسن العمارة للمساجد تعليم العلم، تعليم السنة، تعليم القرآن، من أحسن العمارة للمساجد، وهي أعظم من عمارة البناء مع ما فيها من شرف وثواب وفضل. «ولا تقل الصبا فيه امتهال» في نسخة: «فيه مجال» بالميم والجيم بعد ألف، يأتي لهم «مجال» يعني أن الصبا مضنة لأن يعيش صاحبه بعد ذلك، فلهذا يغفل الغافلون فيظنون أن مرحلة الشباب مرحلة إمهال أو مرحلة فيها مجال بخلاف الشيخوخة، فهو يقول: أفعل من الذنوب ما أفعل، فإذا كبرت تبت، وإذا شخت استغفرت، أما فترة الشباب فأستغلها في معصية الله، عياذاً بالله. «ولا تقل الصبا فيه امتهال أو في نسخة فيه مجال، وفكر كم صغير قد دفنت». يذكر ابن الجوزي رحمه الله في صيد الخاطر أن أكثر الناس يظنون أن الذين يموتون يموتون في حال شيخوختهم وفناء قواهم. قال ابن الجوزي: وهذا غلط، فإن حياة الناس تدل على أن الذين يبلغون مرحلة الضعف وكبر العمر قليل. انظر إلى رجل كبير في السن، سنه ثمانون سنة، اسألهم: أين أقرانك؟ ربما يستذكر أمة من الناس، كلهم قد مات، كلهم قد مات، بقي أفراد منهم هذا في سن السبعين، في سن الثمانين، فإذا وصل إلى التسعين ربما لا يستذكر إلا نادراً. وهو كان في فصل من فصول الدراسة وكان يلعب مع جيل من الناس، أين هذا الجيل؟ كلهم تحت الأرض، كلهم تحت الأرض. يقول ابن الجوزي رحمه الله: فتأملت، وإذا أكثر الناس يموتون في شبابهم وزمن قوتهم، أكثر الناس يموتون في شبابهم وفي زمن قوتهم، لا كما يظن الضعان. هذا غفلة، اسأل أي كبير في السن: كم أدركت؟ من أي بلد أنت؟ قال: أنا من قريتي كذا، كم كنت في شبابك مع أصحابك؟ كم كانوا؟ قال: كنا مئات. قلنا: نفترض أنهم عبارة عن مئتي شخص لا غير، هل تعلم فيهم أحداً اليوم؟ يفكر، يفكر، يفكر، يقول: بقي فلان وفلان وفلان. انظر إلى النسبة، إلى المئتين، كم تطلع النسبة؟ كم يكون الحاصل الموجود ممن كان موجوداً في أول الزمان، أول طفولة؟ هذا المعمر، هذا الشيخ الذي ضعفت قواه، هذه الحقيقة، لكن أكثر الناس لا يعقلون. ولهذا أشار إليها الناظم فقال: «وفكر كم صغير قد دفنت». كم صغير قد دفنت، أي: كم من إنسان صغير في العمر، لا زال في مقتبل الشباب أو في مرحلة القوة والشباب، ذهب، إما في صغره أو في شبابه أو في كهولته، والقليل من يصل إلى شيخوخته، القليل من يبلغ درجة الشيخوخة، وهذه هي الحقيقة، ولكن الإنسان يهلكه الأمل، فهو في نفسه أمل، وهذا الأمل خداع أنه سيعيش مئة سنة أو أكثر من مئة سنة، هكذا في خاطره وفي قلبه، لكن قد يتفاجأ بالموت في أي لحظة، يتفاجأ بالموت في أي لحظة، نسأل الله العافية والسلامة. وأشد من الموت العجز، أشد من الموت العجز أن تصير في هارم وثقل وضعف، يكرهك فيه من يحبك، فتصبح ثقيلاً على الناس. كم من إنسان في كهولته قد لا تحمله قدماه، يصلي على الكرسي بعد أن كان قوياً فتيا؟ أشد من هذا من ربما يصبح عاجزاً حتى عن نظافة نفسه. ومن الأشياء أيضاً المحزنة في هذا الباب أن كثيراً من الناس يذهب تقديرهم واحترامهم كلما كبروا، قد يكون رجلاً له عقل راجح، إنما يعرف قدره من كانوا في زمنه، فإذا ذهبوا لم يعرف الجدد من هذا الرجل، نسأل الله العافية والسلام. ولهذا يقول الطغرائي في لامية العجم التي قابل بها لامية الشنفرة: «هذا جزاء امرئ أقرانه درج من بعده فتمنى فسحة الأجل». هذا جزاء امرئ أقرانه درج من بعده، أي: قد ذهبوا، فتمنى فسحة الأجل، ربما حتى أحفاده لا يشعرون بقيمته أو بما عنده مما ينبغي الحرص عليه، إلا العلماء فإنهم يعرف قدرهم طلبة العلم، وأما سائر الناس فالغالب أن أقدارهم تقل كلما دخلوا في العمر، وينشأ في الجيل من لا يعرف لهم فضلاً ولا سابقة، فيتألمون وربما يتمنون الموت. «ولا تقل الصبا فيه امتهال، وفكر كم صغير قد دفنت، وقل يا ناصحي بل أنت أولى بنصحك لو لفعلك قد نظرت». هذا من بلاغة هذا الشاعر، أعطى مجالاً للمنصوح أن يتحول إلى ناصح، وللملوم أن يتحول ويجلس في مجلس اللائم، وهذا من لا يستطيعه كثير من الشعراء، حوار يستوفي فيه في المحاورة الحجج حتى تقول: لم يبق شيئاً من قوة الحوار، ينظر ناظر ويقول: هذا المتكلم في هذا الطرف لم يبق لهذا الطرف حجة، سبحان الله، وهذا من بلاغة هذا الشاعر الزاهد. يقول: «انتقلنا الآن إلى أبي بكر، وقل: أيها أبا بكر، يا من أنصحك وأريد لك الخير وأدلك عليه وأرشدك إليه وأحبك وأحب نصحك، قل يا ناصحي». أياماً جعلت نفسك ناصحاً مبصراً للناس بعيوبهم وأخطائهم وتقصيرهم، كأنك شمعة تضيء لهم الطريقة وتقول لهم: سلكوها، هنا فهذا هو الطريق. «وقل يا ناصحي بل أنت أولى بنصحك»، هذا الذي تنصحني به، «لو لفعلك قد نظرت»، أي: لو قارنت نصائحك العظيمة بما فيها من الإرشاد الجليل والحق المبين، لو قارن القول بالعمل لظهر الفرق، وأنك في أقوالك ونصحك أفصح منك وأعظم إعراباً وبياناً من فعلك وعملك. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾. هذا ينافي العقل ويخالف مقتضاه، بل الذي ينبغي للإنسان أن يأمر نفسه ويعمل بنصحه قبل أن يعمل غيره بنصائحه. «وقل يا ناصحي» الكلام لنفس الشاعر، هذا يدل على عقله، ويدل على فضله، ويدل على زهده، ويدل على ورعه، ويدل على إزراءه على نفسه، ويدل على سوء ظنه بعمله، وهذه الصفات علامات إذا اتصف بها الإنسان أفلح. «تقطعني» ما أدري الوقت يسمح لنا. «وقل يا ناصحي بل أنت أولى بنصحك لو لفعلك قد نظرت، تقطعني على التفريط لوما، وبالتفريط دهرك قد قطعت». أي: أنك لم تنتفع بهذه النصائح في نفسك، وفاتك بها خيرٌ عظيم وعملٌ جليل، فأنت تقطعني باللوم على ما أنا فيه من تفريطٍ في العلم النافع ومن تفريطٍ في العمل الصالح، فأنا مفرِّطٌ في الجانبين: في العلم النافع طلبه، وفي العمل الصالح وفعله. «تقطعني على التفريط لوما»، فكأنك قد حملت سكين النقد وأخذت تقطع فيَّ بتلك الشفرة الحادة، فكأن اللوم موسى أو سكين حادة تقطعني بها، «تقطعني على التفريط دوماً». «وبالتفريط دهرك قد قطعت»، أي: في عملك قد ضيعت شباب صغرك، وضيعت شبابك، وضيعت كهولتك، فماذا بقي لك في شيخوختك التي أنت فيها؟ لعل الوقت قد دخل. قال: «وفي صغري تخوفني المنايا وما تدري بحالك حيث شخت»، أي: صرت شيخاً كبيراً، فكأني أنا المخصوص بالحذر من الموت، مع أنك في كبرك، «وفي صغري أنا أنت أولى بالنصيحة في الحذر من سوء الخاتمة وفوات العمل». «وكنت مع الصبى أهدى سبيلاً فما لك بعد شيبك قد نكثت». شفت أن «نكث»: نكث العهد ونكث الحبل هو نقضه، نكث العهد ونكث الحبل هو قطعه. ومعنى البيت: «وكنت مع الصبى أهدى سبيلاً فما لك بعد شيبك قد نكثت»، أي: نقضت ما كنت فيه من استقامة وخير وصلاح. «وها أنا لم أخذ بحر الخطايا كما قد خطه حتى غرقت». هذا فيه تشبيه بليغ، وأن الذنوب والمعاصي والسيئات والخطيئات كأنها بحر، من الناس من يقف ناظراً فيسلم، ومن الناس من يعرض ويمشي فهو أسلم، ومن الناس من يدخل رجليه فهذا قد خسر بقدر ما أدخل نفسه في هذا البحر من الخطايا والسيئات، ومن الناس من يخوض إلى ركبتيه، ومن الناس من يخوض إلى حقويه، ومن الناس من يخوض في بحر الخطايا إلى صدره، ومن الناس من يخوض هذا البحر إلى عنقه، ومن الناس من يغرق في هذا البحر فلا تراه وقد غطى عليه ماء الخطايا والسيئات، الناس درجات في هذه الفتن، نسأل الله العافية والسلام. «وها أنا لم أخذ بحر الخطايا كما قد خطه حتى غرقت»، أي: أني ناظر فقط، لم أدخل بعد، لكنك غرقت وغطاك البحر كلك بأمواج المعاصي والخطايا، فمن أولى بالنصيحة، ومن أولى بالتقريع، ومن أولى باللوم على التفريط، ومن أولى بالشدة في الكلام؟ أنا أم أنت؟ هكذا يقول. «ولم أشرب حمية أم دفر وأنت شربتها حتى سكرت». الحمية هي أول سورة الكأس إذا اشتد فيه السكر، حمية الكأس هو أول سورتها، تجد كأس الخمر وعليه الفقاقيع من شدة الإسكار، قد صار عليه فقاقيع هكذا بعضها فوق بعض، هذه الحمية. وهذه الحمية عند العرب: الكأس إذا ملء خمراً يصعد عليه مثل الفقاقيع، هكذا فيكون فقاقيع عليه مثل الزبد البيضاء ونحوها، هذه الحمية. والدفر هو النتن، كل نتن يسمى دفراً، النتن، فالشيء النتن يسمى دفراً. يقول: «ولم أشرب حمية أم دفر»، أم دفر هي كنية الدنيا، الدنيا لها كنية، تكنى «أم دفر»، أي: أم النتن، هكذا تسمى في لغة العرب، «أم دفر» أي: أم النتن. يقول له: «ولم أشرب حمية أم دفر»، أي: كأس الدنيا النتن الذي قد صار مسكراً حتى علته الرغوة، رغوة الإسكار، فصار على ذلك النتن في ذلك الكأس رغوة عظيمة، وأن شربت من ذلك الكأس حتى فقدت وعيك وسكرت بالدنيا. المعنى: أنني لم أضيع عمري في الدنيا حتى أضيع من أجلها آخرتي، وأنت أفنيت عمرك في جمع الدنيا وحطامها حتى أضعت دينك أو شيئاً من دينك من أجل الحصول على هذه الدنيا الفانية، وهذا معنى قوله: «حتى سكرت». «ولم أشرب حمية أم دفر وأنت شربتها حتى سكرت، ولم أنشأ بعصر فيه نفع وأنت نشأت فيه ومن تفعت». العلامة أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله نشأ في آخر القرن الرابع والخامس، وأول الخامس. القرن الرابع كان فيه علم نافع غزير، علم نافع كثير، والسنة ظاهرة، والسلفية بنودها عالية في بلاد الأندلس وفي سائر بلاد الدنيا، والبدع مطمورة وأصحابها مغمورون، وأهل السنة شهب في السماء وأعلام في رأسها نار، عصر عظيم فيه علماء فيه أئمة. «وأنت نشأت فيه ومن تفعت»، هذا نوع من أنواع المبالغة في التقريع، والمعنى: أنك عندك نفع إذ صرت شاعراً واعظاً مذكراً، لكن اللائق بك إذا قارنا بزمنك أن تكون أعلى رتبة من هذه المنزلة التي أنت عليها اليوم، فهذه التي أنت عليها اليوم دون، دون ما كان ينبغي أن تكون عليها، وقد أدركت زمان الخيرات وزمان النفع العظيم وأوقات، أنا ماذا أدركت شيئاً منها؟ لأن القرن الخامس بدأت تظهر فيه البدع والمحدثات، وعلت راية أهل البدع ما لم يكن في القرن الرابع وما بعده وما قبله. قرن الخامس مرحلة فاصلة بين علو السنة وأهلها وبين نزولهم وصعود أهل البدع، كما ذكر أهل العلم، وهذا معروف. فتجد القرن الخامس قد علت فيه راية البدع والأهواء، وقل العلم النافع، وكثرت الفتن ما لم يكن من قبل. «ولم أنشأ بعصر فيه نفع وأنت نشأت فيه وما انتفعت». «ولم أحلُل بواد فيه ظلم وأنت حللت فيه وانتهكت». لعل لا نقف هنا ونقرأ في المجلس التالي ما بعده. هذا، وأسأل الله جل جلاله أن يرحم العلامة الفقيه الزاهد أبا إسحاق الإلبيري، وأن يرحمه بواسع رحمته، ويجزيه عنا وعن المسلمين خير الجزاء. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر. شكراً.