الدرس في شرح فتح الوهاب 2، الدرس الثاني ( ولذلك أفادت هذه الكلمة الحصر والاختصاص ... ويدل عليه قوله تعالى يا أيها الكافرون ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح معنى كلمة التوحيد وتضمنها للحصر والاختصاص، وتتضمن العلم والعمل بنفي العبادة عن غير الله وإثباتها لله وحده. النفي والإثبات في كلمة التوحيد متلازمان من كل وجه.
يفسر الإله بأنه المعبود محبة وتعظيما، والعبادة تجمع بين الحب والتعظيم مع الذل، ولا إله إلا الله تنفي استحقاق العبادة عن غير الله وتثبتها لله وحده.
يشرح مفهوم الشرك وانتشاره عبر التاريخ، حيث اتخذ الناس آلهة يعبدونها مع الله، واستدل بالقرآن على وقوع الشرك في زمن نوح وإبراهيم والعرب قبل الإسلام.
يظهر كيف حول الله عز وجل العرب من حالة سيئة إلى هداية ونور بفضل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعتبر هذا التحول من فضل الله على من شاء من عباده.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد، تقدم معنا في الدرس السابق الكلام على مكانة كلمة التوحيد وعلى معناها أيضا. وما زال الشيخ رحمه الله تعالى عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب - أن نجد رحمهم الله تعالى جميعا - يسوق كلام أهل العلم ويبين معنى لا إله إلا الله من كلام أهل العلم، سواء كانوا أهل اللغة أو غيرهم. فمر معنا أمس قوله رحمه الله تعالى: «ولذلك أفادت هذه الكلمة الحصر والاختصاص، لا إله إلا الله أفادت الحصر والاختصار». كما مر معنا أمس قال: «وقرر بعض المحققين لهذه الكلمة الطيبة وما شابهها من الآيات التي ابتدأت بنفي الآلهية عن غير الله، أن ذلك أبلغ وآكد في الإثبات والاختصاص». أبلغ وآكد كما مر معنا أمس. ومنه: «لا رجل إلا زيد، ولا كريم إلا زيد»، فإنه مع إفادته نفي الصفة عن غير المستثنى، أفاد إثباتها له على وجه كمال الذي لا يتأتى بمجرد الإثبات من غير نفي، فلا يفيده «زيد رجل» أو «زيد كريم». كما مر معنا أمس أن الأسلوب بالنفي والإثبات أكمل في إلزام الصفة واختصاصها بذلك الموصوف من أسلوب الإثبات المجرد. قال: «ولأن بين النفي والإثبات هنا تلازم، تلازم من كل وجه». بمعنى أنه لا يتصور نفي من غير إثبات والعكس، بل هما متلازمان من كل وجه. والتلازم قد يكون من كل وجه، وقد يكون من وجه دون وجه، وقد يكون ليس هناك تلازم بين الأمرين. لكن في هذا الموضع خاصة التلازم فيه من كل وجه، وسيأتي بيان هذا من كلام الشيخ رحمه الله. قال رحمه الله: «ولأن بين النفي والإثبات هنا تلازم من كل وجه، فلا براءة من الشرك وعبادة غير الله إلا بتوحيده، ولا توحيد إلا بالبراءة من كل معبود سوى الله». فلا براءة من الشرك إلا بالتوحيد، ولا توحيد إلا ببراءة من الشرك، فهما متلازمان، النفي والإثبات كما بيّنه الشيخ رحمه الله. قال رحمه الله: «وكما تضمنت العلم، فهي تتضمن العمل». لا إله إلا الله تضمنت العلم، والعلم ها هنا نفي العبادة عن غير الله عز وجل، وإثباتها لله عز وجل. هذا من العلم، وهذا من لا إله إلا الله، لا إله إلا الله معناها لا معبود بحق إلا الله. فعلم من هذه العبارة أنه لا معبود بحق إلا الله، وهي أيضا تفيد العمل كما أفادت العلم. وذلك لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فإذا علم هذا وعلم أن المعبود الحق هو الله عز وجل، أتبع ذلك العلم العمل. أي يجب لمن كان موحدا أن يعمل بمقتضاء لا إله إلا الله، بأن يعبد الله عز وجل وحده، فيقوم بأعمال سواء كانت أعمال من أعمال القلوب من الإخلاص والمحبة والخشية والإنابة والرهبة والتوكل وغيرها، أو من أعمال الجوارح، سواء كان اللسان بالنطق بلا إله إلا الله أو بتلاوة القرآن والذكر وما شابه ذلك، أو ببقية الجوارح بإقامة العمل ببقية الجوارح كإقامة الصلاة، تحتاج إلى عمل بالجوارح الظاهرة من ركوع وسجود وقيام وما شابه ذلك. فهي كما تضمنت العلم، فهي تتضمن العمل، لأن معناها لا معبود بحق إلا الله. فإذا علم أن هناك معبود بحق وهو الله عز وجل، أتبع ذلك العلم بالعمل، وهي العبادة وصرفها لله عز وجل وحده. قال رحمه الله تعالى: «وَلَا يُتَصَوَّرْ وَجُودُ شَهَادَةُ وَإِذْعَانُ وَإِتْيَامِ مَدْلُولِهَا إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ». ليتصور ثمرة، بل قل كما قال الشيخ رحمه الله تعالى: «وجود لشهاد وإذعان إلا بعلم وعمل». قال رحمه الله تعالى: «وهذا الذي قررناه تدل عليه عبارات أهل العلم من اللغويين والمفسرين وغيرهم». أي هذا الذي قرر من أن لا إله إلا الله معناها لا معبود حق إلا الله، وأنها تقتضي العلم والعمل، هذا الذي قرره أئمة اللغة، وكذا أئمة التفسير وأئمة الشرع. قال رحمه الله تعالى: «والإله: وضع لكل معبود حقا كان أو باطلا». لفظ الإله وضع لكل ما عبد، والعبادة كما سيأتي معنا تجمع بين أمرين لا يتصور إنسان عبادة إلا بهذين الأمرين، وهما غاية الخوف والذل مع غاية الحب والتعظيم. فالآلهة: كل من صرف لهم شيء من العبادات فهو إله، أي معبود لأنه عبد. وهذا الإله قد يكون حقا وقد يكون باطلا، الحق هو الإله الحق سبحانه وتعالى وحده، والباطل هي الآلهة التي عبدت مع الله أو من دون الله عز وجل، كما صنع المشركون في الأزمان السابقة، وكما فعل القبوريون في هذه الأزمان من صرف العبادات لغير الله عز وجل. فمن صرف شيئا من العبادات لشيء، فقد اتخذه إلها، لأن الإله هو المعبود كما قال الشيخ رحمه الله: «والإله وضعا لكل معبود حقا كان أو باطلا». قال: «لأنه مشتق من الإلهة بمعنى العبادة». قال في القاموس: «ألها يأله إلهة وألوهية بمعنى عبد يعبد عبادة». وكل من عبد شيئا فقد اتخذه إلها. قال: «وقال غيره: إله اسم جنس يقع على كل معبود». والإله بمعنى المألوه، قال: «كالكتاب بمعنى المكتوب». فأليه بمعنى المألوه، والمألوه هو المعبود محبة وتعظيما كما سيأتي. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «الإله هو الذي يلله محبة وذلا وإنابة وتعظيما وتوكلا وخوفا ورجاء». هذا هو الإله. قال: «وكذا قال ابن القيم وابن رجب وغيرهما من أهل العلم». وبعد التعريف والتفخيم صار علما على ربنا جل وعلا. معنى هذه العبارة أن لفظ الإله كما تقدم، لفظ الإله يكون أو وضع لكل معبود بحق أو بباطل. أما لفظ الجلالة «الله»، أي بعد أن دخلت الألف واللام وفخهما، فلا يفهم منه إلا الإله الحق. فإذا قال إنسان لإنسان: «أعبد الله»، الله ربنا وما شابه ذلك، لم يفهم إلا الإله الحق. بخلاف من قيل له: «أعبد إلها»، قد يفهم منهم هذا أو ذاك. قال رحمه الله تعالى: «قال سيباويه: وهو أعرف المعارف». لفظ الجلالة «الله» اسم الجلالة «الله»، قال: «هو أعرف المعارف مطلقا، لأنه علم على رب عز وجل». قال تعالى متمدحا بذلك: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. وهنا الاستفهام مشرب معنى النفي، فهو يفهم منه النفي وزيادة، فهو أبلغ من قول القائل: «لا تعلم له سمية»، لأن النفي هنا أو الاستفهام أشرب معنى النفي، فكأنه يقال: «هل تعلم له سمية؟» فالجواب: «لا»، وأن يكون له سمية، تعالى الله عز وجل عن ذلك. قال: «والدليل على أنه بمعنى العبادة، قول رؤبه». وهو كذلك من شعراء الفصحاء المعروفين، قال: «لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تأله». قال: «يعني من تعبد». وهذا من كلام الشعراء العرب يبين لنا أن معنى تألها معناها تعبد، وهذا يؤيد ما ذكره الشيخ رحمه الله. قال: «وقرأ ابن عباس: ﴿وَيَذَرَكُمْ وَآلِهَتَكُمْ﴾». أي عبادتكم، وزنا ومعنى. وهذا الأثر ثابت عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه. قال: «وأما التعبيد، فهو في الأصل التذلل». التعبد يعني الآن أليها بمعنى ماذا؟ عبدا. طيب ما معنى التعبيد؟ قال الشيخ رحمه الله: «قالوا: أما التعبيد فهو في الأصل التذلل». التعبد معنى التذلل، هذا هو الأصل في إطلاق لفظ التذلل أو التعبد. قال: «كما قال الشاعر: تباري عتاقا ناجيات وأتبعت وظيفا وظيفا فوق مور معبد». الشاهد منه: «فوق مور معبد». قال: «والمور المعبد هو الطريق المذلل، الطريق المذلل الذي صار طريقا سهلا للناس بسبب ماذا؟ بسبب مداومة الناس في السير على ذلك الطريق». قالوا: «في الاصطلاح، أي في الاصطلاح الشرعي». وها هنا فائدة يذكرها العلماء، وهي أن كل تعريف شرعي يدخل في التعريف الاصطلاحي، ولا عكس. أي تستطيع أن تقول: التعريف الشرعي بأنه تعريف اصطلاحي، ولا تقول: التعريف الاصطلاحي بأنه تعريف شرعي. قال رحمه الله: «وفي الاصطلاح هي أخص». أي العبادة في الاصطلاح أخص من التذلل فقط. قالوا: «في الاصطلاح هي أخص، لأنه لا بد فيها من وجود الركن الأعظم وهو الحب». ففي الشرع التعبد أو العبادة ما جمعت أمران، كما مر معنا وسائتي: الحب والتعظيم مع الذل. قال رحمه الله: «قال في الكافية: عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطبان». قال: «عبادة الرحمن غاية حبه». الركن الأول غاية الحب. قال: «مع ذل عابده». هما قطبان، أي تدور العبادة رحى العبادة يدور عليهما. قال: «والقطب هو الأس الذي عليه المدار». قال: «وبهذا يتبين أن المقصود نفي استحقاق العبادة عن غيره تعالى». لا نفي وجود التأله والتعبد لسواه. فإن نفي وجوده مكابرة للحس والنص. هذا الكلام للشيخ رحمه الله تعالى يبين أن لا إله إلا الله لم تفد نفي الآلهة فقط، بل أخص من ذلك، فهي أفادت نفي الآلهة الباطلة المستحقة للعبادة، وإثبات العبادة لله وحده سبحانه وتعالى. لذا قال: «قال وبهذا يتبين أن المقصود نفي استحقاق العبادة عن غيره تعالى». فغير الله قد عبد، ولكنه لا يستحق هذه العبادة، وإنما المستحق للعبادة وحده هو الله عز وجل. قال: «لا نفي وجود التأله والتعبد لسواه». أي لا إله إلا الله لا تفيد نفي التعبد لسواه. قال: «فإن نفي وجوده مكابرة للحس والنص». للحس أن بالحس، سواء كان بالبصر أو بالسامع أو ما شابه ذلك، قد علم علم يقين أن هناك من: الناس اتخذ آلهة مع الله عز وجل عبدها وتقرب إليها بأنواع من القربات وأنواع من العبادات. وهذا لا يخفى على أحد من المسلمين ممن علم وتعلم التوحيد الخالص. في الأزمان الأولى قد علم أن الناس اتخذوا آلهة عبدوها مع الله عز وجل في زمن نوح إلى زماننا هذا. والناس ما يمر زمن إلا وظواهر الشرك تحدث وتظهر، وأحيانا تقوى وأحيانا تضعف، بحسب الأماكن والأزمان، وبحسب الدوافع، وبحسب الموانع أو الحواجز، وبحسب المسهلات. فهذا أمر محسوس، بل في زمننا هذا نرى كثير من الناس أو بعض الناس ممن خذل توجه إلى القبور والأضرحة، يقدم إليها ويقرب إليها القربان. منهم من يذبح لتلك القبور ولتلك القباب، ومنهم من يستغيث، ومنهم من يدعو، ومنهم من يزجد ويبكي ويتمسح بتلك القبور. وهذه العبادة عين العبادة قد صرفت لغير الله عز وجل. فهذا الفاعل قد اتخذ ذلك القبر أو تلك القبة أو صاحبها إلها مع الله عز وجل، شاء أم أبا. لأنه كما مر معنا: الإله بمعنى المألوه هو المعبود. وكل من صرف العبادة لغير الله عز وجل فقد اتخذ ذلك المعبود إلها يعبده من دون الله عز وجل. فهذا معلوم بالحس، كما أنه معلوم كذلك بالنص، أي قد جاء به القرآن يدل عليه. قال مستدلا من القرآن: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾. هذا نص قرآني. لو لم ندرك بالحس لو لم ندرك بالحس أن الشرك قد وقع، وأن من الناس من اتخذ مع الله إلها، وجاء النص لكان واجبا على كل مؤمن أن يقر به، وأن يؤمن به، وأن يصدق بمقتضى هذا النص. فكيف والأمر أجل وأعظم؟ فقد جاء به النص كما جاء به الحس والواقع. قال: ﴿أَفَأَرْبَابًا مُتَفَرِّقِينَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. وقال: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. وقال عن صاحب ياسين: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾. أي أتقرب إليها وأعبدها مع الله عز وجل. قال: «فسمى معبوداتهم على اختلاف أجناسها آلهة». سواء كانت الكواكب كما في زمن إبراهيم عليه السلام، أو كانت الأصنام حجارة أو أشجارا أو ما شابه ذلك في زمن نوح ومن بعده، وفي زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما كان المشركون على تلك الهيئة. قال: «ها آلهة وعبادة غير الله وجدت وانتشرت واشتهرت في الأرض من عهد قوم نوح». قد جاء في البخاري من حديث ابن عباس في تفسيره لسورة نوح: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: «هذه أسماء رجال صالحين كانوا في زمن نوح عليه السلام». فمرت الأيام، فجاء بعض الناس وزين لهم الشيطان. قال: «لهم لو أنكم اتخذتم لهؤلاء الصالحين صورا، إذا رأيتموها تذكرتموهم ونشطتم على العبادة». فسول لهم الشيطان ذلك، فعملوا تلك التصاوير، فصوروهم. وكان بادئ الأمر أن كانوا ينظرون إلى تلك الصور، فتنشط مع العبادة. فلما مرت الأيام واندرس العهد، وجاءهم الشيطان، جعلوا يعبدونهم ويتقربون إليهم بأنواع من العبادات، حتى بعث الله عز وجل فيهم نوحا عليه السلام. ثم لم تزل كذلك هذه الأصنام وانتشرت الأصنام ها هنا وها هنا. ثم جاء ذاك الخزاعي وأدخل الأصنام إلى جزيرة العرب بعد أن كانت طاهرة منها. وعبد الناس الأصنام، وزيّن لهم الشيطان أعمالهم، فصدهم عن السبيل، فهم لا يهتدون. قال رحمه الله: «وقد تقدم أن من عبد شيئا فقد اتخذه إلها». ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. فالله عز وجل قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون». فهم عبد غير الله عز وجل، عبد الآلهة الباطلة، عبد أصناما وأحجارا. بل بعضهم عبد ترابا، كما جاءت الآثار في ذلك. جاءت بعض الآثار أن الرجل منهم ربما صنع تمرا، وقال: «هذا إلهي أعبده». من التمر يعبد تمرا صنعه بيده. فإذا جاء أكل ذلك التمر، أكل إلهه. انظروا يا أيها المسلمون كيف كان الجهل، كيف كان العرب في جاهلية جهلا في النهار يعبده ويتقرب إليه بالقربات، فإذا جاء أول ما يبدأ يأكل من ذلك الإله، يأكل من ذلك الإله الذي صنعه بيده. وآخر ربما جمع كومة من التراب، ووضع عليها اللبن حتى تتماسك، وعبدها في أول النهار. وفي آخر النهار انتقل إلى إله آخر يعبده، كما ذكر ذلك بعض السلف رضي الله عنهم وأرضاهم بعد أن هداه الله عز وجل ودخل في الإسلام. فهذا يبين ما كان عليه العرب من الجاهلية الجهلاء، بل والفتنة العمياء. تدل على أن من اتخذ إلها دون الله عز وجل فهو في سخافة، بل في غاية الجهل، وفي غاية الغباء. وإلا كيف يكون إلها له في أول النهار، وفي آخر النهار يأكله؟ فهذا يدلنا على ما كان عليه العرب من الحالة المزرية الرديئة التي حولها الله عز وجل بعد ذلك ببعثة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى نور وهداية وخير وفلاح ونور. وذلك من فضل الله الذي آتاه من شاء من عباده. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.